لقد جسدت الحربان العالميتان سياسة المحاور والأحلاف بشكل لافت، وجاء مشروع (مارشال) عام 1947م لضخ ما يقرب من 13 مليار دولار أميركي لإعادة إعمار وتشغيل الاقتصاد الأوروبي أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويعد هذا المشروع أهم إرهاصات سياسة المحاور والأحلاف في تلك الحقبة، وكان له أثر كبير في تعافي اقتصاد أوروبا، وبعد مشروع مارشال بعامين تم تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949م...

المحاور والأحلاف الدولية مفردات دارجة في السياسة العالمية يحكمها مستوى المصالح في العلاقات الدولية، وفي المنطقة العربية الخارجة من رحم الاستعمار القديم كان لا بد من الارتباط بتلك السياسة على اعتبار وجود صراع قائم بين العرب وإسرائيل، ولحاجة العرب إلى التوازن الدولي، ولكن كيف يمكن للعرب الاستفادة من سياسة المحاور والأحلاف الدولية دون الإضرار بمصالحهم العليا؟
لقد جسدت الحربان العالميتان سياسة المحاور والأحلاف بشكل لافت، وجاء مشروع (مارشال) عام 1947م لضخ ما يقرب من 13 مليار دولار أميركي لإعادة إعمار وتشغيل الاقتصاد الأوروبي أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويعد هذا المشروع أهم إرهاصات سياسة المحاور والأحلاف في تلك الحقبة، وكان له أثر كبير في تعافي اقتصاد أوروبا، وبعد مشروع مارشال بعامين تم تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949م، وبالمقابل نجح الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقية في تأسيس حلف (وارسو) عام 1955م، ثم جاء مبدأ أيزنهاور عام 1957م لدعم الدول اقتصاديا متسقا مع سياسة المحاور والأحلاف الدولية، وفي إطار سياسة المحاور والأحلاف نشبت في تلك الحقبة بعض الحروب الإقليمية كالحرب الكورية (53 - 50) وحرب فيتنام (75 - 55) كما حدثت أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962م والتي وضعت العالم على شفير حرب مدمرة وانتقل الصراع بين القطبين الدوليين إلى ما يسمى بالحرب الباردة، كل تلك الصراعات الإقليمية ارتبطت بسياسة المحاور والأحلاف، بل شاركت دول عديدة تمثل المحورين الشرقي والغربي في تلك الحروب .
وفي العالم العربي كانت القاهرة تمثل محور الحراك العربي والدولي في الخمسينيات والستينيات إبان عهد الزعيم جمال عبدالناصر، بل أسهم عبدالناصر في إنشاء مؤتمر عدم الانحياز في باندونج عام 1955م، وكانت حركة عدم الانحياز تضم دولا صاعدة من دول العالم الثالث فيما بعد الحقبة الاستعمارية، وقد تبنت تلك الحركة مبادئ مهمة كحق تقرير المصير والاستقلال الوطني والكفاح ضد الاستعمار، والسيادة وعدم الانتماء للأحلاف العسكرية. إلا أن حاجة العرب في تلك المرحلة للارتباط مع القطب السوفييتي كان ضرورة ومسألة ذات أهمية قصوى نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي الدائر والدعم الغربي الكبير لإسرائيل، وفي إطار تلك السياسة تم تأسيس حلف بغداد عام 1955م والذي تحول لاحقا إلى ما يسمى بحلف السنتو بعد ثورة تموز 58م بالعراق ليتحول العراق بعدها من ملكية إلى جمهورية، ورغم أن الاتحاد السوفييتي كان مناصرا للقضايا العربية منذ العدوان الثلاثي على مصر 56م بعد تأميم قناة السويس مرورا بحرب 67م مع إسرائيل، وصولا للانتصار الذي حققه العرب على إسرائيل في حرب أكتوبر 1973م والذي كان بدعم سوفييتي خالص وأسلحة سوفيتية، ثم تحولت الشقيقة الكبرى جمهورية مصر العربية نحو المحور الغربي، وعزز ذلك التوجه توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد عام 1979م، إلا أن سياسة المحاور والأحلاف ظلت قائمة وبقي العالم بين هذين المحورين حتى سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991م وسقوط جدار برلين بين الألمانيتين معلنا بذلك انتهاء مرحلة الثنائية القطبية، وتصدر الولايات المتحدة للمشهد العالمي وهيمنتها على النظام الدولي الجديد سياسيا واقتصاديا وعسكريا من خلال بعض المؤسسات كالأمم المتحدة والبنك الدولي وحلف الناتو، وأصبحت أميركا رجل أمن العالم، وتوسع حلف الناتو لاحقا تماشيا مع مرحلة الأحادية القطبية، بل إن الولايات المتحدة تولت رعاية السلام في الشرق الأوسط في مرحلة التسعينيات أثمر عن ذلك توقيع اتفاقات أوسلو بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في واشنطن 1993م تبعتها اتفاقية وادي عربة مع الجانب الأردني عام 1994م، وظلت عملية السلام تراوح مكانها في تلك المرحلة في ظل رعاية الولايات المتحدة، فلم يحدث أي تقدم في مسارات القضية الفلسطينية وقضاياها الرئيسية كالحدود واللاجئين والقدس والمستوطنات، بل زادت وتيرة الاستيطان، ولاحقا حدثت حرب الخليج الثانية والحرب الأميركية على العراق وأفغانستان التي ربما عانت منها الولايات المتحدة مع استمرار تواجدها في البلدين. واستكمالا لموضوع سياسة المحاور والأحلاف نجد ظهور الدب الروسي على مسرح الأحداث بعد غياب عقدين من الزمان منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وذلك على خلفية أحداث "الربيع العربي" حيث برز الدعم الروسي للجمهورية العربية السورية والذي أعاد المحور الروسي وريث الامبراطورية الروسية إلى الواجهة، وكذلك ما حدث مؤخرا في جزيرة القرم حيث فرضت الإرادة الروسية نفسها وكأنها تعلن عن عودة سريعة إلى المشهد الدولي كقطب يتجه نحو المنافسة العالمية، مع ظهور أقطاب وأحلاف جديدة تتشكل على المسرح الدولي .
ومن خلال سياق الموضوع أعلاه لا بد أن نتوقف في محطتين رئيسيتين ومهمتين؛ الأولى تتعلق بضرورة تقييم الموقف العربي الراهن، وعمل مراجعة نقدية ذاتية شفافة تتعلق بمدى استفادة العرب من خلال هذه السياسة، وهل أصبحت العلاقات الدولية تقوم على الاحترام المتبادل؟ أم تم تجاوز تلك المبادئ والأعراف الدولية في إطار العلاقات الدولية واحترام سيادة الدول؟ أما المحطة الأخرى فهي: هل المعطيات الدولية تسمح بإمكانية البحث عن حليف موثوق ومضمون في لعبة سياسة المحاور والأحلاف؟ وهل التحول بين تلك المحاور أمر وارد في الوقت الراهن؟
أعتقد أن الجواب يتطلب إرادة جماعية حقيقية، ومصالحة عربية شاملة تفرض نفسها على الجميع لفتح صفحة جديدة بالتخلص من تبعات الماضي والاعتراف بالخطأ، والمسارعة في علاج تلك الأخطاء وعدم الارتهان للخارج إن أراد العرب البقاء وتجنب الكارثة.

خميس بن عبيد القطيطي
[email protected]