المفتي العام للسلطنة: عالمنا الجليل كان لمعة مشرقة من نور أبيه الوقاد استوسق له الخير، وسار على نهجه الصحيح
حمد السالمي: الشيخ أبي حميد السالمي كان متعدد المواهب واسع الإطلاع والمعارف والكتابة حوله لم تكن سهلة ميسرة

كتب ـ خميس السلطي: تصوير ـ سعيد البحري:
احتضنت قاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر ببوشر أمس، ندوة احتفائية بالعلامة الشيخ أبي حميد حمد بن عبد الله بن حميد السالمي، تناولت توثيق لمسارات حياته وسيرته وإظهار جهوده العلمية عبر منابر العلم وأروقة القضاء، مع الوقوف على منجزاته الفقهية والشعرية، وتحليل بيانها الفكري والأدبي.
جاءت الندوة الاحتفائية بتنظيم من النادي الثقافي، وبرعاية معالي نصر بن حمود الكندي أمين عام شؤون البلاط السلطاني، بحضور عدد من أصحاب المعالي الوزراء والمشايخ أصحاب الفضيلة، والباحثين والمهتمين بالشأن الفقهي والفكري في السلطنة.
وركزت الندوة على أربعة محاور ، فالأول (النشأة والتكوين ومسارات الحياة) أما المحور الثاني فكان (العلاقات العلمية والاجتماعية) والمحور الثالث (الإنتاج العلمي الفقهي والأدبي) والمحور الرابع (مخطوطات أبي حميد ووثائقه).

لمعة مشرقة من نور أبيه الوقاد
بدأت الندوة بتلاوة عطرة لآيات من الذكر الحكيم، ثم كلمة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة بهذه المناسبة جاء فيها: أحمد الله تعالى على هذه الفرصة الثمينة الطيبة، التي أتيحت لنا من أجل إحياء ذكرى علم من أعلام بلادنا، علم سار على نهج الحق حياة ومماتا، فخلد الله تعالى ذكره، ألا وهو الشيخ الجليل العالم أبو حميد حمد ابن الإمام المجدد، القائد الرباني نور الدين عبدالله بن حميد السالمي رحمهم الله جميعا، ولا ريب أن الاحتفاء بالأعلام مما يجدد في النفوس الأمل الكبير للاقتباس من أنوارهم والسير على خطاهم، وقد جعل الله سبحان وتعالى في تاريخ الماضين عبرة للحاضرين، من أجل الاقتباس من فكرهم والارتواء بمعينهم والسير على خطاهم، فالله سبحانه وتعالى قص علينا ما قص في كتابه العزيز من أنباء الأمم وأخبار النبيين، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، ولا ريب أن عالمنا الجليل إنما كان لمعة مشرقة من نور أبيه الوقاد، ووالده المجدد، نور الدين السالمي رحمه الله تعالى، فلذلك استوسق له الخير، وسار على هذا النهج الصحيح وحرص على الأرتواء من معين العلم الدفاق، كما حرص على السير في النهج القويم الذي سار عليه السلف الصالح ونحن كلنا أمل بأن يسير الخلف على خطى السلف، وأن يستفيد الحاضر من الماضي، وأن يقوم الجيل الجديد على هذه القواعد الأصيلة من هذا الفكر الأصيل والمنهج القويم لتتواصل حلقات الخير بمشيئة الله سبحانه وتعالى وليكون الحاضر البنّاء امتدادا للماضي المشرق والله من وراء القصد ، نسأله سبحانه وتعالى أن يتغمد الشيخ المتحتفى به بواسع رحماته وأن ينعم على خلفه بكل خير.
مزيج ونسيج حضاري
بعد ذلك ألقى المكرم الدكتور حمد بن سليمان السالمي رئيس اللجنة المنظمة للندوة كلمة بالمناسبة، أشار فيها إلى أهمية هذه الندوة وهي تحتفي بعلم من أعلام عمان، حيث زخرت بعلماء أسهموا في شتى مضامير الحضارة العربية والإسلامية، وقد تجلى ذلك في مظاهر عدة منها الحركة الثقافية فكانوا روادا، والفكرية فكانوا فرسانا والدينية فكانوا أئمة، مشيرا السالمي في كلمته أنه يحق لعمان أن تعانق السماء فخرا وتباهي النجوم اعتزازا بعلمائها الأجلاء وقادتها المخلصين وأبنائها الأوفاء الذين سطروا ملحمة متناغمة على مر العصور والأزمان نتج عن ذلك مزيج ونسيج حضاري أصيل وعريق. وأشار بقوله الدكتور حمد بن سليمان السالمي رئيس اللجنة المنظمة، أن الندوة أزاحت الستار عن أحد أبناء عمان الذين نذروا حياتهم للعلم وهو أبي حميد الشيخ العلامة الفقيه حمد بن نور الدين السالمي وتتناول جوانب مهمة من شخصيته العلمية والفكرية والأدبية والفقهية، فقد كان الشيخ متعدد المواهب واسع الإطلاع والمعارف ولذلك لم تكن الكتابة حوله سهلة ميسرة وإنما كانت شاقة صعبة لندرة ما كتب عنه وضياع ما ألف ونظم. مضيفا في سياق حديثه: الباحثون امتطوا صهوة المشقة وتحدوا الصعاب فنقبوا وبحثوا واستنتجوا فسطروا ما عثروا عليه في بحوث قيمة.
نظرات حول منهج الشيخ
ثم قدم المتحدث الرسمي في الندوة الشيخ أفلح بن أحمد بن حمد الخليلي استعراضا مرئيا بعنوان (نظرات حول منهج الشيخ أبي حميد السالمي الفقهي)، مقدما من خلال هذا الاستعراض ثلاثة محور مهمة في حياة الشيخ الفقيه السالمي، فالمحور الأول جاء بعنوان الأدلة والدلالات عند الشيخ السالمي، والتي تمثلت في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، والإجماع والمقاصد وسد الذرائع، إضافة إلى النهي عن الفساد ومقتضاياته. المحور الثاني فكان بعنوان (الواقع وأثره في الأحكام عند الشيخ السالمي).
أما المحور الثالث فجاء بعنوان (الأحكام عند الشيخ السالمي) وأشار إليها أفلح الخليلي كالتفريق بين المستحب والسنة والأخذ بالرخصة عند الملابسات المقتضية، والتواضع والجمع بين الفقه والأدب، وصياغة الأجوبة بأسلوبه إضافة إلى العناية التربوية وتشجيع تلاميذه والتأثر بعلماء المذهب قبله.
سيرة حياة الشيخ
ثم قُدم فيلم وثق سيرة حياة الشيخ حمد بن نور الدين السالمي، فهو من مواليد ولاية القابل بمحافظة شمال الشرقية عام 1322هـ/ 1904م ، وقد تنقل في قرى الشرقية حتى استقر به الحال في قرية الظاهر بولاية بدية ، إذ تلقى تعليمه الفقهي والديني فيها على يد والده نور الدين السالمي وحفظ القرآن الكريم وعمره لا يتجاوز العاشرة كما لازم الشيخ عيسى بن صالح الحارثي ، والإمام محمد بن عبدالله الخليلي، وتقلد مناصب القضاء في كل من نخل ووادي المعاول والعوابي، وولاه السلطان سعيد بن تيمور واليا على وادي بني خالد وبدية، وتوفي الشيخ حمد السالمي في قرية الظاهر بولاية بدية في 23 من شعبان من عام 1385هـ الموافق 18 من ديسمبر من عام 1965م.
حياة أبي حميد السالمي
ثم بدأت جلسات الندوة العلمية الاحتفائية، وأدار الجلسة الأولى سعادة الدكتور محمد بن سعيد الحجري، وقدمت من خلالها أوراق عمل متعددة، من بينها ورقة عمل بعنوان (الشيخ أبو حميد حمد بن عبدالله السالمي سيرته وحياته وعلاقته بالشيخ سالم بن حمد الحارثي) للدكتور عبدالله بن سالم الحارثي.
وتناولت الورقة ولادة ونسب ونشأة وتعليم الشيخ حمد السالمي، وعلامات النبوغ والعبقرية التي ميزته عن اقرانه في فترة طفولته، وأهم الإنجازات العلمية والفكرية والإصلاحية والقيادية والمهنية التي قدمها لمجتمعه ووطنه، إضافة إلى علاقته بتلميذه العلامة الشيخ سالم بن حمد بن سليمان الحارثي، كمنوذج انتهجته المدرسة العمانية لإعداد العلماء والقادة والفكريين.
أما الورقة الثانية في الجلسة الأولى فكانت بعنوان (دور التنشئة في فكر الشيخ أبي حميد حمد بن عبدالله السالمي) للدكتورة بدرية بنت محمد النبهانية وفي هذه الورقة اشارت النبهانية إلى دور الأسرة العلمية التي ينتمي إليها الشيخ السالمي، والتي كانت مدرسته الأولى التي تلقى منها علوم شتى، كما جاءت الورقة لتؤكد على دور التنشئة في فكر الشيخ أبي حميد وما أفرزته الأسرة أولا وتواصل العلماء في حياة الشيخ ثانيا على المستويين العلمي والعملي، وقدمت الورقة عدة محور في هذا المجال منها النسب والنشأة وفيها استعراض وافر لحياة الشيخ ودور المدرسة في فكر الشيخ السالمي وتشكل شخصيته وعلاقة أبي حميد بعلماء عصره ودورها في تشكيل منهجه العلمي والفقهي.
وجاءت الورقة الثالثة في الجلسة الأولى بعنوان (نماذج من مراسلات الشيخ العلامة أبي حميد) للشيخ الدكتور مبارك بن عبدالله الراشدي الأستاذ المشارك بجامعة السلطان قابوس ومدير مركز سناو الثقافي الأهلي، وجاءت هذه الورقة في عدة محاور مهمة في حياة الشيخ السالمي أهمها ترجمة مراسلاته الإخوانية ومن هذه المحاور اسئلته العلمية وبعض من مراسلاته حول الإصلاح الاجتماعي ومحور آخر بعنوان مقدرة الشيخ السالمي على الكتابة أضف إلى ذلك المحور الذي استعرض بعضا من قصائده. أما الورقة الرابعة في الجلسة كانت بعنوان (منهج الشيخ أبو حميد في ترتيب كتاب خلاصة الوسائل بترتيب المسائل) للشيخ محمد بن سعيد المعمري، ألقاها الشيخ عبدالله بن سعيد المعمري.
وتطرقت الورقة إلى منهج الشيخ القاضي (أبو حميد حمد بن نور الدين السالمي) في جمع وترتيب فتاوى وأبحاث الشيخ عيسى بن صالح الحارثي وذلك بطلب وإرادة من الشيخ عيسى نفسه، كما أوضحت الورقة تجميع ما تفرق من هذه الفتاوى من أيدي الناس ونسخها ثم تبويبها وكتابتها لتخرج على النحو المتكامل وأسماه فيما بعد (خلاصة الوسائل في ترتيب المسائل).
أما الورقة الخامسة في الجلسة الأولى فكانت بعنوان (العلامة أبو حميد حمد بن عبدالله السالمي فقيهاً وقاضياً) قدمها الشيخ الدكتور ماجد بن هلال الحجري قاضي استئناف وعضو بالتفتيش القضائي، وجاءت هذه الورقة في عدة فصول الأول تطرق إلى التعريف بالفقه في اللغة والإصطلاح أضف إلى ذلك التطرق إلى مصادر أبي حميد التي اعتمدها في فتاواه ومنهجه الفقهي من خلال تلك الفتاوى، أما الفصل الثاني في هذه الورقة فتناول المراجع والمشايخ التي اعتمد عليها أبو حميد واستفاد منها ، إضافة إلى المشايخ والطلبة الذين استفادوا منه من خلال الفتاوي المأثورة عنه، كما تطرق الحجري في ورقته إلى الفقه التفسيري واللغوي الذي أثر عنه.
الإنتاج العلمي الفقهي والأدبي
أما الجلسة الثانية والتي أدارها الدكتور إبراهيم بن يحيى البوسعيدي عضو مجلس إدارة النادي الثقافي فقد تناولت عددا من أوراق العمل، من بينها ورقة عمل بعنوان (مستويات اللغة الشعرية في إبداع أبي حميد السالمي) للدكتور قاسم الحسيني من المملكة المغربية وفي هذه الورقة أوضح الحسيني ملخص قراءاته لشعر أبي حميد السالمي في مختلف موضوعاته والتي قادت إلى كشف غرضه وحضوره لعنصر التنوع على مستوى اللغة فيه من حيث المرجع المعجمي والسياق والنحوي والبلاغي، وحمل هذا التنوع عبر مكوناته خلفيات ثقافية وفكرية اجتماعية تحكي جميعها عمق الانتماء للعروبة وللوطن عمان.
أما الورقة الثانية في الجلسة الثانية فكانت بعنوان (الجوانب السلوكية والتربوية عند الشيخ أبي حميد السالمي) قدمها الدكتور سعيد بن مسلم الراشدي من مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، وفي هذه الورقة تناول الراشدي عدة جوانب عند الشيخ السالمي متمثلة في الجوانب الخلقية والتربوية في مراسلاته للعلماء، موضحا الراشدي إن الحديث عن هذه الشخصية هو الحديث عن رجل جمع بين العلم والسلوك والتربية، عن شخصية لم يكن اهتمامها مقتصرا على طرح قضايا العقيدة والفقه والتاريخ فقط بل استنار إرثها الحضاري بقضايا السلوك والتربية التي لا غنى عنها في حياته الأسرية والاجتماعية.
الورقة الثالثة في الجلسة الثانية فكانت بعنوان "القيمة الموضوعية لتجربة الشيخ حمد بن عبدالله السالمي الشعرية" للباحث عبدالله بن سعيد الحجري وفي هذه الورقة تناول الحجري عدة محاور أهمها تلك الرؤية العامة حول تجربة الشيخ حمد بن عبدالله السالمي الشعرية وخصوصية المكان في نصوص الشيخ السالمي أضف إلى ذلك القيمة التأريخية في نصوص الشيخ حمد السالمي والتأثر والتأثير في شعرية الشيخ مرورا بخصوصية المنظومات الفقهيه في تجربة أبي حميد السالمي.
أما الورقة الأخيرة في الجلسة الثانية فكانت بعنوان "بنية الحِجَاج في قصائد السؤال والجواب النظم الفقهي عند أبي حميد أنموذجاً" قدمها الباحث عبدالرحمن بن سعيد المسكري، وارتكزت دراسة الحجاجية على بحث الفعالية الإقناعية والتأثيرية في النصوص التي تتضمن المقصدية والتوجيه من خلال درس الوسائل اللغوية والمعطيات السياقية التأثيرية من تظافر الحجج والأدلة والشواهد، وسعت الورقة إلى دراسة دراسة البنية الحجاجية في (قصائد السؤال والجواب) أو الفتاوى المنظومة للشيخ أبي حميد السالمي، وذهبت الورقة إلى قراءة التراث الفقهي بمرآة النظر الحديثة بالاستفادة من المناهج اللسانية وطرق التأويل المعاصرة.