الـصـوم وأثـره في النفـس (24)الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد: فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، وقـوله تعالى:)هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ(، ومـا دام هـن لـباس لـكـم وأنـتم لـباس لهـن، فـيكـون مـن رحـمـة الله في الـتشـريـع للإنـسان، وقـد ضـم الـرجـل والـمـرأة لـباس واحـد، وبـعـد ذلك نطـلـب منهـما أن يـمتـنـعـا عـن الـتـواصـل.والله تعالى يــريــد أن يـعـلـمـنـا: أن الـمـرأة لـباس سـاتـر للـرجـل، والـرجـل لـباس سـاتـر للـمـرأة، ويـريــد الله أن يـظـل هــذا اللـبـاس سـتـراً وحـصـناً حـصـيـناً يحــصـن كـلا مـنـهـما، ويـفـضـح شـيئاً مـن الـزوجـين عـنـد الآخـريـن، ولـذلك جـاء أمـر رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم) يحــذرنا أن يـحـدث بـين الـرجـل وأهـلـه شـيء باللـيـل، ويأتـي أحــدهـما يـتحـدث مـا وقـع بـينهـما، ويفـشي كـل مـنهـما ســر وسـتـر الآخـر، والـبـيـوت عـادة ما تـبنى عـلى الـسـتر.إذن: فـقـول الله تعالى:(تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ) كان مسـألـة حـتـمـية طـبـيعـية، ولـذلك قال الله تعالى بـعـدهـا:(فَتَابَ عَلَيْكُمْ)، ومـعـنى:(تاب عـلـيـكـم)، هـو إخـبار مـن الله تعالى بأنـه تاب، وحـين يخـبر الله بأنه تاب، أي شـرع لـهـم الـتـوبة، والـتـوبـة كـما نـعـرف تأتي عـلى ثـلاث مـراحـل: يـشـرع الله الـتـوبـة أولاً، ثـم تـتـوب أنـت الـمـرتـكـب للـمـعـصـية ثـانياً، ثـم يـقـبـل الله الـتـوبـة لـمـن تاب ثـالـثاً، وقـوله:(وَعَفَا عَنكُمْ) لأنـه مـا جـعـل الله هــذه العـمـلـية إلا لـحـكـمـة يـعـلـمهـا هـو، وان تظـهـر لـنا حـكـمة ذلك، وهـنا الله يـبـرز سـمـو الـتشـريـع الإلهـي الحـكـيم الـعـلـيم في التخـفـيف، فـيـكـون الـقـصـد أن تـقـع هـنـا وأن يـكـون الـعـفـو مـنـه سـبحـانه وتـفـضلاً وتـكـرماً.ويـقـول الله تعالى:(فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ)، فـلـم يشـأ الله أن يـتـرك الـمـباشـرة عـلى عـنانهـا، فـقال: أنـت في الـمـبـاشـرة لا بــد أن تـتـذكـر ما كـتـبه الله لـك، وما كـتبه الله لـك هــو الإ عـفـاف بـهـذا اللـقـاء الـنـظـيـف ، اللـقـاء الــذي يـحـبه الله أن تجـري الأمـور عـلى حـسب ما شـرع.وقـد شـرع الله ذلك اللـقـاء بـين الـزوجـين، لـيـكـون الانجـاب والـتـناسـل والـتكـاثــر، فالـمـرأة تقـصد إعـفـاف الـرجـل حـتى لا تـمـتـد عـينـه إلى امـرأة أخـرى وينـتهـك محـارم الـناس، وهـو يـقـصـد أيـضا بـهــذه الـمـلـية أن يـعـفـهـا حـتى لا تـنـظـر إلى رجـل غـيره، والله يـريــد أن تنـشـأ الأسـرة الـمسـلمة عـلى الـطـهـر، وينـشأ الـطـفـل في حـضـن الخـلية الأولى الـنـظـيفـة مـن هــذا اللـقـاء الـمـقـدس، ويـنـشأ عـلى أرض صـلـبة مـن الـطـهـر والــنـقـاء والاطـمـئـنـان.وحتى لا يتشـكـك الـرجـل في أولاده، والله يــريــد طـهـارة الإنـسان، فـكل نـسـل يجب أن يـكـون محسـوباً عـلى مـن اسـتـمـتـع وهـو مـطـمـئـن بالـطـريـق الـمشـروع، وبـعــد الاسـتـمـتاع عـلـيـه أن يـتـحـمـل الـتـبـعـيـة الـي تـحـصـل لـذلك الاسـتـمـتـاع، فـلا يـصـح لـمـسـلـم أن يـسـتـمـتـع ويتحـمـل غــيره تـبـعـيـة ذلك الاسـتـمـتاع، فالمـسلـم يـأخـذ كل أمـر بـحـقـه وتـبعـيـته.وقـوله تعـالى:(فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ)، أي ما كـتـب الله لـكـم مـن أن الـزواج للإ عـفـاف والانـجـاب ، وفي ذلك طـهـارة لـكل أفـراد الـمجـتـمـع، ولـذلك قال (صلى الله عـلـيه وســلـم) في الـحـديـث الـنـبـوي الـشـريف:(وفي بضـع أحـدكـم صـدقـة، قالـوا: يا رسـول الله، أيـأتي أحـدنا شــهـوته ويـكـون فـيهـا أجـر؟، قال: أريـتـم لـو وضـعـها في حــرام أكـان عـلـيه وزر؟، فـكــذلك إذا وضـعـها في حــلال كان له أجــراً؟) أخـرجـه الإمـام مـسلم.ويـتـابـع الله تعالى الـمـوضـوع فـقال:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (الـبـقـرة ـ 187)، أي: كلـوا واشـربـوا إلى أن يـتضـح لـكـم الـفـجـر الـصـادق، وكان هـناك عـلى عـهـد رسـول الله (صلى الله عـلـيه وســلـم) أذانـان للـفـجـر، فـكان بـلال يـؤذن بـلـيـل، أي: مـا زال اللـيـل مسـتـمـراً قـبـل أن يـطـلـع الـفـجـر الـصـادق، وكان عـبـد الله بن أم مـكـتـوم يـؤذن في اللـحـظـة ألأولـى مـن الـفـجـر.ولـذلك قال رسـول الله (صلى الله عـلـيه وســلـم):(إذا سـمـعـتـم أذان أم ابن مـكـتـوم فأمـسـكـواً) ـ متـفـق عـلـيه ، لـكـن أحـد الـصحابـة وهـو عــدي بن حـاتـم الـطائي، قال: أنا جـعـلـت بجـواري خـيـطاً أبـيض وخـيـطاً أســود، وأظــل أنـظــر إلى الـخـيـطـيـن وآكل حـتى أتـبـين الـخـيـط الأبـيـض مـن الـخـيـط الأســود، فـقال له الـرسـول:(إنـك لـعـريض الـقـفـا)، يـعـني:(قـلـيـل الـفـطـنة)، أي لا زلـت يا عــدي عـلى الـبـساطـة وحـسـن الـنـيـة، والـمـراد هـنـا بـيـاض الـنـهـار وسـواد اللـيـل.ويـتابـع الله الـمـوضـوع فـقـال:(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) (الـبـقـرة ـ 187)، لـقـد كانـوا يـفـهـمـون أن الـمـباشـرة في للـيـل حسـب ما شـرع الله تعالى لا تـفـسـد الـصـوم، ولـكـن كان لا بـــد مـن وضـع آداب للـسـلـوك داخـل الـمـسـجـد أو لآداب سـنـة الاعـتـكاف التي سـنـها رسـول الله (صلى الله عـلـيه وســلـم) في الـعـشـر الأواخـر مـن رمضـان لـهــذا أوضـح الله تعالى أن حـلال الـمـباشـرة بـين الـرجـل وزوجـتـه هـو لـغــير الـمـعــتكـف وفي غــير رمضان، أمـا الـمـعـتـكـف في الـمسـجـد فــذلك الأمـر لا يـحـل له.ومـعـنى الاعـتـكـاف: هـو أن تحـصـر حـركـتـك في زمـن مـا عـلى زمـن ما في مـكان مـا، يـقـولـون (فـلان مـعـتـكـف هــذه الأيـام) أي حـبـس نـفـسه وحـركـته في زمـن مـا في مـكان مـا، ولـيـس مـعـنى الاعـتـكاف مـقـصـور عـلى الـعـشـر الأواخــر مـن رمـضا فـقـط، ولكـن للـمسـلم أن يعـتـكـف في بـيت الله في أي وقـت ابـتغـاء مـرضاة الله... وللحـديث بـقـية.ناصر الزيدي