[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]
لا يختلف اثنان أنه ما بين اليوم والأمس بون شاسع في طرائق تربية الأجيال ، ولا زال الفارق بينهما يزداد اتساعا وهوة بدأت تقضي على آمال التربية عند كثير من الأسر التي تعاني مغصا مزمنا، وعسر هضم مستمر لتصرفات الأبناء وانحرافاتهم المتزايدة، وما يحزنني كثيرا أنّ آباء اليوم يواجهون مزيدا من التعقيدات التربوية، والتحديات الصعبة، بعكس آبائنا ـ رحمة الله عليهم ـ ربونا تربية سهلة لم تأخذ أبعادا تقنية خطيرة على القيم والمبادئ، وكانوا لا يقلقون علينا كثيرا وهم يعلمون أنه لا يوجد من يتمكن في تغيير قيمنا ومبادئنا ،ننام نومة هانئة جلّ أوقاتنا في العلم وبين دفتي كتاب أو في اللعب البريء أو في أعمال النخيل والمزرعة وبين الكتاتيب والمدرسة، فلم نملك هاتفا خلويا ولا جهازا ذكيا ولا حاسوبا بيتيا، حمّلنا آباءنا مسؤوليات جسام، وندير أعمالهم على قدم وساق دون عناء أو نصب، كنا نخاف من غضبهم ونحسب ألف حساب لمجيئهم؛ نجلّهم ونقدرهم ونبدي لهم احتراما كبيرا كما نحافظ على صلواتنا في المساجد ونتواجد أينما تواجد الرجال في مراسم العزاء أو في محافل المناسبات المختلفة نرتدي الزي العماني ولم نعرف له بديلا ابتسامتنا تسبق محيانا لرؤية أهلنا وأحبابنا لم تكن حياتنا سابقا تتسم بهذه الصعوبة والتعقيدات والمعاناة التي نعايشها اليوم ، فكانت وقتئذ الحياة رائعة تتسم بطعم خاص ومذاق حلو ، كنت وإخوتي الصغار ننام في غرفة واحدة نفترش الأرض تحت سقف واحد نعيش الحياة بحلوها ومرها نجلس للغداء على صحن واحد وبقلوب ملؤها التعاون والأمل لحياة جميلة سعيدة يحكي لنا الآباء فيها قصص الأجداد وتجاربهم السابقة في السفر طلبا للرزق.
إنّ ما أرمي اليه في هذا النص أن تربية أبناء اليوم ليست بالأمر الهين واليسير بل يتخللها متغيرات متسارعة قصفت بقيم كثيرة وأزهقت مبادئ عشنا عليها منذ عقود سابقة فأبناء اليوم ليس لديهم عزيمة غرس القيم في النفوس فلو طلبت من أحدهم أن تذهب به لزيارة أحد الأرحام مريضا في المشفى أو عجوزا في الدار يتأفف من ذلك وإن رافقك تجده منزويا منشغلا (مربوش) بهاتفه يقلبه ويبحث فيه عن الجديد من التقنيات كما أنه نجح في التملص من قيم كثيرة أبرزها اكتفاؤه بالتواصل مع أفراد أسرته عبر المجموعات الافتراضية حين سنّ كثير منهم اليوم سنّة من خلالها يزورون أرحامهم افتراضيا ويطمئنون على أقاربهم وإخوانهم ، ومن خلالها يحولون مبالغ الصدقات والتعاون فيما بينهم مكتفين بذلك دون أن يشغلوا أنفسهم بصلة الأرحام كما ينشغلون طوال الليل بهواتفهم في التواصل وغيره من الغث والسمين حتى أصبح بعض الآباء يكلون ويملون تقديم النصح والإرشاد ويهملون أوقات أبنائهم ولا يبالون بصلواتهم بما يشعرون به من أسى وغصة وتعب أقض مضاجعهم لدرجة أنّ استراتيجيات الحوار توقفت بين أفراد الأسرة لأسباب التقدم التقني فبرزت المشاكسات والمنغصات بديلا عنها.
نعم تلك ضريبة التقدم التقني فلا أقول بعدم مواكبة التطورات، ولكن علينا أن ننظم أساليب امتلاكها بين أفراد الأسرة وعلينا أن نسنّ قوانين وتشريعات منزلية تحفظ الأبناء من وعثاء التقنية ، وسوء المنقلب على الأم والأب من قبل الأبناء خصوصا ما نسمع من انفلات وإشكاليات واستفزاز وغير ذلك من أساليب الاستغلال والعبث بالتقنيات بين أفراد المجتمع فعصيان الأبناء وتمردهم وطغيانهم وإهمال دروسهم إنما جاء بأسباب فساد الأقران وما يمتلكون من تقنيات أفسدت أخلاقهم وأسالت ماء وجوههم منسكبا دون حياء أو خجل ودون خوف من ناب أو ظفر، خصوصا مع سنّ المراهقة الذي يتزامن مع طفرة التقنيات ليجد المراهق مهباطا يهبط به إلى الحضيض فيفلس أخلاقيا ويفشل دراسيا.
إنّ الوضع السائد لأبنائنا في بيوتهم لمخيف حقا، فالتقنيه باتت وحشا جاثمٌا فوق رؤوس أبنائنا الذين لا يملكون القرار للتخلص منها بعد أن عشعشت في عقولهم وجثمت في أدمغتهم فباتوا لا يستغنون عنه قيد أنملة فأجزم مع نهاية العقد الحالي سيكثر مرضى الرقاب المنحنية وتزداد أمراضهم وعللهم الأخلاقية والخلقية إن لم يجدوا تنظيما وتشريعا ومراقبة أبويّة لصيقة تحدّ من ضياع أوقاتهم بين الهواتف عليه يحق لنا القول : إن نشء اليوم يعيشون حياة ملؤها الصخب التقني وفي ذلك فليتذكر أولو البصائر والألباب.
[email protected]