مسقط ـ العمانية:
كرمت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء مؤخرًا الفائزين في جائزة الإبداع الثقافي في مجاليها. الباحث محمد بن عامر العيسري كان أحد الفائزين بهذه الجائزة في مجال أفضل الإصدارات في فرع السيرة الذاتية ــ الغيرية وذلك عن كتابه "سيف بن محمد الطوقي: سطور من صحائف العمر" والكتاب صدر عن مركز ذاكرة عمان مطلع هذا العام 2018م. ويقع في 495 صفحة من القطع الكبير ويضم عددا كبيرا من الصور الشخصية وصورا لمعالم الأماكن التي عاش فيها الطوقي وصورا لوثائق ومراسلات ومخطوطات.
يشير العيسري إلى أن شرارة تدوين سيرة الطوقي كانت في سنة 1424هـ/2004م حيث يقول "فكانت ليلة 19 من ذي القعدة من تلك السنة (2004م)، بمسامرة في منزله بالخوير بمسقط، فكانت الثمرة تدوين بعض ما يحفظه عمن أدركهم من آبائه وأقرانهم، ثم توالت الجلسات في إبراء تارة وفي مسقط تارة أخرى، وفي كل مرة أدون على عجل ما يحكيه ويرويه"، ولقد تعززت فكرة التدوين أكثر بعد قيام العيسري بمرافقة الطوقي في رحلة الأخير إلى زنجبار في شهر جمادى الآخرة 1425هـ/2004م "بعد مفارقة تلك الجزيرة نحوًا من أربعين سنة، فكان يطوف بنا سيرًا على الأقدام ويشير بيديه: هذا بيتنا، وهذا بيت الشيخ عبدالله بن سليمان، وذاك مسجد شنجاني حيث كان يصلي بنا السيد سيف بن حمود بن فيصل، وذاك مكتب بريد زنجبار، وذاك الأستوديو الذي صورت فيه يوم الزواج" إلى غير ذلك من الذكريات التي بقيت راسخة في ذاكرته برغم مرور أكثر من أربعين عامًا على مفارقة زنجبار بسبب الأحداث الدموية في عام 1964م.
بعد سنة من بدء محمد العيسري تدوين ما يقصه الطوقي عليه نجد العيسري يقول "عقب ذلك بنحو سنة انقدحت فكرة تدوين مذكراته بقلمه، سيما وأنه يمتاز بجودة الخط، وحسن العبارة، وكيف لا وهو من هو بين أقرانه في نسخ المخطوطات أيام شبابه. وأذكر أنه حينما خطرت لي الفكرة بادرت إليه وناولته دفترًا جديدًا وقلمًا وقلت له: أريدك يا خالي أن تملأ هذا الدفتر، فضحك قائلاً: إن شاء الله. كانت الحصيلة 60 صفحة من القطع المتوسط فحسب. ثم اعتذر بأن ما كتبه كاف وأنه لا يحضره غيره، وأن بوسعك أن تستدرك ما تشاء مما أحكيه فتدونه. حينها رأينا أن نرجع إلى طريقتنا الأولى، فكانت الدفاتر الصغيرة الخفيفة الحمل تمتلئ الواحد تلو الآخر، غير أني لم أقيد فيها ما له صلة بموضوع المذكرات فحسب، بل انصرفت أيضًا إلى تدوين قاموس الدارجة واصطلاحات أهل إبراء التي اندثرت أو كادت، وجغرافية الضواحي(البساتين) والبيوت القديمة وتسمياتها".
ونجد العيسري يشير إلى أنه اعتمد على ثلاثة مصادر في تحرير مذكرات الطوقي وهي: "ما كتبه هو "أي الطوقي" أولاً، وهو مع كونه يسيرًا غير أنه وضع فيه الخطوط العريضة لمسار حياته منذ طفولته، مرورًا بمرحلة الشباب ثم المهجرين زنجبار وبوروندي، وانتهى إلى العهد الجديد إثر عودته إلى الوطن" أما المصدر الثاني فهو " ما نقلته عنه كتابة في الدفاتر وما رواه عن غيره أو حكاه عن مشاهداته وأحوال ووقائع عصره" هذا فضلاً عن "المصادر المساندة: وهي الوثائق، والمخطوطات، والمطبوعات، التي في خزانة والده وخزانته، والكتابات الجدارية في البيت العود، وقد رصدتها في كتاب صدر سنة 1430هـ/2009م". ولم يغفل العيسري عن الاقتباس من بعض المراسلات بما يتفق مع سياق السرد في فصول هذه المذكرات، فنضيفه إلى النص بعبارة متفقة قدر الإمكان، وكان ذلك بمشورته وإذنه، سيما تلك الرسائل التي كان يبعث بها من زنجبار وبوروندي إلى شقيقه عبدالله بن محمد والتي كان يفصل فيها بعض الأحداث".
يقول الطوقي في مقدمة سيرته :"أنا العبد الفقير لله سيف بن محمد بن سالم بن عامر بن سيف بن سالم بن محمد بن سيف الطوقي. ولدت يوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة سنة 1348هـ الموافق للثلاثين من مايو سنة 1930م، بقرية السباخ من سفالة إبرا بالشرقية من عمان. وتاريخ مولدي هذا كتبه والدي رحمه الله في جدار بيته المعروف بالبيت العود مع تواريخ لميلاد بنيه كافة، وقيّد هذه التواريخ أيضًا في جلد كتاب من كتبه..... وقد رأيت أن أدون شيئًا مما حفظته الذاكرة من أحداث الماضي، مما شهدته أو مما سمعت وعرفت عنه، وذلك تلبية لطلب الولد محمد بن عامر بن سيف العيسري، على أن يستدرك هو ما سمعه مني وكتبه عني، فيلحقه في هذه المذكرات بالعبارات التي يراها، ويضيف ما وقفت عليه من المكاتبات والأشعار وغيرها مما يراه مهما. والله نسأل العون والتوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة".
جدير بالذكر بأن الباحث محمد بن عامر العيسري عضو مؤسس في مركز ذاكرة عمان، وقد صدر له مجموعة من الدراسات والكتب في مجال التراث الحضاري العماني، دراسة وجمعًا وفهرسة وتحقيقًا، ومن مؤلفاته كتاب "البيت العود: شموخ العمارة وسطور الذاكرة 2009م، وكتاب "نوادر المخطوطات العمانية المحفوظة في دار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة" بالاشتراك مع سلطان بن مبارك الشيباني، وكتاب "فهرس خزانة المخطوطات بمكتبة بدية العامة" 2016م، وكتاب "الشيخ أحمد بن حمدون الحارثي: حياة وآثار" 2018م.