ما هي إلا أيام قليلة تفصلنا عن العام الجديد 2019م، ليمضي عام شهد الكثير من الإنجازات والتوجهات والتطلعات الرامية للنهوض بسلطنتنا العظيمة على مختلف الاصعدة والمستويات، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية والعلمية أو الاقتصادية. تعاظمت المبادرات وطرحت الخطط والمشاريع ذات الصلة بالعديد من القضايا الراهنة التي احتلت مساحات كبيرة من الاهتمام السيادي والحكومي داخليا وخارجيا، ولفتت السلطنة بمواقفها السياسية الثابتة أنظار العالم في الساحة السياسية الدولية، وفي كل ما حمله عام 2018م للسلطنة وعلى الرغم من أنه لم يخل من التحديات، فإنها دلالات واضحة على الالتزام بما جاء به النظام الأساسي للدولة، وفكر جلالة السلطان المعظم العميق ورؤاه البعيدة المدى التي رسمت ولا زالت ترسم لعمان موقعا متميزا بل وفريدا على خارطة العالم في التنمية والسياسة المعتدلة والدعوة للسلام.فعلى الصعيد السياسي، حظت المواقف العمانية الثابتة تجاه الأزمات والقضايا المحيطة باحترام وتقدير الأوساط السياسية، ففي الموقف الذي أثار العالم ما بين مؤيد ومعارض على إثر زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي للسلطنة، ارتأت عمان ميلا نحو محاولة تحقيق التسوية السلمية وفتح الحوار الكفيل بحل القضية الفلسطينية التي طال أمد انفراجها قرابة قرن أو أكثر، ولست هنا للمزايدة أو الإطراء، بل إنه الواقع الذي لم يقرأ تفاصيله بحكمة وتقدير موقف متعمق مثلما قرأه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، ولعل الأيام بأحداثها الجارية والآتية كفيلة لفهم هذا الموقف ولو كره المعارضون.ثم يأتي الإنجاز الاقتصادي، الذي تمثل في خطوات واسعة غير مسبوقة، وكأن بالسلطنة تسابق الزمن لتحقيق التطلعات والتي باتت قاب قوسين أو أدنى من أن يراها الواقع، ومن أهم تلك الإنجازات: البدء بتركيب التوربينات بمشروع محطة ظفار لطاقة الرياح والتي تعتبر أول محطة طاقة رياح واسعة النطاق في منطقة الخليج، وتدشين المحطة الواحدة للتفتيش بمطار صلالة لغايات تسهيل إنجاز المعاملات الجمركية وتخليص البضائع بوقت قياسي مما يعزز مكانة السلطنة لوجستيا، أما في إطار تنفيذ مراحل ومشاريع الاستراتيجية الوطنية للنهوض بتمر النخيل التي أقرها جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ فقد حصلت شركة تنمية نخيل عمان على العلامة التجارية العمانية "تمرة" لتكون نقطة انطلاق نحو تعزيز الميزة التنافسية في إطار الاستراتيجية التسويقية المطورة لتمور السلطنة وتصديرها خارج البلاد بفتح أسواق جديدة أمامها، كما تم تأسيس المختبر المركزي للنخيل بولاية سمائل ليكون مركزا للبحوث والابتكار في مجالات تنمية قطاع النخيل والتمور وفق أعلى المواصفات والمعايير العالمية.ومن أهم المشاريع الواعدة لاقتصاد عمان مشروع مصنع نور مجان للسيارات الكهربائية والذي شهد شهر ديسمبر الحالي الانتهاء من مرحلة تسوية الأرض التي سيقام عليها المشروع، ومن المأمول أن يبدأ بإنتاج السيارة الكهربائية العمانية مع نهاية عام 2020م.وقبيل نهاية الشهر نفسه، تم الإعلان عن تدشين خط ملاحي منتظم بين ميناء صحار وميناء حمد بدولة قطر وميناء الشويخ بدولة الكويت لنقل البضائع والمسافرين منفردين أو مع سياراتهم.ثم يأتي الحدث الأكبر اقتصاديا، والمتمثل في مشروع منطقة الدقم، الواقع على مسافة 550 كيلومترا جنوبي محافظة مسقط، وهو أكبر مشروع اقتصادي منفرد بتاريخ عمان، كما أنه يعتبر أكبر مشروع في منطقة الشرق الأوسط، في إطار الجهود الرامية إلى وقف اعتماد البلاد على صادرات النفط الخام والغاز وتنويع مواردها لتشمل صناعات أخرى، تجنبا لما يمكن أن يؤول إليه اقتصاد الدولة في حال نفاذ ما تملكه البلاد من موارد نفطية، والفارق في هذا المشروع ليس فقط تطوير القطاع الصناعي العماني، بل تحويل مثل هذه المنطقة القروية النائية إلى واحدة من أهم الوجهات الاقتصادية والسياحية أيضا للسلطنة، حيث سيضم هذا المشروع العديد من المرافق الخدمية والاقتصادية، مثل ميناء متعدد الأغراض، وحوض جاف لإصلاح السفن، وميناء للصيد، ومناطق سياحية وصناعية ولوجيستية، ومدينة تعليمية، ومدينة سكنية حديثة، وشبكة نقل متعددة الوسائط تشمل مطارا إقليميا وميناء متعدد الأغراض وسكة حديدية وشبكة طرق نقل بري تربط الدقم بمحافظات السلطنة المختلفة ودول مجلس التعاون، ومنطقة الشرق الأوسط، وشرقي أفريقيا، وجنوب شرقي آسيا. ونأمل أن نرى مثل هذا المشروع في باقي القرى والمناطق العمانية البعيدة.ولا يخفى الإنجازات الثقافية والعلمية التي شهدتها السلطنة في عام 2018م، فقد أثمرت جهود الشراكة الاجتماعية لمنظمات المجتمع المدني عن إظهار الوجه الحضاري للسلطنة وفتح آفاق جديدة للاستثمار الواعد في قطاع التعليم والثقافة في عمان، وخير شاهد على ذلك تنظيم جمعية الصحفيين العمانية الملتقى الحضاري العماني الفرنسي الأول في العاصمة باريس، فضلا عن افتتاح جامعة العلوم والتكنلوجيا في شهر أكتوبر لتكون منبرا لتخريج الأطباء والصيادلة والمهندسين المتميزين لخدمة مجتمعهم والنهوض بالبلاد في مستقبل زاهر بإذن الله تعالى.وفي ختام تلك السطور، نأمل أن يكون عام 2019م حافلا بالعديد من الإنجازات على مختلف الأصعدة، وامتدادا لما تم البدء به من مشاريع وبرامج وخطط تنموية لتتحقق الرؤى السامية لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ـ في عمان أكثر قوة وتميزا ومنافسة وتقدما.د. مسعود الحضرمي [email protected]