خصب ـ الوطن:
أكدت ندوة "مسندم في ذاكرة التاريخ العماني" التي بدأت أعمالها صباح أمس على الدور الكبير الذي قام به أبناء مسندم في تاريخ عمان المشرق. رعى حفل افتتاح الندوة التي نظمتها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، معالي الشيخ سعود بن سليمان بن حمير النبهاني، مستشار الدولة. وذلك بمحافظة مسندم بقاعة فندق خصب بولاية خصب، حيث ناقشت الندوة 12 ورقة عمل قدمها عدد من الباحثين من داخل السلطنة وخارجها، مقسمة إلى أربعة محاور: المحور السياسي والتاريخي والمحور الجغرافي والمحور الاقتصادي والاجتماعي إلى جانب المحور الثقافي. كما يصاحب الندوة معرضاً وثائقياً يحكي الجوانب التاريخية لعمان بما في ذلك محافظة مسندم ويضم أكثر من ١٥٠ وثيقة ومجموعة من الصور التاريخية والخرائط والمحفوظات التي تبين جزءا من التاريخ العريق الذي تزخر به سلطنة عمان حيث سيستمر المعرض الوثائقي حتى ١٣ ديسمبر الجاري.
تضمن الحفل كلمة لسعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني ، رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية الذي أشار فيها أن تنظيم ندوة مسندم في ذاكرة التاريخ العُماني يأتي في إطار البرامج والندوات التي تقيمها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية في المحافظات وولايات السلطنة فضلاً عن تنظيمها المعارض الوثائقية المختلفة في المجالات التاريخية والسياسية والاقتصادية والتعليمة والاجتماعية , حيث يتزامن المعرض الوثائقي الثامن الذي يُقام هنا لتبادل جانباً من جوانب مسيرة التاريخ العُماني.
مضيفا في حديثه " لقد مكنت قوة عمان البحرية التجارية من القيام بالصلات والنشاط التجاري من أطراف المحيط الهندي والصين إلى امتداد الساحل لشرق إفريقيا في الوقت الذي ارتبط اسم مجان وامتدادها إلى عمق شبه الجزيرة العربية مما مكنها في بناء صلاتها الحضارية مع سومر وبابل والاكاديين ، ونتيجة لهذه الصلات انبثقت منشآت بشرية يعود عهدها إلى الألف الثالثة قبل الميلاد وأضحت مصدراً لتصدير النحاس واللبان وعدد من المنتجات شرقاً وغرباً ، وساعد التمرس في الشؤون البحرية وصناعة السفن في القيام بدور الوسيط التجاري لما بين بلاد النهرين والهند والصين ليصل إلى حوض البحر المتوسط وقد أوردت الرسومات والشواهد التاريخية كوثائق تشير إلى حجم ودور مجان في التواصل الاقتصادي والحضاري ، وبقيت تلك العلاقات قائمة إلى نهاية القرون الوسطى حيث تعرضت عُمان إلى غزوات وأطماع بهدف السيطرة على مناجم النحاس وتحجيم نشاط عُمان التجاري ورغم ذلك فأن عُمان تزخر بالكثير من بقايا المعالم الأثرية القديمة التي تروى قصة حضارة ضربت بجذورها في عمق تاريخ هذا الجزء الحيوي من جزيرة العرب فضلاً عن ما شهدته عُمان من نشاط حضاري في العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي ويعودوا إلى الألف الخامس قبل الميلاد ومع بزوغ نور الإسلام على يد النبي الأمين صلّ الله عليه وسلم ، كانت عُمان دولة قائمة بكيانها فقد شملها رسول الله برسائله التي بعثها لحكام كسرى ومصر وغيرها من الممالك فأنه صلّ الله عليه وسلم بعث إلى جيفر وعبد ابني الجلندى لدعوتهما الدخول في دين الله افواجا ورغبت الرسالة النبوية إلى الملكين العمانيين في قبول الدعوة على نحو صيغة العرض المغرى لهما والإقرار لهما بمبدأ بقاء ملكيهما ، وفي الجانب السياسي فأن عُمان كانت احدى الممالك العربية في أقصى الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية ، وفي جانبها الاجتماعي فأنها تظهر تشكيلة المجتمع العُماني وقبائله القاطنة على امتداها الجغرافي في عمق شبه الجزيرة العربية .

جلسات العمل
قدم الدكتور سعيد بن محمد الهاشمي، أستاذ مشارك بجامعة السلطان قابوس أولى الأوراق العلمية في الجلسة الأولى بالندوة التي ترأسها الدكتور جمعة بن خليفة البوسعيدي، بعنوان " علاقة مسندم السياسية بالساحل عمان الشمالي ومنطقة الشميلية" تطرق فيها عن مسندم ومساحتها الجغرافية وعدد سكانها وولاياتها الأربع المتمثلة في ولاية؛ خصب ودبا وبخا ومدحا، وقال الهاشمي بأن علاقة أهالي مسندم بحاكم عمان علاقة أزلية، حيث حافظ السكان على هويتهم العمانية، وابتعدوا عن المغريات السياسية من قبل جيرانهم القواسم، وتنافسوا على قرى عديدة المتداخلة بينهم وجيرانهم. وتهدف هذه الورقة الكشف عن صمود أهل محافظة مسندم اتجاه جيرانهم القواسم، ومحافظتهم على ولائهم وطاعتهم لحكام عمان، وتمسكهم باستقلالهم تارة أخرى دون ان يفقدوا تبعيتهم لحكام عمان.
بعد ذلك قدم الباحث الدكتور موسى بن سالم بن حمد البراشدي مدير دائرة تقويم المناهج بوزارة التربية والتعليم الورقة الثانية بعنوان "الجوانب التاريخية والحضارية في مسندم خلال فترة اليعاربة (1034هـ/1624م-1162هـ/1749م) وفي هذه الورقة سلط البراشدي الضوء على الأحداث التي شهدتها مسندم خلال تلك الحقبة الزمنية ووضعها الإداري والاقتصادي آنذاك
فيما عرض الدكتور محمد بن ناصر المنذري، مستشار البرامج الدينية سابقاً، الورقة الثالثة بعنوان " تاريخ محافظة مسندم في العصر الإسلامي" حيث ان تاريخ مسندم قديم قدم الوجود الإنساني فيها وارتباط تاريخها بأهمية موقعها الذي حباها الله إياه، فهي تشرف على أهم معبر بين بحر عمان والخليج العربي وهو مضيق هرمز، فمن خلاله كانت تعبر التجارة البحرية لمدنيات العالم القديم منذ العصر السومري في الألف الرابع قبل الميلاد، وما تلاه من عصور العصر البابلي، والعصر المقدوني، حيث كانت من أولويات الإسكندر الأكبر المقدوني وحلفائه الاهتمام بالطرق البحرية عبر الخليج العربي للوصول إلى دول المحيط الهندي وجلب تجارتها. وبذلك فقد اكتسبت مسندم أهمية في النشاط التجاري من خلال إشرافها على ذلك المضيق منذ آلاف السنين، وكانت تعبر من خلاله كل تجارة الحضارات المتعاقبة التي شهدتها بلاد العراق والخليج العربي.

القوى الخارجية و البعد الجغرافي

وعنونت الورقة الرابعة بعنوان " مسندم ، أهميتها التاريخية والحضارية" للدكتور محمد بن سعد بن سعيد المقدم، أستاذ مساعد بقسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس، تناولت الورقة مسندم عبر العصور التاريخية كما تناولت الموقع واهميته ودوره بالإضافة الى المسميات التاريخية وأهم المواقع الاثارية في شبة جزيرة مسندم.
حيث تتميز شبه جزيرة مسندم "رؤوس الجبال" بموقعها الاستراتيجي المميز من خلال إطلال جزء منها على الممر المائي الدولي المعروف باسم (مضيق هرمز) الصالح للملاحة منذ أقدم العصور إلى الوقت الحالي. لذا فقد احتفظت مسندم بأهميتها الاستراتيجية.
وفي الورقة الخامسة التي تناولت "البعد الجغرافي والسياسي لمحافظة مسندم" للدكتور سليّم بن محمد الهنائي، مشرف تربوي بوزارة التربية والتعليم، حيث سلط الضوء من خلال دراسته على أبعاد الموقع الجغرافي لمسندم وانعكاس ذلك على جوانب السياسة والاقتصاد، كما وضح أهمِّيَّة َالموقعِ الجغرافيِّ لعمان ككل والذي ساهمَ بشكلٍ واضحٍ في نشاط ِالعمانيين الملاحيِّ وكيفَ كانت عمانُ رائدةً في ذلك المجال بفضل الموقع. واختتمت الجلسة الأولى بالورقة السادسة للباحث حمود بن حمد الغيلاني، خبير بوزارة التراث والثقافة، بعنوان " النشاط التجاري البحري في محافظة مسندم " ( التجارة البينية)، وفيها قال الباحث إن علاقة العمانيين من أبناء محافظة مسندم بالملاحة البحرية علاقة قديمة تعود إلى فترة ما قبل الميلاد، زاولوا خلالها العديد من الأنشطة البحرية في التجارة الخارجية والتجارة البينية.

مفردات من الماضي
وفي الجلسة الثانية التي ترأسها الدكتور سعيد الهاشمي والتي ضمت ست أوراق عمل استهلها الدكتور عبدالله بن علي بن سعيد السعدي بورقة عمل " مفردات من الماضي حول الحياة العمانية في محافظة مسندم" "وادي مدحاء" تطرق فيها إلى أن التَّعاون ضرورة من ضرورات الحياة، والإنسان مدنيّ بطبعه فهو لا يستطيع العيش وحده ويلبي متطلباته من دون التّعاون؛ ولا يمكن للفرد أن يُلبيَ هذه الحاجات، ويواجه الأخطار المحيطة به إلّا من خلال تعاونه مع غيره من الأفراد، وقد ضرب المجتمع العماني للعالم أروع الصور في التعاون والمحبة والترابط ومواقف تركها الأجداد إلى الآباء وعايشها الأبناء وسوف تبقى جيلا بعد جيل.
قصبة عُمان الحصينة
وجاءت الورقة الثانية للدكتور إبراهيم عبد المنعم سلامة أبو العلا، بجامعة الإسكندرية بعنوان "سكان وأسواق دَبَا فُرضة عُمان والعرب المشهور في عصري الجاهلية وصدر الإسلام" وتلقي الورقة الأضواء على سكان وأسواق دَبَا فرضة عُمان والعرب في عصري الجاهلية وصدر الإسلام، للتأكيد على أصالة سكانها وعروبتهم وعُمانيتهم، ودورهم في الفتوحات الإسلامية، ولإبراز أهمية دَبَا الاقتصادية كحلقة مهمة من حلقات التبادل التجاري بين شعوب العالم آنذاك.

رأس ماكيتا
وفي الورقة الثالثة مسندم رأس ماكيتا (ماكا / ماجان) "في ضوء الكتابات المسمارية والمصادر اليونانية والرومانية والنقوش اليمنية" للدكتورة أسمهان سعيد الجرو، أستاذة التاريخ القديم بجامعة السلطان قابوس، قالت فيها: إن منطقة مسندم لم تحظ في العصور التاريخية المختلفة بالعناية الكافية من قبل الباحثين والمؤرخين القدامى والمحدثين، فتاريخ هذه المنطقة من عُمان يكتنفه كثير من الغموض، على الرغم من موقعها الاستراتيجي الفريد.

الخصائص الاجتماعية
وذكر الدكتور منتصر إبراهيم محمود عبد الغني، أستاذ مساعد بقسم الجغرافيا بجامعة السلطان قابوس، في الورقة الرابعة " الخصائص الاجتماعية والاقتصادية ومستويات التنمية البشرية لسكان محافظة مسندم" حيث تتميز محافظة مسندم في سلطنة عمان بموقعها الجغرافي الفريد، فهي المحافظة الوحيدة التي لا تتصل مكانيا مباشرة مع باقي أجزاء السلطنة، ومن ثم تمثل جيبا جغرافيا خارجيا للسلطنة، وتشرف على أحد أهم المضايق البحرية في العالم، مضيق هرمز، والذي تنتقل عبره نحو 20% من احتياجات النفط العالمية.

مسندم في كتابات الرحّالة
فيما عنونت الورقة الخامسة بـ"مسندم في كتابات الرحّالة الغربيين خلال القرنين 19 و20 الميلاديين" للدكتور سليمان بن عمير بن ناصر المحذوري، مدير مساعد لشؤون التعاون الدولي، بوزارة التربية والتعليم، عرف من خلالها المحذوري بأبرز الرحّالة الأجانب الذي زاروا محافظة مسندم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، إلى جانب تحليل مضامين كتاباتهم، واستخلاص أبرز الإشارات حول الجوانب الطبيعيّة والجغرافية للمنطقة، والنشاط الاقتصادي إضافة إلى الجوانب السياسيّة والثقافية والاجتماعيّة في مسندم.

رأس أسبون
اختتمت ورقة عمل الدكتور عصام السعيد، أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية جلسات عمل ندوة " مسندم في ذاكرة التاريخ العماني" والتي عنونت بـ "رأس أسبون (رأس مسندم)، في النصوص القديمة" "دراسة طبوغرافية تاريخية حضارية"ألقى من خلالها السعيد الضوء على "رأس مسندم" في العصور القديمة، ودراسة المكان بكل جوانبه الطبوغرافية والجمروفلوجية، والتاريخية، والحضارية في العصور القديمة، حيث تم التطرق إلى ما ذكره بطليموس جغرافيته عن المكان، وكذلك مدن أخرى، كمدينة ديجيما، ومدينة دبا نجوقس، ومحاولة تحديدها جغرافيًا الآن شمالاً أو جنوب رأس مسندم.