الاستئذان سجية حميدة، وخلق عظيم، وأدب رفيع، وفطرة سوية، وطبع كريم، والاستئذان واجب على كل مسلم ذكرًا كان أو أنثى، وواجب أن يربى عليه الصغار.فقد أمرنا الله تعالى به في كتابه العزيز، كما حث عليه وبينه وفصل أحكامه نبينا (صلى الله عليه وسلم)، يقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) (النور 27 ـ 29).والاستئناس والاستئذان أمران متقاربان من حيث المعنى، يجمعهما معنى الإخبار أي إخبار الزائر مزوره برغبته في زيارته، وانتظار الإجابة من المزور إما بالموافقة، وإما بالاعتذار، وقد سُمي الاستئذان استئناساً لأنه بالإذن يحصل الأنس والطمأنينة لأهل البيت، بخلاف لو دخل الزائر على أهل البيت فجأة بغير استئذان لاستوحشوا منه، وضاقت صدورهم من صنيعه. والحكمة من مشروعية الاستئذان، أن الإنسان قد يكون في بيته أو مكانه الخاص على حالة لا يحب أن يراه أحد عليها، لذا قال ـ عليه الصلاة والسلام:(إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)، ويؤخذ من هذا الحديث أنه يشرع الاستئذان على كل أحد باستثناء الزوجة، حتى أنه يشرع على المحارم؛ كالأم والأخت والبنت وإن كن مع الرجل يقمن في البيت، وأسلوب الاستئذان هنا هو التنبيه بالصوت أو السعال أو التنحنح أو نحو ذلك مما يشعر بقدومه.روي عن عطاء بن يسار أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سأله رجل فقال:(يا رسول الله أستأذن على أمي؟ فقال: نعم، قال الرجل: إني معها في البيت، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: استأذن عليها، فقال الرجل: إني خادمها، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن عليها) (رواه مالك في الموطأ، كتاب الاستئذان ـ باب في الاستئذان)، وعَنْ عَطَاءٍ، قَالَ:(سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُخْتِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَعَدْتُ، فَقُلْتُ: أُخْتَانِ فِي حِجْرِي، وَأَنَا أُمَوِّنُهُمَا، وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمَا، أَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهُمَا عُرْيَانَتَيْنِ؟ ثُمَّ قَرَأَ:(يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِلَى ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) (النور ـ 58)، قَالَ: فَلَمْ يُؤْمَرْ هَؤُلاءِ بِالإِذْنِ إِلا فِي هَذِهِ الْعَوْرَاتِ الثَّلاثِ، قَالَ: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) (النور ـ 59)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَالإِذْنُ وَاجِبٌ، زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ) (رواه البخاري في الأدب المفرد ـ باب يستأذن على أخته، رقم الحديث: 1036)، طبعة دار الكتب العلمية. بيروت. 1417ه/1996م. وللاستئذان آداب منها: أن الزائر إذا وصل إلى بيت من يزوره، فلا يقف أمام الباب، حتى لا يقع بصره على شئ في داخل البيت، فللبيوت أسرار وحرمات، يجب أن تراعى وتحفظ وتصان، بل عليه أن يقف على يمين الباب أو على يساره، فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا أتى باب بيت قوم لا يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكنه من ركنه الأيمن أو الأيسر، وعلى الزائر أن يطرق الباب أو يدق الجرس ثلاث مرات متباعدات نسبيًا من غير شدة أو ازعاج، فإذا لم يُؤذن له، أو لم يجد الجواب بعد المرة الثالثة، فعليه أن يعود ويرجع دون أن يجد في نفسه غضاضة ولا حرجًا، ودون أن يشعر بضيق أو انقباض، فلا يتذمر ولا يسخط، ولا يتأثر ولا ينقبض، ولا يدور في خاطره شئ، بل عليه أن يحسن الظن بأهل البيت، وينصرف راضيًا، فالله تعالى يقول:(وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي: أكرم لنفوسكم، وأطهر لقلوبكم، علماً بأن الاعتذار قد يكون بالكلام، وقد يكون بالسكوت كعدم فتح الباب أو عدم الرد على الطارق، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم):(إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع)، وحكمة الاستئذان ثلاث مرات بينها فاصل زمني يسير، مراعاة لأهل البيت لإعطائهم الفرصة الكافية لاستقبال الزائر، فقد يكونون مشتغلين بشيء ما كغسل أو وضوء أو صلاة أو أكل، وأيضًا حتى يهيئوا أنفسهم كأن يقوموا بتبديل ملابسهم أو ترتيب أحوالهم، أو تهيئة الماك وإصلاحه لاستقبال الزائرين... وللحديث بقية.يوسف السرحني