[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/06/k.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]خلفان المبسلي[/author]منذ أربعة أيام غادرت المدرسة الرمضانية الكبرى زماننا ومكاننا، بعد أن عشنا في أجوائها تسعة وعشرين يوما، متخلقين بتعاليم هذه المدرسة التي لا تضاهي سلوكياتها مدرسة أخرى ، حين تترك لنا نموذجا إنسانيا رائعا ألا وهو مشاركة الآخر الإحساس بالجوع والصبر على العطش وقيم التعاون والسلام والمحبة والتسامح بين أفراد المجتمع ، كما تركت تلك الايام بيننا درسا في غاية الأهمية يتمثل في تنظيم الوقت والمحافظة على الصلوات الخمس وتلاوة القرآن الكريم والامتثال لتعاليم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ناهيكم عن برامج المساجد الدعوية وإفطار صائم التي انتشرت في كل بقعة في البلاد فأينما تيمم وجهك تجد من ترك لك إفطارا شهيا من الغذاء يحتوي على التمر واللبن.إنّ صبر المؤمن في رمضان على التهجد وطول القيام والصيام رغم ارتفاع درجات الحرارة في حد ذاته سلوك يعمل على تعديل سلوكياتنا الحياتية القادمة، فيتحمل الجار جاره إن آذاه في شيء ، كما يتقبل المرء الآخرين بكل ودّ واحترام ، ويصبر على أخطائهم ويعفو عن زلاتهم ، بعد أن يكتسب من المدرسة الرمضانية سلوكا حميدا ينير له السبيل في تنظيم التعاملات اليومية مع الآخرين في مبدأ لا ضرر ولا ضرار، كما يتحلى المرء بالخصال الحميدة، ويتخلق بسائر المبادئ والقيم التي تجعله يحيا حياة طيبة دون هم ولا كدر ولا ضيق، حتى يصبح الصبر رفيق دربه ، وجزءا من حياته يمشي به بين الناس خلقا حميدا في تصرفاته وأفعاله وأقواله وسائر سلوكياته اليومية فلا يسب ولا يرفث ولا يفسق منذ طلوع الشمس وحتى غروبها ألا يصبح ذلك كفيلا أن يترجم ذلك السلوك إلى سائر يومه تعاملا طيبا ورحمة ورأفة لقلبه وقد أثبت الأطباء أن الصوم صحة مصداقا لنبي الأمة حينما قال :"صوموا تصحوا" وكذلك أثبت العلماء أن الإنسان ليغير من طباعه السلبية في الحياة قد يحتاج إلى ثلاثين يوما للتبدل من الحالة السلبية إلى الحالة الإيجابية وهو أمر يتمّ بفضل الصوم الذي باركه الله وفرضه على المسلمين أجمعين.إنّ من خرج من المدرسة الرمضانية بخفي حنين ولم يكن له نصيب منها سوى الجوع والعطش فهو محروم بل مسكين يصرّ على الفحشاء والمنكر فتصير الكبائر رفيقه التي لا يستغني عنها ، فيلعن هذا ، ويغتاب الآخر ويجلس بالنميمة في المجالس ويقضي يومه في النوم ليفيق على خصام الآخرين ، فيعق أباه، ويهجر عياله، ويخاصم جاره، تاركا لذة الصوم خلفه ظهريا دون خوف من الله تعالى على التقصير وكسب الذنوب بعد أن مات قلبه وطمس على سمعه وبصره إن الخطر الحقيقي الذي أودى بنا إلى منزلق المهاوي والردى عن أمور ديننا وسلوكياته الحميدة تلك البرامج الهاتفية التي نتفنن في استغلالها وتوظيفها سلبا للحياة فنبحث فيها عن الحرام ونفتش بين أروقتها عن الآثام فصدتنا عن العبادة والصيام، وقضت مضاجعنا بعد تورطنا بارتباط بها يصل إلى درجة العبادة . فقامت بتعطيل سلوكياتنا التي فطرنا الله بها من سلوك حسن إلى سلوك سيئ، حين أشغلتنا عن الذكر والتلاوة، وألهتنا عن الصلوات الخمس ، وزينت لقلوبنا الكفر والفسوق والعصيان فكان من نتائج ذلك أن خرجنا من المدرسة الرمضانية دون فائدة بل بخفي حنين كما يقال في الأمثال السائدة.على كلّ حال إنّ المدرسة السلوكية الرمضانية تمكّننا من أمور كثيرة منها نيل الثّواب الكثير وطلب الصّحّة لأجسامنا وبطوننا وعقولنا ، والشعور بحال الفقراء ، وتعويد النفس على الصبر والقناعة غير أنّه يستحيل أن ننال شيئا من ذلك ما لم ندرك أهمية المدرسة الرمضانية وقيمتها ، فنترجم تلك السلوكيات واقعا ملموسا في الحياة وألاّ نظنّ أنّ الصيام تعذيب للجسد ، بل مكسب للفضيلة والصلاح والعفة أيضا ... ويا ليتني أجد من يستمع إلى قولي هذا فيعيه.[email protected]