ـ تجمل الأزهر في رمضان بالتلاوات والمنشدين والتواشيح الدينية
ـ حلقات الأزهر وأعمدته أخرجت كبار قامات العلماء والشيوخ للعالم أجمع

يعتبر الجامع الأزهر جامعا وجامعة في الوقت ذاته فهو ملتقى الوسطية والاعتدال ونشر سماحة الإسلام في ربوع مصر والعالمين العربي والإسلامي وهو من أهم وأشهر المساجد على وجه المعمورة . يعود تاريخ الأزهر إلى أكثر من ألف عام وأنشئ على يد جوهر الصقلي عام 970 م بأمر من المعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين بمصر ووضع الخليفة المعز حجر أساس الجامع في 14 رمضان سنة 359 هـ وأتم بناء المسجد في رمضان سنة 361 هـ فهو بذلك أول جامع أنشىء في القاهرة وهو أقدم أثر فاطمي . وقد اختلف المؤرخون في أصل تسمية هذا الجامع والراجح أن الفاطميين سموه بالأزهر تيمنا بفاطمة الزهراء ابنة النبي محمد وإشادة بذكراها. وأُمِّمَت جامعة الأزهر المتكاملة داخل المسجد كجزء من مدرسة المسجد منذ إنشائه وأعلنت رسميا جامعة سنة 1961 م . ولا يزال الأزهر مؤسسة لها تأثير عميق في المجتمعات الإسلامية ورمزاً من رموز العالمين العربي والإسلامي خاصة مع انتشار قوافله ودعواته الوسطية وبعثاته سواء الوافدة إليه أو الخارجة منه للعالم أجمع .
روح رمضان
للأزهر روح خاصة في الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك حيث يكون منارة نافذة كما هو طوال العالم لكنه يزداد بريقا وسطوعا بتوافد البعثات الأجنبية والإفريقية والآسيوية عليه بجانب المواطنين العرب والمصريين والخليجيين وإعداد الموائد للإفطار حوله كما تقام الصلوات الحاضرة فيه وكذلك العديد من الجماعات باستمرار وسط ترتيل آيات الذكر الحكيم من القرآن الكريم لتمتزج روح التلاوات المختلفة وتتعالى صيحات وأصوات المرتلين والمنشدين الذين يحرصون على التواجد للتبرك بهذا المكان الفضيل خاصة في رمضان .
ولعل أبرز ما تتميز به باحات الأزهر الشريف في رمضان هي جودة المرتلين للقرآن وما يلبث احدهم أن ينتهي حتى يبدأ الآخر لتتخلل التلاوات والتواشيح الدينية والإنشادات الصلوات الخمسة ليلو ذكر الله بين جميع الحاضرين في بانوراما إيمانية قلما تواجدت في مكان واحد فسيح جدا مثل باحات الأزهر المقدسة .
حلقات مباركة
وتتواصل تزامنا مع ذلك بين جنبات هذا المكان الفسيح المبارك وتحت أعمدته الشريفة حلقات العلم في الأزهر الشريف منذ آذان الفجر وحتى العشاء ليواصل الطلبة اغتراف العلم بين جنباته المباركة في هذا الشهر الفضيل وتجمعهم مع شيوخهم روح طيبة عبر موائد الإفطار والسحور التي تتواصل هي الأخرى خلال أيام رمضان سواء كانت عبر تبرعات خارجية أو من خلال الصندوق المخصص لذلك . وتكتمل حلقات الخير مع توزيع الزكاة والصدقات بشكل يومي وبعد كل صلاة على الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل وتفتح صناديق الصدقات والتبرعات خاصة الجارية ليزداد الخير . كما يحرص القائمون على مشيخة الأزهر الشريف على قبول التبرعات والصدقات والزكاة طوال العام خاصة خلال الشهر الفضيل لتوزيعها عبر قنواتها الشرعية بكل أمانة وإخلاص تحسب للقائمين على هذا العمل الجليل وعيل هذا الصرح الرائع . ولا ينسي القائمون على مشيخة الأزهر الشريف بالرعاية والتبرعات المرضى ودور الأيتام والملاجئ وكذلك جميع أبواب الخير خاصة مستشفيات علاج الأورام والسرطان من خلال هذه الأموال التي توزع بكل عناية ومصداقية وحب للعمل الخيري .
دور متطور
وقد حرصت الدولة المصرية على تطوير باحات الأزهر ودعمه بكل قوة وكذلك ترميمه عبر برامج وخطط مختلفة وكذلك ترميم أعمدته التي تبقى شاهدة على عظمته وشهدت وتشهد تخريج دعاة الدين من شيوخ ورواد وقامات العلماء الذين تركوا بصمات واضحة وإرثا ثقافيا ودينيا ودعويا زاخرا خلال مسيرتهم في شرح صحيح الدين وتنقيته من الدسائس . كما يحرص شيوخ الأزهر على غرس القيم النبيلة سواء بين رواد المسجد والجامع أو بين الطلاب وتعليم كذلك الثقافة السمحة وتلقينها من خلال الكتب المصدرة من الأزهر الشريف التي يتبارى الجميع خاصة طلاب العلم في الأزهر وجامعات العالم على شرائها لإتقانها ودراستها واستيضاح بها قيم الإسلام الفريدة في ظل متغيرات العصر والتي تدحر الثقافات المغلوطة حول الدين والتأكيد على سماحته ووسطية الإسلام ودعوته للسلام ونبذ فكر وثقافات العنف والإرهاب الأسود سواء داخل العالمين العربي والإسلامي أو في أي مكان على وجه الأرض .
ـــــــــــــــــــــــ
تطور الإنشاد الديني في العصر الحديث ووصوله للأوبرات العالمية
الإنشاد الديني فن غنائي يختص بموضوعات قيمة وقصص ثرية وقصائد شعرية وأهازيج مطربة وأيضا مدح نبوي عال المستوى ويتضمن ذكر الله بالحمد والتهليل والتسبيح وحكايات التراث والسنن وأبطال العرب. وقد انطلق الإنشاد منذ أيام النبي محمد حيث كان مر النبي الكريم بنسوة كن يمدحنه واستمر الإنشاد والمدح النبوي حيث نجد كثيرا من أحباب الله ورسوله ينشدون ويمتدحون النبي . وللإنشاد الديني حكاية تؤكدها كتب التراث بأن بدايته كانت مع بداية الأذان حيث كان بلال يجود كل يوم خمس مرات مع الآذان للصلاة ويرتلها بصوت جميل فجاءت فكرة الأصوات التي تغني بالأشعار الإسلامية ثم تطور الأمر على أيدي المؤذنين والشيوخ في بلاد الشام ومصر والعراق وغيرها من البلدان وأصبح له قوالب وطرق مختلفة ومبتكرة. وتؤكد كتب التراث والسيرة أن بداية الإنشاد كانت على أيدي الصحابة في عهد الرسول محمد ثم التابعين وكانت قصائد حسان بن ثابت شاعر الرسول الأساس ثم تغنى المنشدون بقصائد الشعراء الذين كتبوا في موضوعات متنوعة منها الدعوة إلى عبادة الله والتوحيد والتمسك بالقيم وأداء الفرائض والتوبة لله والاستغفار .
تطور تاريخي
شهد الإنشاد الديني تطورا كبيرا منذ ظهوره وصبغ بصبغ عديدة مع مرور الفترات الزمنية المتعاقبة ولمع منشدون كبار وقامات دينية ضخمة لها وزنها في إلقائه خاصة في عهد الأمويين ودولتهم حيث كان الإنشاد فنا له أصول وضوابط وقوالب وإيقاع سحري معين . واشتهر أيام الدولة الأموية كثير من المنشدين كإبراهيم بن المهدي وأخته علية وأبو عيسى صالح وعبد الله بن موسى الهادي والمعتز وابنه عبد الله وعبد الله بن محمد الأمين وأبو عيسى بن المتوكل وعبد الملك بن مروان . وكان عبد الملك بن مروان في دمشق يشجع الموسيقيين ورجال الفن وكذلك كان الخليفة الواثق الذي كان يغني له إسحاق وإبراهيم الموصلي وهما من أشهر الموسيقيين في العصر الأموي وعبد الرحمن بن الحكم الذي ذاع في عهده صيت الفتى رزياب وهو تلميذ إسحق الموصلي وغيرهم كثيرون ممن اشتهروا بغناء وتلحين القصائد الدينية والأناشيد والتواشيح . واشتهر المنشدون بشكل مميز في حلب على وجه الخصوص بذكر الله وترديد الحكايات والقصائد والسير العطرة للنبي الكريم والصحابة وسائر الرسل .
كما تطور فن الإنشاد الديني أيام الدولة الفاطمية للاهتمام بالاحتفالات المجتمعية فالفاطميون هم أول من أقاموا الاحتفال برأس السنة الهجرية وبليلة المولد النبوي الشريف وليلة أول رجب وليلة الإسراء والمعراج وليلة أول شعبان ونصفه وغرة رمضان ويوم الفطر ويوم النحر . وهم الذين قاموا بالاحتفال بمولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومولد ولديه الحسن والحسين والسيدة زينب ويوم النيروز ويوم الغطاس وخميس العهد مشاركة للنصارى في شعورهم الديني. وكانت الأناشيد الدينية عصب هذه الاحتفالات مما دفع المنشدين لتطويرها بشكل ملفت.
العصر الحديث
أما في العصر الحديث فظهرت ألوان شتي من تراتيل الإنشادات الدينية والتواشيح التي صبغت بألوان الحكايات والقصص القرآنية وسيرة الأنبياء والصحابة الكبار وصولا إلى صور من التواشيح التي اتشحت بها الانشادات الدينية في العصور المختلفة. وفي بدايات القرن العشرين أصبح للإنشاد الديني أهمية كبرى في تسيير دفة اليقين بالله والتوبة النصوح والعودة للمولى عز وجل من جديد بالاستغفار الممزوج بالتراتيل الغنائية والشعرية حيث تصدى لهذا اللون من الغناء كبار المشايخ والمنشدين الذين كانوا يحيون الليالي الرمضانية والمناسبات الدينية ليغترف محبو هذا الفن من قيثارته . وتطورت قوالب هذا الفن فأصبحت لها أشكال متعددة وأسماء كثيرة تمجد الدين الحنيف وتدعو لوحدة المسلمين وتشجب الرذيلة وتدعو إلى الفضيلة وتمدح رسول الله محمد .
فأصبح الإنشاد الديني ينافس قنوات الأغاني وهناك فرق للإنشاد الديني وهناك العديد من المنشدين استطاعوا أن يحفروا أسماءهم في سماء الفن أمثال الشيخ مشاري العفاسي وأبي الجود وأبي راتب وإبراهيم السعيد وأحمد الهاجري وعادل الكندري وأبو عبد الملك وأبو علي ومحمد الحسيان وسمير البشيري ويحيى حوى ومحمد العزاوي ومصطفى العزاوي وأسامة الصافي وأيمن الحلاق وأيمن رمضان وعبد الفتاح عوينات وعماد رامي وغيرهم كثير كما أن أصبحت كليبات الإنشاد الديني تستحوذ على أكبر نسبة مشاهدة للفضائيات بالوطن العربي. إن في هذا العصر الحديث تم تصنيف طبقات الصوت للمنشدين وأصبح كل من المنشد والشاعر ملم بتلك الطبقات مما عاد على النشيد أثناء إلقائه بالفائدة وجذب الجمهور.
أشكال الإنشاد
تعددت صور وأشكال وأهداف الإنشاد الديني مع مرور الحقب الزمنية المختلفة وامتزجت بالقصص والتواشيح والتراتيل وأحيانا الموروثات الشعبية وسير الأنبياء والسالفين بجانب سرد حكايات الأبطال العرب الغابرة . وكان يتخلل الإنشاد الديني كثير من الحوارات الغنائية بين المنشد الأصلي وبين مجموعة المنشدين من خلفه وكان المنشد يتوسط الحلقة ويلتف من حوله مجموعة السنيدة. وكان المنشد يختار مقطعًا يجعله محورًا تدور حولها كل الردود من السنيدة فيرددونها وراءه ثم يعودون إليها . وتكون البداية بالوصلة الأولى التي يختار لها الشيخ المنشد مقاما موسيقيا معينًا مثل الراست أو البياتي أو الحجاز ثم يبدأ المنشد الوصلة بإبراز مواهبه في الأداء وبراعته في التنقل بين المقام الأصلي ومشتقاته وقدرته على إبراز الحليات والزخارف اللحنية ثم يقوم المنشدون بعد ذلك بترديد المقطع أو الجملة المحورية التي بدأ بها القصيدة.
ثم تأتي الوصلة الثانية وما يليها فيختار لها مقامًا موسيقيًّا آخر حتى ينوع المقامات وحتى لا يمل السامعون ويفعل ما فعله في الوصلة الأولى. وكان الإنشاد الديني في هذه الفترة يُغنَّى بدون مصاحبة آلية اللهم إلا في استخدام نقر المسبحة على كوب من الماء ليحدث رنينًا جذابًا. ثم تطور بعد فترة وجيزة ليصبح فنا له أصوله وأشكاله فيبدو يعتمد على الجمل اللحنية المبتكرة وكذلك استخدام اللزمات والإيقاعات التي تناسب القصيدة. وتكونت الفرق الموسيقية المصاحبة وكانت تسمى بالتخت أو بالخماسي الموسيقي والذي يعتمد العود والقانون والناي والكمان والإيقاع وكان المنشد يتوسط المنصة وحوله بشكل دائري الموسيقيين وخلفهم المنشدين .
واستحدث بعد ذلك لون هو وليد تجربة القصائد والأناشيد هو الدعاء الديني وكان الدعاء الديني يغنى بالفصحى أو بالعامية ولا يزيد عن خمس دقائق ليكون جرعة روحية مكثفة . حتى ظهر لون جديد يسمى بالغناء الديني الشعبي وهو فن يعتمد على دراما القصة في شكل غنائي يشبه الملحمة يحكي فيها المنشد قصص الأبطال التاريخيين أو يمدح رسول الله ويروي سيرته. ومن أبرز من أدى هذا اللون الدرامي من المشايخ الشيخ محمد عبد الهادي وكذلك الشيخ عبد الرحيم دويدار والشيخة هنيَّات شعبان والشيخة سعيدة .
أما قصائد المديح فاختصت كفن للإنشاد باهتمام كثير من الشيوخ حيث تعتبر العمود الفقري للإنشاد وشهدت تطورا كبيرا حتى أصبحت فنا له أصوله وضوابطه وقوالبه وإيقاعاته. وأول ظهور للإنشاد الديني بصورة قصائد المديح كان في مصر القديمة بعهد الفراعنة مصاحبا للطقوس والشعائر والصلوات داخل المعابد ويعد الغناء من الأركان الأساسية للاحتفال الشعبي في الموالد وتتفاوت شعبية المنشدين الصبية الذين يشاركون بالغناء في الموالد ومنه ما يعرف بالإنشاد عن المدائح النبوية والابتهالات الدينية والتسبيح وارتبط بفئة من المؤدين الذين اشتهروا باسم منشدي السلطان ومن أهم موضوعات الغناء الشعبي في الموالد معجزات النبي والأولياء.
أشهر المنشدين
برز العديد من المنشدين في القرن العشرين ففي مصر برز الشيخ طه الفشني والشيخ النقشبندي وحاليا الشيخ أحمد عبد الفتاح الأطروني موسيقار الإنشاد الديني أما في سوريا فيعتبر المنشد الراحل توفيق المنجد أهم من ظهر في هذا المجال وهو من منشدي دمشق مع وجود أسماء كبيرة مثل المنشد فؤاد الخنطوماني والمنشد صبري مدلل في حلب وكذلك المنشد منذر السرميني أبو الجود والمنشد محمد أبو راتب وغيرهم. ومن الأسماء الأخرى في دمشق برز حمزة شكور الذي انضمت فرقته إلى رابطة المنشدين بدمشق التي أسسها توفيق المنجد. والمنشد موفق أحمد أبو شعر الحسيني وجاء من بعده أبنائه الستة الذين يعرفون بفرقة الإخوة أبو شعر ومن العراق الشيخ المرحوم حمزة الزغير والمرحوم ياسين الرميثي والمرحوم عبد الرضا الرادود وجاسم الطويرجاوي ومهدي الأموي وعزيز الكلكاوي وباسم الكر بلائي وجليل وأبو بشير النجفي وغيرهم المئات من العراقيين والعرب وفي العالم الإسلامي.
عالمية الإنشاد
في شهر رمضان المبارك تتردد هذه أناشيد دينية شهيرة للشيخ سيد النقشبندي في أفئدة المتلهفين المقبلين على العبادة خلال شهر الرحمة والمغفرة وتتردد معها العديد من الأناشيد والأشعار التي ترتبط بالمناسبات الدينية مثل بردة البوصيري الشهيرة في مدح الرسول ونهج البردة لأمير الشعراء أحمد شوقي.
وحرصت دور الأوبرا العربية على تقديم ذلك النوع فأقامت حفلات للمنشدين العالميين لتغير من الصورة الذهنية التي يتصورها البعض بأن الموسيقى والغناء تدور حول الترفيه فقط بينما واقع الأمر أنها تحلّق بالمستمعين في عالم من الروحانيات فالإنشاد الديني يحافظ على هويتنا الإسلامية ويصل بها إلى كل الثقافات كما أنه هو الحصن الأخير للحفاظ على العديد من التراث الموسيقي الشرقي والعديد من الآلات الشرقية التي أصبحت تعاني الإهمال.
يقول الملحن الإماراتي الكبير إبراهيم جمعة أن الإنشاد الديني وتاريخه طويل يمتد لصدر الإسلام حين هاجر الرسول إلى المدينة حيث خرج أهلها يستقبلونه بالأناشيد والدفوف بنشيد (طلع البدر علينا) . ويضيف لقد ارتبط الإنشاد الديني في الأذهان باستخدام آلة الدف ويطلق عليها في الخليج (التار) أما في الإمارات فتسمى (سماع). كما أن للإنشاد مقامات ويخاطب العقل والروح ويغذي الشعور الإيماني والحس الروحاني. وعن المقامات الموسيقية المستخدمة يقول جمعة هناك مقامات درج استخدامها في الإنشاد مثل الحجاز والبياتي الحسيني والنهاوند والكورد وبشكل عام فإنه من الفنون الراقية التي تقدم المعاني السامية والكلمات التي تهذب النفس وتشبع الروح وتقديم هذا النوع على خشب مسارح دور الأوبرا أمر مطلوب ليحمل التراث العربي والإسلامي إلى العالمية.