[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2017/03/rajb.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]د. رجب بن علي العويسي[/author]
ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية الأمر الواقع الذي أوجدته التقنية وشبكات التواصل الاجتماعي في عالمنا الكوني المعاصر، حتى أصبح قرية واحدة اختصرت المسافات، وقربت الصورة لتصبح أكثر وضوحا وشفافية من أي وقت مضى، نظرا لما تقدمه من ميزة التواصل وخاصية التفاعل عبر منصاتها المختلفة (الواتس أب أو برامج الهواتف الذكية)، أو من خلال منصات التواصل الاجتماعي المتعددة (الفيس بوك والتويتر والانستجرام واليوتيوب وغيرها)، واقع لم تعد فيه التقنية ترفا فكريا، بل خيارا استراتيجيا ومدخلا للعيش المتوازن في عالم متغير.
غير أن الصورة الإيجابية التي يفترض أن يفهم بها العالم التقنية ويوظف خلالها هذه المنصات لصالحه وبناء علاقات أكبر مع كيانات مجتمعه وبخاصة تقريب صورة التقنية من منطق بناء الأسرة، وتعميق مسارات الشعور الإيجابي بين أفرادها في ظل استخدامهم لها، لم تستمر طويلا حتى دخلتها أيدي التغيير، فأساءت استخدامها وعطلتها عن مسارها الصحيح حتى انعكست على كفاءة الاستخدام، مما كان لها أثرها في زيادة الفجوة، وخلق مبررات الانشغال بأدواتها، لتصبح جزءا من القطيعة وتعبيرا عن الإفساد في الأرض بتقطيع أواصر القربى وترك فضيلة التواصل (الفكري والوجداني)، حتى أصبحت تمارس دورا يتنافى مع فرضية نمو العلاقات الاجتماعية، فبدل أن تكون التقنية داعمة لها معززة للتناغم والتقارب في تقوية الروابط الأسرية، وتعزيز مساحات الحوار بينها وتنقية الأجواء، لتصبح أكثر حميمية وتفاعلا في ظل ترقية معايير السلوك الإيجابي، وتوظيف المشتركات القيمية والدينية والأخلاقية في تحقيق مفهوم الأخوة والوالدية والأمومة، وتأصيل مفردات الحب والانتماء والاحترام والتقدير والإنصات والبر والإحسان على مستوى الأسرة، جاءت الممارسة مغايرة للطموح، متنافية مع موجهات الترابط والتناغم والتكامل الأسري، حتى أصبح التعاطي معها يتسم بضيق الأفق وضعف الثقة، وتقمصت دور المهدد للبناء الأسري والمنغص الحياة السعيدة، فأبرزت التقنية الفجوة والجفوة، والتحسس والنفرة، والانشغال وعدم المبالاة، وضعف الاهتمام وغياب حس التركيز.
وعلى الرغم من أنها أوجدت بدائل أخرى وبرامج وأنظمة عززت من الحضور العائلي فيها، سواء عبر مجموعات الواتس أب والرسائل الصباحية والمسائية ورسائل الجمعة أو الدردشات وتبادل المعلومات وتداولها، بما جعل الأفراد أمام متابعة مباشرة للحدث، إلا أنه كان حضورا سطحيا، يتسم بالتجريد والاختزال للكثير من المشاعر الحميمية الصادقة والسلام الداخلي بين أبناء الأسرة الواحدة ومع مجتمع الوالدين والكبار بشكل خاص، فأصبح التعامل معها عادة مجتمعية وسلوكا يوميا اختزل قسرا كل مقومات الجمال الروحي الناتج عن عمق التواصل وعدم تكلفه، والإعلاء من قيمة الزيارة المباشرة والسؤال الأخوي والحوار، والمفردات والقيم والأخلاقيات التي ترتبط بحكايات الأجداد وترانيم الطفولة وبساطة العلاقات الأسرية وعفويتها، واقتصر دورها على ألوان تقليدية روتينية من التواصل إما بالرسائل أو بالاتصال الهاتفي، وما شكلته لدى البعض من حالة استياء ورغبة في عودة الأيام الماضية في متانة هذه العلاقات وقوتها واحتوائها لأبناء المجتمع، وبالتالي ما عكسته طريقة ممارستها من تدني قيم الألفة والتعاون والترابط التي قد لا تلتئم إلا بالرجوع للذات ومعالجة أساس المشكلة الناتجة عن: انشغال الأبناء باستخدام هواتفهم والتواصل مع الآخرين أثناء وجودهم مع الأبوين أو كبار السن أو في لقاء الأسرة. ليرصد بذلك واقعا مريبا وحدثا مأساويا، عكس أزمة العلاقات الحقيقية في ظلال التقنية، وخرقا صريحا لمبادئ العلاقات الاجتماعية والأسرية وقيمها وأخلاقياتها، وتعبيرا سافرا عن إفلاس في النفس، وعقما في فهم الحالة المعايشة، وقصورا في تقدير الموقف الإنساني، وإخلال بموازين الاحترام والتقدير، وتمجيدا لحالة الاغتراب التي تعيشها العلاقات الأسرية عندما تتحكم فيها التقنية ويتعاظم دور وسائلها في رسم صورة الواقع الأسري وتحديد بوصلة عمله وملء عقول النشء وأفكاره بمبررات واعتذارات تفتقر للصدق وتتجاوز معيار الانتماء والمسؤولية.
ومع الاعتراف بحجم التغيير الذي أحدثته التقنية في واقع مجتمعنا العماني، وافتقار منظومة العلاقات الأسرية اليوم للكثير من هذه المفردات والقيم والمفاهيم المتجددة في حياة الأبناء، خصوصا تلك المتعلقة بقيم الأجداد وحميمية التواصل معهم والاقتراب من واقعهم والإنصات لحديثهم والجلوس في مجالسهم والشبع من ضحكاتهم وأوصافهم وحكاياتهم، وتقريب صورة الزمن السابق وما فيه من أحداث جميلة وحكايات أجمل ومواقف طريفة لأجيال اليوم، وسرد الحياة المعيشية التي كان يعيشها الآباء والأجداد وبين الفرص التي تحققت للإنسان العماني بعد عام 1970، وما يصحب هذا الحوار من تباين القناعات وتغاير مسارات التفكير حول الكثير من القضايا التي تهم جيل الشباب أو غيرهم، ومع ما يحصل فيها من تجاذبات إلا أنها تظل في رقيها تتسامى فوق الخلاف وتقرأ في الاختلاف فرصا أكبر للحوار مع الأبناء، على أن ما ينبغي التأكيد عليه أنه لا ينبغي أن تكون هذه الفجوة بين جيلي الكبار والشباب، مبررا لتملص جيل الأبناء من مسؤولياته وقيمه وأخلاقياته، أو الالتفاف عليها. فإن ما وفرته التقنية من بدائل وأوجدته من محطات أخرى للترويح وإشغال الذات لا يعني بأي حال من الأحوال إعطاء المبرر باستقطاع وقت الأسرة والتعدي على حقوقها، أو أن تصبح التقنية البديل لها في استعادة الذكريات الجميلة والحديث عن المواقف والأحداث السابقة مع الأصدقاء ومشاهير المنصات التواصلية، ويبقى الرهان على الشباب في قدرته على خلق معادلة التوازن بين استخدامه للتقنية والتزامه بمعاييرها وبين وفائه لعاداته المجتمعية وقيمه الأسرية وأولوياته الحياتية مع الوالدين والأسرة والأجداد والأرحام والضيوف وغيرهم.
من هنا تأتي أهمية إعادة إنتاج أسلوب بناء العلاقات الاجتماعية والأسرية وتقييم الممارسات الحاصلة وأثرها على استدامة هذه العلاقات، ومعالجة العوامل الأخرى المقلقة بشكل يضع الأبناء في المحك وأمام استحقاقات قادمة في عمليات التنشئة الاجتماعية والحس العائلي، وتمكين فرص التناغم الفكري والتعايش والتسامح الوجداني وترقية روح السلام الداخلي، بما يؤكد الحاجة إلى عودة التفكير لنقل هذه المساحات من الفرص التي تنتجها التقنية لتجديد عهد التواصل وبناء محطات الالتقاء، وإفساح الطريق نحو البحث عن مشتركات الاهتمام والحب والجمال والثقة والأخوة والوالدية، بما يطبع حياة الأسرة بالبساطة، ويؤسس بينهم أريحية التواصل وفرص الحديث عن مشاهدات حياتية ومعطيات واقعية. وبالتالي كيف يمكن توليد قناعة ذاتية بمفهوم التواصل والاتصال الأسري بين الأبناء والآباء وبين الأبناء وبعضهم البعض باستخدام التقنية، وترقية فرص حضور مكوناتها الأساسية في بناء العلاقات الاجتماعية والأسرية، بحيث يتأكد ذلك أثناء الحديث معهم والاستماع إليه والإنصات لهم والنظر فيهم والضحك معهم، والابتسامة في وجههم، والبشاشة في حديثهم، وحس الذوق في التعامل مع مشاعرهم، واللطف في مخاطبتهم، والاستمتاع بوجودهم، وإشباع القلب والعقل بهم.
وعليه تبقى مراجعة هذا السلوك، وترقية حس التصرف واستدراك قيمة الحياة في ظلال الوالدين والأهل والكبار والأسرة، وإدخال الابتسامة على وجوههم وهم ينتظرون بشغف عودة أبنائهم، ومرح أحفادهم، منطلقا لفهم كيف يمكن توجيه التقنية كوسيلة داعمة لبناء أنموذج عملي لنجاح العلاقات الأسرية، وإزالة الحواجز وتقليل الهواجس، وتقليص المسافات، وتأسيس منصات أكثر استدامة للحوار، والإعلاء من شأن معايير الذوق والاحترام، مؤطرة بمعايير الالتزام، معطّرة بدماثة الخلق، مزدانة بعبير الابتسامة ورونقها. فإننا اليوم بحاجة لنمو هذه المفردات في الأسرة، وتبنيها في سلوكيات الأبناء، لنؤسس من خلال التقنية مساحات أكبر للاحترام والتقدير، نحفظ الود، ونرعى العهد، ونؤصل القدوة، ونرقى بالممارسة، ونبرز في ممارساتنا مفردات البساطة، فلا تفقدنا التقنية هويتنا، أو تسلبنا حقوقنا، أو تنسينا واجباتنا، أو تضر بمصالحنا، أو تسيء لكرامتنا، أو تؤخر إنجازنا، أو تعكّر مزاجنا وصفو الوداد بيننا، إن بناء هذا الشعور هو إرادة ذاتية وإحساس داخلي بالمسؤولية لحياة أسرية أساسها المودة والرحمة وقوامها الاحترام والتقدير، ومرتكزها البر والإحسان، فهل نحن قادرون على إعادة علاقاتنا الأسرية والاجتماعية من جديد في قوتها ومتانتها وسموها وخلدها في ذاكرة الإنسان، وفق ثوابت ديننا الإسلامي العظيم وقيمه السامية الداعية إلى البر والمودة والرحمة والعطف والحنان؟

[email protected]