(الوطن) بالتعاون مع الادعاء العاممن منشورات ( المجتمع والقانون )ولدنا على الفطرة السليمة والإنسانية الرفيعة، ومع ذلك نجنح أحيانًا إلى حيث هوى النفس الوضيعة ـ لاسيما عندما نجد المجال خصبًا لذلك ـ فننسى أو نتناسى أننا إلى أصلنا عائدون، وعن كل شيءٍ يومًا مسئولون.هو النفوذ عندما يتسلط على النفس البشرية فيحجب عنها البصيرة فيكون المحرك السيد للعقل، فيشعر الموظف (صاحب النفوذ) أن باستطاعته استغلال وضعه الوظيفي للقيام بالتجاوزات التي تحلو لمنفعة نفسه .. كيف لا، وله من النفوذ ما يسخّر له العبث بالأموال العامة، وتغيير الأحوال كيفما شاء اعتقادًا منه أن الرقيب الدنيوي غائب عنه، وأن ما يُدار تحت الطاولة لن يُطال. هي السُّلطة، التي لا ينبغي أن تبقى مُطلقة حماية لصاحبها، ولكي لا تؤدي به إلى المفسدة المطلقة، كما جاء في الأثر.تتمثل أدوات من زلت قدماه، في القضية الماثلة، في منصبه الوظيفي، إذ يشغل منصبًا في إحدى الشركات ذات المساهمة الحكومية والأداة الثانية، هي امتلاكه لوحداتٍ سكنية، التي أبت نفسه وسلطانه أن تبقى شاغرة، دون مستأجرين، وهو صاحب السُّلطة الذي في وسعه أن يجبر من لديه مصلحة في العمل والمال المؤتمن عليه، على استئجارها، وبالسعر الذي يحدِّده هو، دونما قيدٍ ولا شرط؛ ودون أن يكون لسعر السوق دخل في تحديد التفاصيل.تبدأ فصول القضية عندما أسندت شركة (ع ت)، التي يعمل فيها المتهم، مشروعًا للشركة التي يعمل فيها الشاهد الأول، مديرًا تنفيذيًا .. فاتح المتهم الشاهد مسألة استئجار الوحدات التي يملكها، لتسكين موظفي الشركة.رفض الشاهد في بادئ الأمر، خاصةً وأن السعر الذي وضعه المتهم كان مرتفعًا إلا أن إصرار المتهم على الشاهد، حال دون قُدرة الشاهد على الثبات على المبدأ، والإصرار على الرَّفض وذلك تحقيقًا لمصلحة الشركة التي يرأس تنفيذها، وضمانًا لاستمرارية تعامل المتهم معه.هكذا، فلقد تم إبرام عقد الإيجار للوحدات السكنية المملوكة للمتهم، والمسجلة باسم أحد من أفراد أسرته، بقصد درء الشُّبهات عنه، والإفلات من عين الرقيب؛ ولكن، هيهات أن تكون الجهات الرقابية تعمل بالسَّطحية التي أعتقدها المتهم، فتم إلقاء القبض عليه، وأحيل للادِّعاء العام لأجل التحقيق معه، فأنكر الاتهام الموجّه إليه جُملةً وتفصيلاً إلا أن موقفه المتزمّت والثابت على الانكار سُرعان ما انهار، بمواجهته بالأدلة القائمة ضدَّه، والتي جمعتها جهة الرقابة بحرفيَّةٍ بالغة، فتم على ضوء ذلك إحالته إلى المحكمة الابتدائية لاقترافه جنحة (استغلال المنصب لتحقيق منفعة)، المؤثمة بنص المادة (16) بدلالة المادة (7)، من قانون حماية المال العام وتجنب تضارب المصالح.وفي المحكمة، أُجري معه ما يُعرف بالتحقيق النهائي، بمعرفة قاضي الموضوع، الذي ناقشه تفصيلاً في كل جزئيَّات القضية، وبالأدلة التي ساقها الادعاء العام، فتمسَّك بموقفه بالمنكر للاتهام إلا أن الإنكار ما كان ليشفع له إذ بدت الأعمال التي قارفها المتهم واضحة بجلاء أمام المحكمة، الأمر الذي اطمأن وجدانها بصحة الاتهام المسند إليه، المتمحور في استغلال منصبه في كسب المال.وجاء في حيثيَّات الحكم الآتي:(وحيث إنه، ولما كان من المسلَّم به أن العبرة في المحاكمات الجزائية باقتناع المحكمة بالأدلة والبينات، وتأكيدها في استخلاص الواقع في الدعوى والصورة الصحيحة لها .. عليه حكمت المحكمة بإدانة المتهم بجنحة استغلال المنصب والنفوذ الوظيفي، وقضت بسجنه ثلاث سنوات، وعزله من الوظيفة العامة، ومصادرة مبلغ وقدره أربعة وعشرون ألف ريال عماني).ولأن الأحكام الصادرة في القضايا الجنحية ليست نهائية، فقد طرق المتهم باب محكمة الاستئناف، غير مرتضي بالحكم الابتدائي، وهو حقٌ مشروع له كفلته له نصوص قانون الإجراءات الجزائية.فتناولت محكمة الاستئناف مُجددًا كافة مُعطيات الدَّعوى من أدلة مُساقة، وناقشتها تفصيلاً، لتنتهي إلى قبول الاستئناف شكلاً، لتقديمه خلال الأجل القانوني وفي الموضوع، بتأييد الحكم المستأنف بالإدانة، وتعديل عقوبة السجن إلى سنة واحدة بدلا من ثلاث سنوات، وبالطرد من الوظيفة العامة لمدة خمس سنوات، وألزمته المصاريف.لجأ المتهم أخيرًا إلى الطَّعن أمام المحكمة العُليا، التي قرَّرت قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع برفضه، وإلزام الطاعن المصروفات.الجدير بالذكر، فإن قانون حماية المال العام وتجنب تضارب المصالح، صدر بموجب المرسوم السلطاني رقم:(112 /2011)، وقد تضمن ثمانية عشر مادة تأثيمية، أمَّا بشأن المادة التي أحيل بها المتهم وعوقب بموجبها، هي المادة السابعة والتي نصت على أنه:(يحظر على أيِّ مسؤولٍ حكوميٍّ استغلال منصبه أو عمله لتحقيق منفعة له أو لغيره أو استغلال نفوذه ليسهل لغيره الحصول على منفعة أو معاملة متميزة كما يحظ على المسؤول الحكومي إبرام أي تصرف يؤدي إلى المساس بالمال العام أو تبديده).وصدق الشاعر:يَعِيش المَرْءُ ما استحيَى بِخَيرٍ ويبقى العودُ ما بقيَ اللحاءُفلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ ولا الدُّنيا إذا ذَهبَ الحَياءُإذا لم تخشَ عاقبة َ الليالي ولمْ تستَحْي فافعَلْ ما تَشاءُ