متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي :
أقام مركز عمان للموسيقى التقليدية التابع لمركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم بديوان البلاط السلطاني مساء أمس الأول محاضرة حملت عنوان "الفلسفة والموسيقى .. أية علاقة" قدمها الدكتور نبيل عبدالعزيز عبدالجليل بحضور عدد من الكتّاب والأدباء والمهتمين بالموسيقى في السلطنة إضافة إلى مشاركة فرقة مركز عمان للموسيقى التقليدية بتقديم فقراتها الفنية عقب المحاضرة.
وقد طرح المحاضر الدكتور نبيل عبدالعزيز عبدالجليل في بداية محاضرته علاقة الفلسفة بالموسيقى إشكاليات متعددة بمجرد التخمين في طبيعة هذه العلاقة حيث تساءل في بداية محاضرته حول "الفلسفة والموسيقى ، أية علاقة ؟" معرجا إلى النظرية الموسيقية في إطار علوم التعاليم الأربعة "الحساب، الهندسة، علم الفلك, الموسيقى" ، و رؤية الفلاسفة للأخلاق والجماليات في الموسيقى بين التنظير ، التقييم والنقد ، النظرية الموسيقية في إطار العلوم الفلسفية الأساسية ، والحساب، الهندسة، علم الفلك, الموسيقى ، و المدرسة الفيثاغورية و أهميتها ، و الفيزيائيون الصوتيون ، و الفيثاغوريون الماورائيون : مجموعة تصورات شمولية ومنظومات على أساس الأعداد .وقال "المحاضر" هل نحن هنا بصدد علاقة عرضية ، ناتجة عن ظروف معينة لا تتهيأ إلا بتوفر فائض مهم من الكماليات الحضارية أو عن رغبة ملحة من طرف الموسيقيين أو الفلاسفة في الاتجاه نحو الآخر ،يحركها نوع من الفضول العجائبي . أم لربما نحن أمام علاقة عضوية وعفوية تجد أساسها في ماهية كل من هذين المجالين حيث لا يكتمل معنى أي من هما من دون الأخر؟ . ويضيف الدكتور نبيل عبدالعزيز " بين هاتين الدرجتين القصوتين والمتباعدتين تكمن حالات وفروق دقيقة متعددة بحسب المجال الحضاري والتاريخي المدروس ، بحيث تبقى النسبية الثقافية سيدة الموقف هنا .
وتطرق "المحاضر" إلى الحضارة اليونانية ومن ثم الأوربية الأوسطية وصولا إلى العصر الحديث ، هذا مع فتح باب المقارنة مع الحضارة العربية الإسلامية. وتجد هاته المقارنة شرعيتها ليس فقط من باب الجوار الجغرافي والعقائدي ، بل كذلك مراعاة للحقيقة التاريخية التي مفادها اعتماد الوعي الإسلامي مبكرا على الموروث الإغريقي في بلورة ممارسة فلسفية محلية.
واستعرض "المحاضر" حسب التسلسل التاريخي في عصر "الإغريق" الموسيقى بين الميثولوجيا و التراجيديا ، والموسيقى في الإمبراطورية الأثينية (القرن الخامس ق.م) حتى أفلاطون ، ومقاربة أفلاطون الأخلاقية وأهميتها القصوى (427- 347ق.م) ، وأرسطو والمقاربة الوسطية322-384) ق.م) ، وأرسطوكسينوس (354ق.م): رفض المقاربة الأخلاقية و انتقاد الفيثاغوريين. كما عرج إلى العصر اليوناني الروماني من خلال المدرسة الأبيقورية و الرواقية و التشكيكية و انتصار " المادية" المؤقت و الحنين إلى المثالية القديمة ، وأفلوطين والنفحة الصوفية (204-269). كما قدم رؤيته عند "المسيحية" أوغسطين (354-430)، آباء الكنيسة الأوائل و بويتيوس (480-524) : بين أفلاطون و اللاهوت والممارسة الموروثة.
واستعرض في حقبة الألفية الثانية وبداية الفكر الإنساني محاولة خلق التوازن بين أفلاطون وأرسطو ، و ظهور المسرح ، والموقف من البوليفونيا الذي رآه المحاضر انتصارا فنيا مقابل محاولات التقنين في إطار اعتراف ضمني.وفي إطار المقارنة مع العالم الإسلامي أكد لمحاضر غياب تفاعل تقييمي ونقدي عند الفلاسفة العرب مع موسيقاهم المعاصرة من الناحية الجمالية والأخلاقية
كما طرح المحاضر الدكتور نبيل عبدالعزيز تساؤلا هل تم استفراد المتصوفة بالتنظير الجمالي للموسيقى ؟ معرجا في إجابته مع "المتصوفة و الموسيقى" من خلال ابن عربي (1165-1240) ، وجلال الدين الرومي (1207-1273) وقارنهم مع آباء الكنيسة الأوائل من النهضة الأوربية إلى القرن 18 وقال : الرجوع إلى الصورة المثالية للمسرح الإغريقي في الأوبرا- بقاء النفس الأفلاطوني على مستوى أهمية النص الشعري ، وتفوق الشعر على الموسيقى عند كبار الفلاسفة إلى حدود شوبنهاور و نيتشه (عدم الانتباه إلى تطور الموسيقى الآلية الصرفة المتزايد) ، وتأخر الفلاسفة بالنسبة لتطور الموسيقى (جوليوس بورتنوي و هيغل) نيتشه (1844-1900) ، و إعادة قراءة التراجيديا الإغريقية من منطلقين : تفوق الموسيقى على العقلانية وأهمية الديونيزية.تجدر الإشارة إلى المحاضرة لم تقف طويلا عند تقاطع النظرية الموسيقية مع العلوم الفلسفية القديمة ، إذ لا يمثل هذا التقاطع ـ كما قال المحاضر ـ إلا مرحلة قصيرة جدا من تاريخ الوعي الفلسفي وكذا الوعي الموسيقي ، كما تطرقت لكيفية تعامل الفلسفة مع مسألة تطور اللغة الموسيقية وتقنياتها ، لا من حيث محاولة التحكم في مجريات هذا التطور فحسب ، بل كذلك من خلال التأثر ـ عن وعي أو بدون وعي ـ بالمنهجية الفلسفية في عملية الإبداع الموسيقي ، خصوصا فيما يخص التوجهات الموسيقية والفنية الطلائعية حاليا .تجدر الإشارة إلى ان الدكتور نبيل عبدالعزيز عبدالجليل، هو مؤلف موسيقي وأستاذ جامعي بشعبة الفلسفة بكلية ابن مسيك للآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، وهو مهتم بالموسيقى التصويرية زيادة على الموسيقى العربية وتاريخها وكذلك أعمال المؤلفين العرب للموسيقى الكلاسيكية، وأخيرا الجانب الجمالي والفلسفي في الموسيقى الذي أنجز في إطار بحثي حول موضوع "الأسس النفسية والجمالية للموسيقى في الأذان والتجويد".