[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/suodalharthy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]سعود بن علي الحارثي[/author]
(تكتسب السياسات التعليمية وبرامج التدريب المهني أهمية بالغة من واقع ارتباطها بالعنصر البشري في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكلما أمكن التنسيق بين هذه السياسات والبرامج وبين الاحتياجات الفعلية للقطاعات المختلفة من العمالة الفنية المدربة كلما أمكن تحقيق أهداف التنمية الوطنية بأقل قدر من الاعتماد على العمالة الأجنبية).
من دراسة للمجلس الاستشاري للدولة

رابعا: قطاع التعليم (أ).
في مقالات عديدة نشرتها سابقا أكدت أن عمان كانت عبر تاريخها القديم والحديث، وعلى مر المراحل الزمنية تزدهر في حواضرها الحياة العلمية، ففي جميع المدن والقرى تتواجد المدارس والمساجد والمجالس التي تنتظم فيها حلقات العلم وتحتدم المناقشات والحوارات في مختلف المجالات والتخصصات الفقهية والأدبية واللغوية والشعر وحتى في مجالات الطب والفلك وغيرها ... وأصدر العلماء العمانيون مئات الموسوعات والكتب والأبحاث والدراسات والتحقيقات العلمية ودواوين الشعر التي امتلأت بها المكتبات، وكان النظام السياسي بمدرستيه، يجد في كل وقت كفايته من العلماء والفقهاء والقضاة والمعلمين والكتاب ومن في حكمهم الذين يتولون مهمات ومسئوليات واسعة ... لقد مثل المسجد والسبلة ومدارس القرآن واللغة وحلقاتها العلمية والفقهية والدينية التي تعددت مستوياتها وأغراضها وروادها نافذة اشعاع ثقافي في عمان كانت لها مخرجاتها من هؤلاء العلماء والشعراء والأدباء والمفكرين والساسة والضالعين في مختلف التخصصات الذين أثرو الحياة العلمية وقدموا للمكتبة العمانية انتاجهم الزاخر، حتى في التخصصات الدقيقة مثل الطب والفلك والغذاء والبحار والرسم .. منها على سبيل المثال (فاكهة ابن السبيل) للعلامة راشد بن عميرة في جزءين، وكتاب (تسهيل المنافع في الطب والحكمة) للمؤلف إبراهيم بن عبدالرحمن بن أبي بكر الأزرق، وكتاب (الماء) لأبي محمد عبدالله بن محمد الأزدي الصحاري وهو أول معجم طبي لغوي في التاريخ، ومن علماء عُمان المشهورين في الطب والفلك: مفرج بن أَحْمَد بن أبي النضر وخميس بن راشد البوشري، وعبدالله بن محمد بن غسان النزوي، وحَسن بن درويش السُّوني الخروصي، وعَلِيّ بن نَاصِر بن مُحَمَّد بن عَبْدِالله الرِّيامِيّ، وحميد بن عبدالله بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الحارثي، ومن أهم المؤلفات العمانية في هذا المجال (كشف الأسرار المخفية، في علوم الأجرام السَّماوية، والرُّقوم الحَرْفية)، للشيخ عمر بن مسعود المنذري، وكتاب (معدن الأسرار في علم البحار) للمؤلف ناصر بن علي الخضوري .. والحديث عن الارث العلمي وانتاج العلماء العمانيين من المؤلفات والدراسات مما يتطلب بحوثا ودراسات ومقالات مطولة للحديث عنها، ويكفي أن المكتبات القديمة تحتوي على آلاف المخطوطات التي تبرز بعضا من هذا الإرث، وما تلف واندثر والتهمته الأرضة والاهمال والصراعات والتدمير المتعمد للمكتبات هو الأغلب والأكثر. وقد كانت المجالس الأدبية في القرى والمدن العمانية تنشط بالنقاشات الفكرية والمحاورات الأدبية والمداعبات والمطارحات الشعرية والأسئلة والأجوبة والمخاطبات النظمية التي تحدث حراكا ثقافيا متعدد الأشكال والصور في الوسط الاجتماعي وتأثيرات إيجابية تمتد أواصره إلى الأفراد في كل منزل فيصيبهم بعض من هذا النشاط الثقافي. ولكن ومع تقدم العلم الحديث ومدارسه وتخصصاته ومجالاته وجامعاته العصرية خاصة في العقود الأولى من القرن المنصرم ظلت المدارس ونظام التعليم في عمان تسير على شكلها التقليدي، وحتى عندما شرعت المدرسة السعيدية في عام 1936م، في استقبال طلبة العلم كان المستوى التعليمي فيها لا يتجاوز الصف السادس، وعانى الكثير من العمانيين المرارة والغربة والهرب لتلقي العلم الحديث وتخصصاته في الخارج الذي كان محظورا آنذاك، وعندما تقلد سلطان البلاد مقاليد الحكم كان التعليم هاجسا يشغل باله ومحفزا لجلالته لقيادة البلاد وإحداث التغيير وكانت لهذا القطاع الأولوية في التنمية التي ستعتمد في المقام الأول على ما كسبه العماني من تعليم، وأكدت كلمات جلالة السلطان المعظم التي أصبحت نبراسا للمخططين والمنفذين وطلبة العلم (سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل الشجرة) بأن قطاع التعليم لا يحتمل الانتظار كغيره من القطاعات إلى أن تبنى المدارس وتهيأ بالوسائل الحديثة والمختبرات والمكتبات وتعد المناهج ... لذلك شرعت جهات الاختصاص مباشرة في استئجار المنازل الواسعة القديمة ذات الطابقين وتجهيز وإعداد صفوف من الخيام وسعف النخيل شكلت اللبنة الأولى للمدارس وتمت الاستعانة بالمناهج القطرية وبمعلمين من جمهورية مصر العربية والسودان والأردن وتونس خاصة إلى جانب عدد من المعلمين العمانيين الذين تلقوا تعليمهم في المدارس التقليدية أو خارج السلطنة، وواصل التعليم تقدمه واتسعت المدارس الحديثة لتشمل جميع المحافظات والولايات، فاللبنات الأولى للتعليم كانت متوفرة مثلما أشار المقال في البدايات على خلاف القطاعات الأخرى الطرق والصحة على سبيل المثال. ونال قطاع التعليم نصيب الأسد في عدد الدراسات التي أعدها المجلس الاستشاري للدولة ورفعها إلى المقام السامي، إدراكا بأهميته في نهضة الأمم ورفعة الشعوب وإحداث التغيير وضمان مشاركة المواطن الفاعلة في صناعة التنمية وتحقيق التطلعات وبلوغ غايات التقدم، فالدول لا تبنى إلا بسواعد أبنائها وإعدادهم وتأهيلهم للمستقبل، خمس دراسات أعددت في مجال السياسات التعليمية والتدريب المهني، هي: (قطاع التعليم مايو 1984م)، (تحسين أوضاع الخريجين العمانيين مايو 1984م)، (تقييم السياسات التعليمية والتدريب المهني سبتمبر 1985م)، (تطوير سياسات التعليم والتدريب المهني والحرف التقليدية أكتوبر 1988م)، (الاحتياجات التعليمية للمناطق وتحسين وتطوير المنشآت والخدمات التعليمية القائمة مايو 1990)، وتكفينا قراءة عناوين تلك التوصيات لاستخلاص مجموعة من النتائج المهمة ذات العلاقة بالانشغالات في تلك المرحلة وتقييم أثرها وطرح التساؤلات عن التعليم والتدريب المهني والحرف التقليدية وإجراء مسح علمي يظهر نتائج تلك الدراسات على التعليم... في الدراسة الأولى سوف أقتبس توصيتين فقط، فهي تكفي من وجهة نظري الشخصية لتبين أوجه الخلل ومستوى إهدارنا للأفكار والرؤى القيمة، وهما :
• (وضع الضوابط التي تلزم الخريجين بالعمل في مجال تخصصاتهم، مع تحديد الجهة المسئولة عن تنفيذ تلك الضوابط، بالإضافة إلى توجيه الجهات المعنية بمراعاة عدم الحاق الخريج بالعمل في غير تخصصه) .
فهل التزمنا بما تضمنته هذه التوصية - المهمة جدا - والتي أقرها المجلس الاستشاري للدولة، في مايو 1984م، في تنظيم الجهاز الإداري للدولة وعدم الحاق الضرر بالخريج في تعيينه بوظيفة لا صلة لها بتخصصه، وتحقيق العائد الأكبر من المخرجات في الاستفادة من مجالها الذي أتقنته وتخصصت فيه بتطوير وتحسين الانتاجية، وعلى المخرجات كذلك باكتساب المهارات والخبرات والتدريب على رأس العمل من واقع العمل في التخصص ذاته؟.
• (السماح سنويا لأعداد من الخريجين الجامعيين للعمل في القطاع الخاص مع وضع الضوابط اللازمة لذلك) .
لو أن الجهات المختصة التزمت بما جاء في هاتين التوصيتين التزاما دقيقا لما تفاقمت اليوم اشكالات سوق العمل ومنها التجارة المستترة، وارتفعت أعداد الباحثين عن عمل، وترهل الجهاز الاداري للدولة، فما تعانيه اليوم هذه الملفات مرتبط بها ارتباطا وثيقا - من وجهة نظري الشخصية - فلطالما اشتكى الخريجون من نقلهم إلى مهام ووظائف لا علاقة لها بتخصصاتهم العلمية مما أثر على انتاجهم وأضعف من طموحاتهم وثقتهم في المؤسسات التي يعملون فيها وكانت سببا في غياب الاستقرار الوظيفي، وبأن معيقات التحاق الكادر العماني بمؤسسات القطاع الخاص مرجعه في الأساس إلى أن معظم القيادات التنفيذية والإدارية فيها من الأجانب لأن الجهات المختصة لم تضع منذ البداية في حسبانها تنفيذ ما جاء في التوصية بتوجيه الخريجين للعمل في القطاع الخاص وفق خطة كانت كفيلة بتحقيق النجاح اليوم في تعمين القيادات العليا والمتوسطة في مؤسسات القطاع الخاص.

[email protected]