تعقد في العاصمة الأرجنتينية "بوينس آيرس" على مدار يومي 30 نوفمبر و1 ديسمبر 2018 قمة مجموعة العشرين الثانية عشرة، وعلى هامشها ستعقد قمة دول مجموعة البريكس التي تضم روسيا الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، والقمتان تضمان القوى العظمى المسيطرة على العالم اقتصاديا وسياسيا، والتي تتحمل المسؤولية الكبرى عما يعتري المجتمع الدولي اليوم من كوارث وأزمات صارت معها المنظمات الدولية عاجزة عن التعامل معها، فضلا عن إيجاد حلول لها، ما يدفعنا للتساؤل عن أهمية أن تبدأ تلك القمة وغيرها في طرح شكل جديد للنظام العالمي، شكل تتوافر فيه أسس العدالة الناجزة، بدلا من التحركات الفردية التي تقودها بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.
ورغم أن هذه القمم تعنى أساسا بدراسة المسائل الاقتصادية، إلا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل ما هو اقتصادي عما هو سياسي، فالمجالان متداخلان ويؤثر أحدهما على الآخر، وما نشهده من حروب ونزاعات إقليمية ودولية تعود لأسباب اقتصادية كما تعود كذلك لأسباب سياسية ومذهبية وعرقية، فالمجالات صارت متداخلة بدرجة يصعب فيها فصل أي مكون من تلك لمكونات عن الآخر.
وإذا عدنا إلى الوراء قليلا سنلحظ أن معظم الحروب إنما قامت من أجل تعظيم الموارد الاقتصادية للدول والحصول على الموارد والثروات من الدول الأخرى، وهو ما يعني أن التغافل عما تعانيه شعوب العالم اليوم بما في ذلك العالم الحر، والاستمرار في سياسات الانكفاء على الذات، كما يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يرفع شعار "أميركا أولا" تضر أكثر مما تنفع، لأن الدول بدورها تؤثر في بعضها ولا يمكن لدولة أن تنعزل عن الدول الأخرى، خصوصا وأن المصالح بدورها متداخلة، وبما أننا في عصر العولمة فإن الحاجة أكثر للتكامل والتعاضد بدلا من الفرقة والخلاف التي يعيشها المجتمع الدولي في الوقت الراهن.
لقد زاد عدد سكان العالم بشكل لا يمكن تخيله، فحسب تقديرات الأمم المتحدة عام 1945 بلغ عدد سكان العالم 2.6 مليار نسمة، بينما يبلغ اليوم ما يزيد عن 6 مليارات نسمة حسب الإحصاءات الأميركية، ما يعني أن مختلف الدول والقوى العالمية في حاجة ماسة لتعظيم مواردها، وما لم يكن هناك نظام محكم تسود خلاله قيم العدالة والقانون، فإن أخشى ما يخشاه الخبراء والمحللون أن نكون بصدد الدخول في حرب عالمية ثالثة أو حتى رابعة، وإذا كانت خسائر الحرب العالمية الثانية بلغت ما يقرب من 60 مليون إنسان، فإن نشوب تلك الحرب في الوقت الحالي إنما يمثل كارثة بشرية بكل المقاييس، خصوصا وأن معظم القوى العظمى في العالم تملك أحدث الأسلحة والمعدات العسكرية بما في ذلك السلاح النووي الذي يعني استخدامه إبادة البشرية.
يدفعنا ذلك كله لأن نأمل في أن تسفر قمة مجموعة العشرين لأن تناقش مسألة تطوير المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، والبحث عن نظام دولي جديد يعالج سلبيات النظام القديم، مثلما تم في السابق، عندما تم استبدال عصبة الأمم التي فشلت في تحقيق الأمن والاستقرار في ذلك الوقت بالأمم المتحدة، هذا إذا كنا جادين في حماية البشرية والحفاظ على مواردها وثرواتها من الضياع.
إن غض الطرف عما يشهده المجتمع الدولي من ظلم ومعايير مزدوجة تطبقها القوى العظمى بما يحقق مصالحها ومصالح حلفائها وذلك على حساب مصالح الشعوب والمجتمعات المقهورة، والاستمرار في دفن رؤوسنا في الرمال من شأنه أن يقودنا إلى الهاوية ويزيد من فرص إشعال الحروب والصراعات في المنطقة والعالم.

د.أسامة نورالدين
كاتب صحفي وباحث علاقات دولية
[email protected]