آمنة بنت وهب (رضي الله عنها) سيدة الأمهاتنتحدث معك ـ عزيزي القارئ ـ اليوم مع هذه الشخصية العظيمة والأم الجليلة لطالما نقصت المصادر والراويات عنها، ويمكن تلمس ملامحها من خلال صورة ابنها العظيم الذي آوته أحشاؤها، وغذاه دمها، واتصلت حياته بحياتها، لقد كان سيدنا محمد هو الأثر الجليل الذي خلفته السيدة (آمنة بنت وهب)، وأن الله تعالى اختار سيدنا محمد حيث اختاره من كنانة، واختار كنانة من قريش من العرب، فهو خيار من خيار، وما كان لها من أثر في تكوين ولدها الخالد الذي قال معتزا بأمهاته بالجاهلية:(أنا ابن العواتق من سليم).عانت المرأة في الجاهلية، من صنوف الاستعباد والاستبداد، ومن وأد البنات وانتقال المرأة بالميراث من الآباء إلى زوجات الأبناء .. وغيرها إلا أننا غافلون عن أمومة آمنة بنت وهب، وعن فضلها في إنجاب خاتم النبيين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فمن الملوك العرب، من انتسبوا إلى أمهاتهم: كعمرو بن هند، وأبوه هو المنذر بن ماء السماء .. وهناك كثير من الشعراء يمدحون كبار الرجال بأمهاتهم، وكذلك لم ينسوا أن يذكروا للمرأة مشاركتها في جليل الأحداث.ولو تحدثنا عن بيئة آمنة ونشأتها فقال: تفتحت عينا الفتاة والأم الجليلة آمنة بنت وهب في البيت العتيق في مكة المكرمة، في المكان الذي يسعى إليه الناس من كل فج، ملبية نداء إبراهيم (الخليل) ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الناس بالحج، وفي ذلك المكان الطاهر المقدس وضعت السيدة (آمنة بنت وهب) سيد الخلق (محمداً) في دار (عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم)، وبيئة آبائه وأجداده، ودار مبعثه (صلى الله عليه وسلم).وتندرج آمنة بنت وهب من أسرة (آل زهرة) ذات الشأن العظيم، فقد كان أبوها وهب بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي سيد بني زهرة شرفاً وحسباً، ولم يكن نسب (آمنة) من جهة أمها، دون ذلك عراقة وأصالة فهي ابنة برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب .. فتجمع في نسب (آمنة) عز بني عبد مناف حسب وأصالة، ويؤكد هذه العراقة والأصالة بالنسب اعتزاز الرسول (صلى الله عليه وسلم) بنسبه حيث قال:(.. لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما)، ويقول أيضاً:(أنا أنفسكم نسباً وصهراً وحسباً).وقد كان سيدتنا الجليلة (آمنة) وصباها في أعز بيئة، وما لها من مكانة مرموقة من حيث الأصالة النسب والحسب، والمجد السامية، فكانت تعرف بـ (زهرة قريش) فهي بنت بني زهرة نسباً وشرفاً، فكانت محشومة ومخبأة من عيون البشر، حتى إن الرواة كانوا لا يعرفون ملامحها، وقيل فيها: إنها عندما خُطبت لعبدالله بن عبدالمطلب كانت حينها أفضل فتاة في قريش نسباً وموضعاً، وكانت بشذاها العطرة تنبثق من دور بني زهرة، ولكنه ينتشر في أرجاء مكة، وقد عرفت (آمنة) في طفولتها وحداثتها ابن العم (عبد الله بن عبد المطلب) حيث إنه كان من أبناء أشرف أسر قُرشي، حيث يعتبر البيت الهاشمي أقرب هذه الأسر إلى آل زهرة لما لها من أواصر الود والعلاقة الحميمة التي تجمعهم بهم، عرفته قبل أن ينضج صباها، وتلاقت معه في طفولتها البريئة على روابي مكة وبين ربوعها، وفي ساحة الحرم، وفي مجامع القبائل، ولكنها حجبت منه لأنها ظهرت فيها بواكر النضج، هذا جعل فتيان من أهل مكة يتسارعون إلى باب بني زهرة من أجل طلب الزواج منها.لقد جاء (وهب) والد السيد آمنة ليخبر ابنته عن طلب (عبد المطلب) بتزويج (آمنة) بابنه (عبدالله) فغمر الخبر مفرح نفس (آمنة)، وبدأت سيدات آل زهرة تتوافد الواحدة تلو الأخرى لتبارك لـ (آمنة)، وكذلك قيل بأن الفتيات كن يعترضن طريق (عبدالله) لأنه اشتهر بالوسامة، فكان أجمل الشباب وأكثرهم سحراً، حتى إن أكثر من واحدة خطبته لنفسها مباشرة، وأطالت (آمنة) التفكير في فتاها الذي لم يكد يفتدى من الذبح حتى هرع إليها طالبا يدها، زاهداً في كل أنثى سواها، غير مهتم إلى ما سمع من دواعي الإغراء! واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام، ولكن عيناها ملأتها الدموع لأنها سوف تفارق البيت الذي ترعرعت فيها، وأدرك (عبدالله) بما تشعر به، وقادها إلى رحبة الدار الواسعة، وذكر بأن البيت لم يكن كبيراً ضخم البناء، لكنه مريح لعروسين ليبدآ حياتهما، وبعد زواج (عبدالله) من (آمنة) أعرضن عنه كثير من النساء اللاتي كن يخطبنه علانية، فكانت (بنت نوفل بن أسد) من بين النساء اللاتي عرضن عن (عبدالله)، وبقي (عبدالله) مع عروسه أياماً، وقيل إن المدة لم تتجاوز عشرة أيام لأنه يجب عليه أن يلحق بالقافلة التجارية المسافرة إلى غزة والشام، وقد انطلق (عبدالله) بسرعة قبل أن يتراجع عن قراره، ويستسلم لعواطفه، ومرت الأيام و(آمنة) تشعر بلوعة الفراق ولهفة والحنين إلى رؤيته، حتى إنها فضلت العزلة والاستسلام لذكرياتها مع (عبدالله) بدلاً من أن تكون مع أهلها، وجاء الخبر المفزع من (الحارث بن عبد المطلب) ليخبر الجميع بأن (عبدالله) قد مات، أفزع هذا الخبر آمنة، فنهلت عيناها بالدموع وبكت بكاء مرا على زوجها الغائب، وحزن أهلها حزناً شديداً على فتى قريش عبدالله، وانهلت بالنواح عليه وبكت مكة على الشجاع القوي .وطال بها التفكير بزوجها الغالي عليها، حتى إنها توصلت للسر العظيم الذي يختفي وراء هذا الجنين اليتيم، فكانت تعلل السبب فتقول أن (عبدالله) لم يفتد من الذبح عبثاً! لقد أمهله الله حتى يودعني هذا الجنين الذي تحسه يتقلب في أحشائها، والذي من أجله يجب عليها أن تعيش، وبذلك أنزل الله عز وجل الطمأنينة والسكينة في نفس (آمنة)، وأخذت تفكر بالجنين الذي وهبها الله عز وجل لحكمة بديعة، (ألم يجدك يتيماً فآوى) (الضحى ـ 6)، فوجدت (آمنة) في هذا الجنين مواساة لها عن وفاة زوجها، ووجدت فيه من يخفف عنها أحزانها العميقة، فرح أهل مكة بخبر حمل (آمنة) وانهلوا عليها من البشائر لتهنئة (آمنة) بالخبر السعيد، وتتكرر الرؤى عند (آمنة) وسمعت كأن أحد يقولها:(أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم تسميه محمداً( وجاءها المخاض فكانت وحيدة ليس معها أحد ولكنها شعرت بنور يغمرها من كل جانب، وخيل لها أن (مريم ابنة عمران)، و(آسية امرأة فرعون)، و(هاجر أم إسماعيل) كلهن بجنبها، فأحست بالنور الذي انبثق منها، ومن ثم وضعت وليدها كما تضع كل أنثى من البشر، وهنا اكتملت فرحة (آمنة) فوليدها بجوارها، ولم تعد تشعر بالوحدة التي كانت تشعر بها من قبل، وفرح الناس وفرح الجد (عبد المطلب) بحفيده، وشكر الرب على نعمته العظيمة، وسمّاه (محمداً)، وسبب تسميته (محمداً) هو أنه يريده أن يكون محموداً في الأرض وفي السماء، ومن ثم توالى القوم ليسموا أبناءهم بهذا الاسم.وعن وفاة السيدة آمنة بنت وهب (رضي الله عنها) يذكر أن هذه السيدة الجليلة تعبت وشعرت بأن أجلها قد حان فكانت تهمس بأنها سوف تموت، ولكنها تركت غلاماً طاهراً، ثم أخذها الموت من بين ذراعي ولدها الصغير وفارقت هذه الدنيا، وانهلت أعين الطفل بالبكاء بين ذراعي أمه، فهو بعد لا يدرك معنى الموت، فأخذته (أم أيمن) فضمته المسكينة إلى صدرها وأخذ تحاول أن تفهمه معنى الموت حتى يفهمه. وعاد اليتم الصغير إلى مكة حاملاً في قلبه الصغير الحزن والألم، ورأى بعينيه مشهد موت أعز الناس وأقربهم إلى قلبه أمه (آمنة) التي يصعب عليه فراقها. أم سارة المحاربية