[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/aliaklahersan.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]علي عقلة عرسان[/author]” .. يمكن أن نعتبر مسرحية بيير جنت وشخصيته، الوجه النقيض لمسرحية براند وشخصيته. فإبسن يعرض النقيضين في الحياة، ويضرب الإثنين، براند وبييرجنت، ويلطمهما، لأنه يرى أن كليهما لا يصلح للحياة، وأن على الإنسان أن يكون معتدلاً ليعيش.. فلا السلبية والميوعة وعيش الوهم يصنع رجلاً يبني الحياة، ولا الصلابة المطلقة والمثالية الخالصة والتعصب، يؤهل الإنسان للحياة بسعادة واتزان وأمان.”ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.. إنَّ المضمون الروحي والفكري والاجتماعي لأعمال إبسن الأدبية، كان مستوحى من منابع أخرى، كلها اسكندنافية.. من بلاده النرويج، ومشكلات مجتمعه، ومن حياته وتجاربه وأخلاقه وضميره، في أثناء تفاعل ذلك كله مع الواقع المعيش.. من قراءاته وتأملاته، ومن روح العملاق المتمرد في ذاته.. وقد تأثر بالفيلسوف الوجودي المؤمن "سورين كيركغارد Kierkegaard ونهل من فلسفته كثيراً، وناقشه وردَّ على جوانب من فلسفته في مسرحية "براند"، وأنا أرى أنَّ هذه المسرحية"براند"، هي ردُّه القاسي على التزمت الروحي في تطبيق مبادئ الدين المسيحي الحرفية التي كان ينادي بها "كيركغارد" فيلسوف الدانمرك، وعلى التصوف الرهباني الخالص الذي أخذ به بعض الأتباع.براند قسيس متزمت، أخلاقي روحي، لا يقبل المساومة في مبادئه، يؤمن بالخير والحق والسماء، ويريد أن يجعل الناس كلهم ملائكة على الأرض، ويدعو إلى تطبيق المبادئ المسيحية بكل صلابة، من خلال تصرفاته.. فهو الفرد الفريد المثالي الإيجابي. أخذ براند يدعو إلى نبذ كل ماهو دنيوي، وإلى التنسك والزهد وابتذال الحياة الدنيا، بوصفها عرضاً زائلاً، ودعا إلى العمل والسعي وراء الآخرة التي هي الجوهر والخلود، وحثّ الناس على أن يسيروا معه ليبحثوا، وليصلوا إلى ما وصل إليه المسيح، من عذاب وتطهّر. ولم تجد المقاومة التي لقيها براند من قبل ممثل الكنيسة الحكومي الذي كان يدعو إلى أن يوازن الإنسان بين الدين والدنيا، ولم يقبل المساومة ولم يرضَ بأنصاف الحلول.. وكذلك لم تجدِ معارضة أصحاب الحِرَف ومختار القرية لبراند، ومقاومتهم له، ومحاولاتهم لصدِّه عن غايته ودعوته تلك.. فسار وسارت خلفه جموع الشعب، ينشدون الله والعمل الفاضل في الجبال والصحارى.. يعيدون بمسيرتهم إلى الأذهان طريق الآلام الذي سلكه السيد المسيح، والصليب الثقيل الدامي، وجبل الجُلجلة، والمسيحَ المضحي.. وصبروا جميعاً. وكانت تلوح أمام براند، بين الفينة والفينة،"غورد"الفتاة التي تشبه حمامة تحط على المرتفعات - وهي تمثل بنظري كلَّ خبرات التصوف في الشرق - تحدوه، وتشحذ همته للسير قدماً حتى يبلغ الغاية المنشودة، وهي "معرفة الحقيقة، وكشف المجهول، والوصول إلى سرِّ الخالق، والذوبان في الله.".ولكن الناس لم يواصلوا السير وراء براند، بعيداً عن الدنيا ومتاعها الزائل، وفضلوا العودة إلى الحياة، إلى منازلهم .. وساروا وراء ممثل الكنيسة الذي يستغل الدين وتعاليم الكنيسة في توطيد دعائم الحكم، وإخضاع الناس لسلطة الحاكم.. وهو ما نبذه براند وخرج عليه. وواصل براند سيره وراء لَمْعِ البرق، لكي يصل إلى الحقيقة.. لكن الطريق لم تصل به، فما لبث أن أنحدر عليه انهيار ثلجي حطَّمه تحطيماً.. وقبل ذلك المصير، رأى طائراً ينثر ريشه الأبيض في الهواء، وكأنه يمثل الفراغ وجدب المسعى، وسمع براند من وراء الأفق صوتاً عظيماً يردد :"إن الله هو المحبة.. إن الله هو المحبة.".وقد أكدت رحلة براند الصعبة، في نفس إبسن، أشياء ظهرت فيما بعد، ولكن براند هذا الذي يقول عنه جورج برناردشو"إن براند يموت قديساً، بعد أن سبب بقداسته عذاباً أشدَّ عنفاً مما سببه أعظم آثم مطبوع على الشر، لو سنحت له ضعف الفرص التي تأتَّت لبراند "، براند هذا أكد في نفوسنا رداً مقنعاً على عقم الروحية المطلقة، وعقم التمسك بحرفية الأخلاق، والتزمّت والغلو، أو التطرف الديني.كان براند في نضاله الصلب، ونظامه القاسي الذي فرضه على نفسه وعلى أتباعه، يشعر في بعض الأحيان بخَوَر العزيمة، وبأنه يفرض على نفسه شيئاً لا يرضاه الله، ولكن هذا التفكير لم يكن ليدوم في ذهنه أكثر مما يدوم ومضُ البرق في الأفُق.. فما تلبث الإرادة المصممة، والروحية المُغالبة، والأخلاق المُعالية، أن تشدَّ براند إلى عالم العمالقة، فيسير غير آبه بحياته أو بحياة ذويه وتابعيه.. فقد مات ابنه، وماتت زوجته، ولم يحاول أن يبتعد بهما عن طريق الآلام، ويجنبهما المرض، خوفاً من أن يقال إن براند أخذته المنافع، وحرص على خصوصياته وأهلهوترك الشعب.كان يقضي أوقاته ذهاباً إياباً من بيت إلى بيت ليساعد الناس ويهديهم.. قطع نهراً متجمداً خطِراً، كي يصلي على روح ميت، في حين جبُن أقرب الناس للميت عن مرافقة براند في رحلته الخطرة عبر النهر.. وعادى براند أمَّه، ولم يحضر وفاتها إلا بشرط واحد، وهو أن تتخلى عن كل ما تملك في سبيل الله، وتوزعه على الفقراء. وهكذا كان شديداً على نفسه، ليضرب المثل الحي للذين يناديهم ويدعوهم إلى السير خلفه.يرى بعض النقاد مسرحية براند، وشخصية براند بالذات في المسرحية، مثالاً على الرجولة والصلابة وقوة الإرادة، ضربه إبسن لأبناء أمته لكي يتخذوه قدوة. وأميل إلى النظر إلى هذه المسرحية على أنها ردٌّ منطقي على فلسفة "سورين كير كغارد" الفردية، وعلى فلسفة هيغل الاوتوقراطية، وأنها تجربة عاشها إبسن في شبابه، حين كان نهباً بين الروحية المُطلقة وإندفاع الشاعر خلف المُثل، وبين الواقع المُر وقسوة الحياة.. تجربة أخلاقية وعملية في دنيا الأحياء، وتجربة فنية لكاتب مسرحي ناشئ، ولشاعر مرهف الحس، يعيش في مجتمع يساوم أفرادُه ويضل بعضهم أو أكثرهم.. وتجربة مصلح اجتماعي، يهمه بالدرجة الأولى أن يرتفع بشعبه إلى مراتب السمو. ويجب ألا نهمل، بأي حال من الأحوال، نظرة إبسن لدور الدين والكنيسة في الحياة.. تلك النظرة التي حاول صاحبُها ألا يكون قاسياً متزمتاً مثل براند، ولا متهاوناً مساوماً مثل ممثل الكنيسة الحكومي الذي يرى الدين خادماً يؤيد مطالب الحاكم، ويؤمّن سلطته، ويقنع الناس بوجوب الخضوع لتلك السلطة وتقديس شرعيتها. إن إبسن يرى الله في المَحبة، وأن كل ما يوافق الطبيعة الإنسانية ويرتفع بالإنسان روحياً، هو خير.وإبسن يوافق كيركغارد Kierkegaard إلى حدٍّ بعيد، في نظرته إلى الدين كعلاقة روحية ذاتية بين الإنسان والخالق، يصل إليها الفرد عن طريق المعاناة والكشف الذاتي، والتمرس الروحي بآلام التجربة، والتأمل في روعة الوجود.. ولكنه لا يرضى أن ينصرف الإنسان كلياً إلى التصوف المطلق، ويهمل الجوانب الحيوية الدنيوية والمادية في الحياة.. كما أن إبسن لا يؤيد رأي القس براند، بل يرى رأياً مضاداً تقريباً. فرأي إبسن أن الكنيسة لا تمنح الدين أو تأخذه، كما أنها، بوضعها الذي رآها عليه آنذاك، لا يمكن لها أن تهدى الناس إلى الله.. وما على الإنسان إلا أن يقيم كنيسة في قلبه، ويعرف الله ويعبده عن طريقها، وبواسطة التواصل بين الله وذاته،عبر تجربته وألمه. وهذا الرأي، وإن كان فيه شيء كثير من كيركغارد، إلا أن إبسن صوّر في المسرحية المصير التَّهلُكَة الذي يبلغه الإنسان، إذا ما طبَّق نظرية المتصوفة المُغالين، ومنهم "كيركغارد"، بحرفيَّتها.وبعد، فإن إبسن قدم المثل الأعلى لأبناء بلاده في الخُلق والمثالية والصلابة في شخصية براند، وصور لهم السلبي، أو صوره لهم، في شخصية "بييرجنت"، فأوضح السلبية والميوعة وعيش التفاهة، على أحلام وأوهام يسبح بها الخيال، فينقل الفرد إلى عوالم الوهم، حيث لا تُقابل رغباته بأي مانع من أي نوع، ولا يكاد ينضبط لكي يضبط نفسه وأموره.كان "بييرجنت" مثالاً للسلبية.. شخص فارغ تافه، يحلم، ويحقق كل ما يريد عن طريق الحلم، ولا يبني في الحياة أو من أجلها شيئاً بالعمل.. طاف العالم وذهب إلى مصر، وتزوج الفتاة التي أحبها، إذ خطفها كالفارس العنيد من حضن زوجها ليلة الزفاف، وعاش مُنعَّماً.. فعل كل هذه الأشياء بشطحات خياله.وبعد أن رسم إبسن لنا هذه الشخصية الفارغة، جعل حَدَّاداً يتقدم من "بييرجنت" وبيده مطرقة عظيمة ومغرفة ويقول له: "بييرجنت، إنك لا تستحق شيئاً في الحياة.. بل أنت لا تستحق الحياة نفسها، فماذا أفعل بك؟ سأطرقك بهذه المطرقة حتى أحيلك إلى عدم، لأنك عبء على الحياة والأحياء.". ويعيش بييرجنت مع هذا الحَدَّاد حلماً مرعباً، كأنه كابوس مهلك، ويرى خلال هذه المقابلة ويعرف من هو، وماذا يستحق.وبهذه اللفتة البارعة يعطي إبسن، بكل عنف شخصيته وعمقها، درساً لشباب النرويج الذين عجزوا عن أن يكونوا شيئاً في الحياة بنظره، في ذلك الوقت، وأحجموا عن مساعدة إخوانهم في الدانمرك، ولم يهبوا لنجدتهم حينما اعتدى عليهم معتد. ولهذا لقَّنهم إبسن درساً، برسمه شخصية بييرجنت، فأوضح لهم أن السلبي الحالم الفارغ، لا يستحق حتى أن يُطرق بمطرقة حَدَّاد عامل.ويمكن أن نعتبر مسرحية بيير جنت وشخصيته، الوجه النقيض لمسرحية براند وشخصيته. فإبسن يعرض النقيضين في الحياة، ويضرب الإثنين، براند وبييرجنت، ويلطمهما، لأنه يرى أن كليهما لا يصلح للحياة، وأن على الإنسان أن يكون معتدلاً ليعيش.. فلا السلبية والميوعة وعيش الوهم يصنع رجلاً يبني الحياة، ولا الصلابة المطلقة والمثالية الخالصة والتعصب، يؤهل الإنسان للحياة بسعادة واتزان وأمان.ومن هاتين المسرحيتين، نحس عنف معركة البناء الذاتي،ومخاض النضج الذي عاشه إبسن، وهو على مشارف النضج، إذ كان يرى أمامه مثالين للرجل: المثال الصلب العنيد الأخلاقي الروحي الخالص، والمثال السلبي الفارغ المنحل. ولم يتح إبسن لأي من هذين النموذجين الحياة والبقاء، ولم يُولِه ثقتَه، بل حطمهما تحطيماً، وانطلق عملاقاً يسير في الحياة، ويكشف عن خطوط سيرها، ويخطُّ الطريق والمثال لرجل الحياة من وجهة نظره. وقد اتضح ذلك فيما بعد، حين كتب إبسن مسرحيته"البطَّة البريَّة".