(الوطن) بالتعاون مع الادعاء العام
من منشورات (المجتمع والقانون)

يحدث عقب صدور أيّ قانون جديد أن يحتدم النقاش حول ما إذا كانت أحكام هذا القانون، ستنسحب على تلك الأفعال المجرَّمة التي وقعت قبل صدورِه، والتي لا تزال قيد التحقيق، وبعضها قيد المحاكمة، وهو ما يُعبّر عنه في لغةِ القانون بـ (الأثر الرجعي للقانون) أم أنها ستسري فقط على الأفعال التي ستقع بعد صدوره، ودخوله حيِّز النفاذ، أو ما يُعرف بـ (الأثر الفوري والمباشر للقانون).
هذا الهاجس يحكمُه بابٌ في القانون يُعرف بـ (سلطان النص الجزائي من حيث الزمان)، فإذا اقتُرفت جريمة خلال فترة سريان النص، وحُوكم مرتكبَها فعلاً خلال تلك الفترة، وأصبح الحكمُ حُكمًا باتًا (أي بلغ الدرجة القعطية)، فلا صعوبة في الأمر إذ أن القاضي يُطبق النص الذي أمامه، ولا يُتصوَّر تفكيره في نصٍ آخر.
ولكن يثور التساؤل حال اقتراف الجريمة في خلال فترة سريان نصّ قانوني، ثم أُلغي، وحلَّ محله نصٌ آخر، أيطبِّق القاضي النَّص الذي كان ساريًا، وقت ارتكاب الجريمة، وهو لم يعد له سُلطان وقت المحاكمة أم يطبق النص السَّاري وقت المحاكمة، وهو نصٌ لم يكن له وجودٌ وقت ارتكاب الجريمة؟.
وللرد على هذا التساؤل، نقول أن الأصل في النصوص الجزائية أنها لا تسري بأثر رجعي؛ ولكن، هذا الأصل ليس مُطلقًا فبعض النصوص لها أثر رجعي، وهي النصوص الأصلح للمتهم.
هذا الأصل يُدخلنا إلى تلك القاعدة المعروفة بقاعدة (عدم رجعية النصوص الموضوعية)، والتي يقصد بها أن نص التجريم لا يسري إلا على الأفعال التي ترتكب بعد لحظة نفاذه.
وتستند هذه القاعدة إلى المادة (21) من النظام الأساسي للدولة، التي تقضي بأنه:(... ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون، ...) ومن ناحيةٍ أخرى، فإن القاعدة مُستمدَّة من مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، المقرر بمقتضى المادة المذكورة؛ والمؤكَّد عليه بمقتضى المادة (3) من قانون الجزاء رقم (7 /2018).
* رجعية النصوص الأصلح للمتهم:
النَّص الأصلح للمتهم يُطبق على الأفعال التي ارتكبت قبل صدوره، هذا يعني استفادة المتهم من النص الأصلح له وإن دخل حيِّز النفاذ بعد ارتكابه للفعل المجرم.
وعلى هذا النحو، يكون للنَّص الأصلح للمتهم سُلطان مُمتدّ إلى وقتٍ لم يُكن ساريًا فيه ويعني ذلك أنه يرجع في أثره إلى ذلك الوقت.
وتطبيقًا لذلك فإذا ارتكب شخصٌ فعلاً مُعاقبًا عليه وقت ارتكابه، ثم صدر قانونٌ يمحو عنه صفته الإجرامية أو يهبط بالعقاب المقرَّر له طُبّق على المتهم القانون الجديد، ويستند هذا الاستثناء إلى المادة (13) من قانون الجزاء.
* علة الاستثناء:
تكمُن علة الاستثناء في أن سلطة المجتمع في توقيعِ العِقاب محدودة بحدود فكرتيّ الضرورة الاجتماعية، والفائدة الاجتماعية. فإن لم تكن للعقوبة ضرورة أو فائدة؛ فلا محل لتوقيعها.
وإذا ألغى القانون الجديد العقوبة أو خفَّفَ منها، فذلك اعترافٌ من المشرِّع بعدم جدواها؛ فلا وجه، والحال كذلك، من الإصرار على توقيعها.
وإذا سلَّمنا بأن عِلة قاعدة عدم رجعية النصوص الجزائية هي احترام مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات فإنه إذا ثبت أن رجعية بعض النصوص لا تمس هذا المبدأ، تعيَّن النزول عن قاعدة عدم الرَّجعية.
* المقصود بالقانون الأصلح للمتهم:
تشيرُ الجم الغفير من الأحكام القضائية إلى أنه "القانون الذي يُنشِئ للمتهم مَركزًا أو وضعًا يكونُ أصلح له من القانون القديم". وينبغي أن ندركَ، في هذا الصَّدد، أن تحديد القانون الأصلح للمتهم مرجعه القاضي لا المتهم.
فمن المسلم به أن عقوبة الغرامة أخف من عقوبة السَّجن وإن رأى المتهم عكس ذلك، فالمقارنة تجرى على أُسُسٍ موضوعية، لا شخصية، كما يُعد القانون الجديد هو الأصلح للمتهم إذا هبط المشرع في الحد الأقصى للعقوبة، أو بالحد الأدنى للعقوبة، أو هبط بهما معًا.
ولكن، تدقّ المقارنة إذا ارتفع القانون الجديد بالحدِّ الأقصى للعقوبة، وهبط في الوقت نفسه بالحد الأدنى؛ أو عكس ذلك، أن يهبط بالحدِّ الأقصى، وارتفع بالحدِّ الأدنى.
الرَّأيُ الرّاجح يذهب إلى أن أصلح القانونين هو ما هبط بالحدِ الأقصى، وإن ارتفع ـ في الوقتِ عينِه ـ بالحدّ الأدنى.
حُجَّة هذا الرأي أن احتمال تجاوز الحد الأدنى احتمالٌ كبير، فلا ضَير، في الغالب، إذا طبق على المتهم القانون الذي يرتفع بهذا الحد؛ وللمتهم، في المقابل، مصلحة مُحقَّقة في ألا يرتفع القاضي بعقابِه إلى الحدِّ الأقصى المرتفع.
وعليه فإن رعاية هذه المصلحة تقتضي تطبيق القانون الذي يهبط بهذا الحدّ الأخير؛ ويضيفون إلى ذلك أنه إذا كان المتهم جديرًا بِحدٍ أدنى مُنخفض، ففي وِسعِ القاضي أن يتيح له ذلك عن طريق الأخذ بالظروفِ المخففة.
يعيبُ هذا الرأي أن الظروف المخفَّفة قد تكون ممنوعة في الجريمة محل النَّظر، أو كانت لا تسمح ببلوغ ذلك الحَد.
هناك رأيٌّ آخر، يرى أن المقارنة ينبغي أن تعتمد على أسُسٍ واقعية، أيّ أنه يتعين على القاضي أن يحصر بحثه في الحالة المعروضة عليه، ثم يسأل نفسه أيِّ القانونين أصلح بالنسبة إلى هذا المتهم بالذات؟ فإن كان المتهم ـ لظروفه ـ جديرًا بأن توقع عليه أقل عقوبة يسمح بها القانون، فأصلح القانونين له هو ما هبط بالحدِّ الأدنى، ولا عبرة بالحد الأقصى، إذ لن يرتفع القاضي إليه؛ وإذا كان المتهم جديرًا بالتغليظ، فأصلح القانونين بالنسبة له هو ما هبط بالحد الأقصى، ولا عبرة بالحد الأدنى؛ إذ لا أمل له فيه. واضح من حيثيَّات هذا الرَّأي الأخير، أنه مَعنيٌّ بالقضاء، دون الادِّعاء العام.
يُلاحظ أخيرًا أن القاعدة تسري على القواعد الموضوعية دون الإجرائية.
ومن تطبيقات ذلك، جرائم الشيكات، التي جعلها المشرِّع بموجب المادة (359) من قانون الجزاء، دعوى شخصية بعدما كانت دعوى عمومية بمقتضى القانون الملغي. وإذا كانت من أبجديات الدعاوى الشخصية ضرورة تقديم شكوى مكتوبة خلال أجل (3) أشهر، من تاريخ علم المجني عليه بالجريمة، فلا مجال لتطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم في هذا الجانب الإجرائي، والقول بحتمية استيفاء الشكوى المطلوبة قانونًا من المدعي بالحق المدني.
وفي هذا السياق، أرست المحكمة العليا المبدأ التالي:
للمحكمة العليا نقض الحكم المطعون فيه أمامها لصالح المتهم من تلقاء نفسها، إذا صدر بعد الحكم قانون أصلح للمتهم. الطعن رقم (378 /2016م، الدائرة الجزائية).