الصيام مدرسة يتربى فيها الإنسان على أساليب قويمة ويتعلم منها أموراً كثيرة ويجني منها فوائد جليلة تعينه في حياته
في رمضان تشرق النفسُ على العطاء والحب والنقاء، تستشعر حلاوة القرب فنسعى لتحقيق صفاء ونقاء تشتاق إليه لتنعم في ظلاله.والصفاء النفسي درجة من درجات الإيمان، ونعمة من نعم الله يمن بها على عبده المحب المؤمن إذ يشعر بأن هناك نورًا يسري في كِيانه يُهذِّبُه ويصقله ويوجهه إلى كل ما هو خير وفاضل وكريم.
يأتي شهر رمضان بعد طول غياب ويفد بعد فراق، نبشركم كما كان المصطفى (صلى الله عليه وسلّم) يبشر أصحابه فيقول:(قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ)، كيف لا يبشر المؤمن بشهر يفتح الله فيه أبواب الجنة؟ كيف لا يبشر المذنب بشهر يغلق الله فيه أبواب النار؟ كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل الله فيه الشياطين؟ شهر لا تُحصى فضائله ولا يُحاط بفوائده.
أخي الصائم .. نستكمل معك ما تبقى من هذا اللقاء عن فضائل وكرامات هذا الشهر المبارك مع الدكتور/ سعيد بن راشد الصوافي أستاذ علوم القرآن والقراءات بقسم العلوم الإسلامية كلية التربية جامعة السلطان قابوس.

مبدأ التعاون والتكافل:
وقال حول مدرسة الصيام وتعلم المسلم فيها مبدأ التعاون والتكافل بين المسلمين وكيف يجعل المسلم الصوم يحس بإخوانه الفقراء والمساكين: إن مدرسة الصيام من أنجح المدارس في تعلم مبدأ التعاون والتكافل بين المسلمين إذ تجعل المسلم يعيش الواقع ذاته الذي يعيشه أخوه المسلم، فيصومون سوياً، ويجوعون سوياً ويفطرون سوياً، ويُصلون التراويح سوياً، مما يجعل المسلم يُحس بأحاسيس إخوانه المسلمين، ويُسارع في مساعدتهم وعونهم والإحسان إليهم.
للصيام فوائد عظيمة:
وعن فوائد الصيام في حياة المسلم قال الدكتور سعيد الصوافي: الصيام مدرسة يتربى فيها الإنسان على أساليب قويمة ويتعلم منها أموراً كثيرة، ويجني منها فوائد جليلة، تعينه في حياته، وقد حدد الله سبحانه في كتابه الكريم الفائدة العظمى من الصيام في قوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 183)، فالتقوى أمر جامع لكل خير فهي الوقاية للإنسان عن الميل عن منهج الله سبحانه وتعالى. وهناك فوائد متنوعة يكتسبها الإنسان من مدرسة الصيام، منها: تعويد النفس وترويضها على عبادة الله سبحانه وتعالى، والتقرب إليه بصنوف الطاعات تهذيب النفس وتقويمها والسير بها على منهج الله القويم، والتعود على الصبر على المشاق في هذه الحياة، والشعور بما يعانيه الفقراء والمعوزين عندما يشعر الصائم بالجوع والحاجة إلى الطعام، والمحافظة على صحة الجسد بعملية التوازن الغذائي.
يشعر بالراحة والطمأنينة:
وحول كيفية تطبيق المسلم في حياته وتعلمه شد الهمة وتقوية الإرادة في العبادة خلال هذا الشهر قال: كما قلت رمضان مدرسة تربوية تعليمية كبرى يتعلم منها الإنسان فنون الحياة المختلفة، ومن ذلك أن الإنسان عندما يتعايش مع خصوصية هذا الشهر الفضيل بما يقوم به من أساليب إيجابية تجعله يشعر بالراحة والطمأنينة في حياته لأنه قريب من الله تعالى، مما يقوي همته ويزيد من عزيمته في الاستمرار في هذا النهج القويم المثالي للحياة.
وفي سؤال حول صيام رمضان وكونه يبعث في نفس المسلم القناعة والزهد قال: الإنسان الذي يُحسن استغلال موسم شهر رمضان المبارك، يشعر بأن الحياة الدنيا زهيدة، ما هي إلا لحظات يقضي فيها الإنسان حياة بسيطة بمشاقها ومتاعبها وأعبائها، وأن الحياة السعيدة الخالدة هي عندالله سبحانه وتعالى، وعليه أن يُقدم ما يُرضي الله سبحانه وتعالى وينعم بما أعده الله لعباده المتقين الذين ساروا على منهجه في جميع شؤون حياتهم.
تقاصر الهمم:
وقال عن ظاهرة انقطاع بعض الناس بعد العشر الاوائل في شهر الصيام عن المساجد رغم محافظتهم في بدايته .. والنصيحة التي يوجهها لهم: هذه الظاهرة نعم موجودة فعلاً فنجد إقبال الناس على المساجد في بداية الشهر الفضل، ثم تبدأ عزائم الناس تتقاصر وهممهم تتناقص، وهذا ناتج عن عدم استشعار أهمية استغلال هذا الموسم الذي ينبغي أن لا يفرط الإنسان في استغلاله، كما أن اهتمام الناس بالماديات والملهيات الكثيرة التي تحدق بهم من كل صوب تجعلهم يغفلون عن مواصلة استغلال نفحات وبركات الشهر الكريم. والنصيحة التي أود أن أقدمها لهؤلاء هي أن يكونوا يقضين حذرين من مغريات الحياة، فالذي يدرك أيام وليلي شهر رمضان فليستغلها أيما استغلال، فإنه لا يعلم هل سيدرك هذا الموسم في قابل الأيام أم لا، كما أن أيام وليالي رمضان المبارك كلها مباركة، ويزيد الفضل في العشر الأواخر من الشهر الكريم، التي فيها ليلة خير من ألف شهر لو أن الإنسان حظي بنفحاتها لنال من الله حظّاً عظيماً وفوزاً كبيراً، ومن حُرم خير هذه الليلة فقد حُرم خيراً كثيراً. فعلى المسلم أن يُصبّر نفسه ويعوّدها على الصبر والمصابرة في طاعة الله، واغتنام فرصة أيام وليالي رمضان كلها، ولا يفوّت شيئاً منها.
وعن دور الصيام في تقوية العزائم وكبح جماح الشهوات قال الدكتور الصوافي: الصيام كما ذكرت سابقاً فيه تزكية لنفس الإنسان، وكبح لجماح الشهوات، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ: مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ, فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)، فالصوم كفيل أن يهذب نفسه ويعصمها من الوقوع في النزوات والرغبات النفسية ويكبح جماحها، ويزكيها ويطهرها من الأدناس.
كلمة أخيرة:
وقال في نهاية اللقاء: كلمة أخيرة أوجهها في نهاية هذا اللقاء، أكرر شكري الجزيل لكم على هذا اللقاء الطيب، أسأل الله أن يثيبكم ويجزيكم خير الجزاء وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتكم، ثم إني أوصي نفسي وإخواني المسلمين في كل مكان أن يكون هذا الشهر الكريم انطلاقة نحو الحياة الإيجابية التي ينبغي أن تسود المجتمعات الإسلامية خاصة والمجتمع الإنساني بشكل عام، داعياً الله سبحانه وتعالى أن يوفق الأمة الإسلامية إلى الوحدة والوئام، وأن يمن عليها بنعمة الرخاء والأمن والأمان، وأن يوفق الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح.

أجرى الحوار ـ مبارك بن عبدالله العامري
كاتب عماني