أستاذ علوم القرآن والقراءات بجامعة السلطان قابوس:ينبغي أن يستشعر المسلم قداسة هذا الشهر الفضيل ومكانته وفضله وما الذي يتطلبه القيام به في رمضان تشرق النفسُ على العطاء والحب والنقاء، تستشعر حلاوة القرب فنسعى لتحقيق صفاء ونقاء تشتاق إليه لتنعم في ظلاله.والصفاء النفسي درجة من درجات الإيمان، ونعمة من نعم الله يمن بها على عبده المحب المؤمن إذ يشعر بأن هناك نورًا يسري في كِيانه يُهذِّبُه ويصقله ويوجهه إلى كل ما هو خير وفاضل وكريم.يأتي شهر رمضان بعد طول غياب ويفد بعد فراق، نبشركم كما كان المصطفى (صلى الله عليه وسلّم) يبشر أصحابه فيقول:(قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ)، كيف لا يبشر المؤمن بشهر يفتح الله فيه أبواب الجنة؟ كيف لا يبشر المذنب بشهر يغلق الله فيه أبواب النار؟ كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل الله فيه الشياطين؟ شهر لا تُحصى فضائله ولا يُحاط بفوائده.وكان لـ (الوطن) هذا اللقاء مع الدكتور/ سعيد بن راشد الصوافي ـ أستاذ علوم القرآن والقراءات بقسم العلوم الإسلامية كلية التربية جامعة السلطان قابوس ليحدثنا عن كرامات ونفحات هذا الشهر العظيم.في بداية اللقاء سألناه عن فضل شهر رمضان فقال: بداية أشكركم جزيل الشكر على هذا اللقاء الطيب المبارك ونحن نتفيأ ظلال الشهر الفضيل الذي يحل ضيفاً عزيزاً على قلوبنا، لننعم بخيراته وبركاته، وإذا أردنا أن نتحدث عن فضل شهر رمضان المبارك لما وسعنا المقام، ولطال الحديث، ولكن حسبنا أن نقف مع شذرات من نفحات هذا الشهر فنقول: إن الله سبحانه وتعالى فضَّل هذا الشهر المبارك واختصه بمزايا عن غيره من الشهور، فليست الميزة عن بقية الشهور ذاتية، ولكنها مكتسبة من أحداث جعلها الله مخصوصة بهذا الشهر، جعلته سيد الشهور وأفضلها ومن ذلك إنزال القرآن الكريم فيه، والقرآن الكريم هو النور والهدى والمنهج والحياة والصراط المستقيم للإنسانية (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة ـ 185)، وهو الشهر الذي اختصه الله بفرض الصيام على الناس، قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة ـ 183)، والصوم ركن من أركان الإسلام الخمسة، وفيه تزكية وطهارة ونقاء للنفس الإنسانية، ومن فضائل هذا الشهر عن بقية الشهور أن جعل الله فيه ليلة خيراً من ألف شهر، هي ليلة القدر التي جعل الله ثواب العمل فيها خير من ثواب عمل ألف شهر (ليلة القدر خير من ألف شهر) (القدر ـ 3) فهي ليلة مباركة لا توجد إلا في هذا الشهر المبارك، ومما اختص الله به هذاالشهر الكريم أنه شهر البركات والحسنات فهي تضاعف أضعافاً مضاعفة، كما أنه شهر التوبة والمغفرة، وهو شهر الصبر والمصابرة على الصيام والقيام والتسابق في أوجه الخير والبر والإحسان، كما أنه يوقظ في نفس الإنسان محاسبة النفس ومراجعة الأخطاء والانطلاق نحو التصحيح والسير وفق منهج الله سبحانه وتعالى. يليق بقداسته ومكانته:وفي سؤال حول كيفية استقبال المسلم شهر رمضان فقال: ينبغي أن يستقبل المسلم شهر رمضان المبارك استقبالاً يليق بقداسته ومكانته، وذلك بأن يستشعر المسلم قداسة هذا الشهر الفضيل ومكانته وفضله وما الذي يتطلبه القيام به تجاه إكرام هذا الضيف العزيز، وقدوتنا في كيفية استقبال الشهر الفضيل سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقد أرشدنا إلى الطريقة المثلى في استقبال الشهر الفضيل، فقد كان (صلى الله عليه وسلم) كما روي عنه أنه:(إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله)، وعلى المسلم أن يستقبل هذا الشهر بالبشر والسرور والفرح، بما يحمله هذا الشهر المبارك للإنسان من خيرات وبركات إن أحسن ضيافته، واستغل أوقاته استغلالاً أمثل.ليس بالطعام والشراب:وقال عن اقبال بعض الناس قبل بداية شهر رمضان بشراء الأطعمة الكثيرة دونما مراعاة لنفحاته والنصيحة التي يجب أن توجه لهم: شهر رمضان شهر مبارك، وضيف عزيز، وإكرامه ليس بالطعام والشراب، ولكن إكرامه بما يتوافق مع طبيعته فهو شهر الفضائل والمكارم والحسنات، وما يقوم به الناس في هذه الأيام من الاستعداد المفرط في توفير أصناف الطعام والشراب من الأمور التي لا تتوافق مع طبيعة الشهر الفضيل، حيث أنه وللأسف الشديد أصبحت هذه الظاهرة من سمات المجتمعات الإسلامية في هذا الزمن، وأصبح الناس يتسابقون ويتزاحمون إلى محلات بيع المواد الغذائية، حتى إنك تكاد تتصور أن مجاعة قادمة وتحتاج منهم إلى ادخار، مع أنه من الأمور المسلم بها والتي ينبغي أن يدركها المسلم أن إكرام شهر رمضان ليس بهذه الطريقة، وإنما بطريقة تتناسب مع طبيعته؛ فالاستعداد له يكون ـ كما قدمنا ـ باستشعار مكانته وقداسته، وتوفير السبل الكفيلة لصيامه وقيامه، مؤكداً بأن الصوم يعالج العديد من الأمراض، وكيف يمكن الإنسان يطبق ذلك في وجبات الإفطار والسحور ليحافظ على صحته في زمن تفشت فيه الأمراض، ويعاني الناس من مستوى تدني الحالة الصحية بسبب الأساليب الغذائية غير الصحيحة، والإسراف في تناول الطعام والشراب فإن شهر رمضان المبارك فرصة لا تعوض في ترويض النفس على تنظيم الأسلوب الغذائي ليكون متوافقاً مع الهدي الإسلامي في الاعتدال في الشراب والطعام، فإن القاعدة الأساس هي قول الله تعالى:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقول المصطفى (صلى الله عليه وسلم):(مَا مَلأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِن بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ)، ولذلك ينبغي على الإنسان في هذا الشهر المبارك أن يهتم بالعبادة والمسارعة إلى الحسنات لا التفنن في أصناف الطعام والشراب والإسراف فيها، ولذا عليه أن يتوسط في تناول الفطور والسحور وما بينهما بما يُشبع حاجة الجسم ويقويه على العبادة والطاعة، لا أن يكون عبئاً عليه بحيث يُصاب بالتخمة والخمول والكسل والمرض. الاستغلال الأمثل:وحول ماذا يفعل من أراد أن يستغل أيام وليالي رمضان المباركة الاستغلال الأمثل قال سعيد الصوافي: إذا أراد الإنسان استغلال أيام رمضان المبارك ولياليه فعليه أولاً أن يعرف خصوصية الشهر الفضيل وما يناسبه من برامج، فيضع لنفسه برنامجاً يتناسب مع طبيعة وخصوصية رمضان المبارك، ويوجه برنامجه لتطوير الذات نحو الأفضل، كأن يُكثر من قراءة القرآن الكريم، والتهجد والعبادة، وصلة الأرحام، والصدقات، والمسارعة إلى الخيرات. موسم يجب اغتنامه:وفي سؤال أن هناك فئة من الصائمين يكون نهارهم نوماً وليلهم سهراً قال: هؤلاء يجب أن يحافظوا على إنسانيتهم، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان لغاية وهدف وهو تحقيق الخلافة في هذه الأرض، وجعل للمسلم مواسم يجب أن يغتنمها، ومن بينها موسم شهر رمضان المبارك، الذي يجب على الإنسان أن يُشمّر عن ساعد الجد في العمل المخلص، وتحقيق الغاية من خلقه لنيل مرضاة الله سبحانه وتعالى، والذي يقضي ليله ونهاره في ضياع الوقت فليدرك أنه مسؤول عن ذلك يوم القيامة، واغتنام الفرص من سجايا المسلم الفطن، فشهر رمضان فرصة لا تعوّض في استغلال أيامه ولياليه في طاعة الله سبحانه وتعالى. .. وللحديث بقية.أجرى الحوار ـ مبارك بن عبدالله العامريكاتب عماني