(فأخذناه أخذاً وبيلاً) على سبيل المفعول المطلق المبين لنوع الأخذ

د.جمال عبد العزيز أحمد:
ثم ذكَّرهم بنعمة الله عليهم، وهو بعْث رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) مذكِّرًا ونذيرًا، وما كان يواجه الخلق به كل من أرسلهم الله من الرسل والأنبياء، وما كان يقابل به الرسول من قريش من عنت وصد وعرقلة وكفر، كما كان من فرعون مع سيدنا موسى، حيث جاء منه العنت المتمثل في: التكذيب والعصيان، والصد عن الرحيم الرحمن، فقال بأسلوب التوكيد الذي يدخل عمق القلب، ويتعرف منه على جليل هذاك المعنى، ويكشف عن مآل الكافرين الصادِّين عن سبيل الله، وسبيل رسوله الكريم:(إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهداً عليكم) بالتوكيد ونون العظمة، (كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً) وبأسلوب التشبيه هذا، أي فلستم بدعاً من البشر، شأنكم التكذيب، وطريقكم الجحود وعدم الإقرار والاعتراف والسجود، والفاء هنا للترتيب والتعقيب الدالِّ على ظلام العقل، وانعدام الفكر، وقلة العلم، ومن ثَمَّ ضياع العمر، والنتيجة التي هي ناموس السماء الدائم لكلِّ مكذب:(فأخذناه أخذاً وبيلاً) على سبيل المفعول المطلق المبين لنوع الأخذ.
وجاء التقديم والتأخير كأسلوب قصر، أو عارض للتركيب لبيان أنه محصور فيه، لا يقارن به غيره، فالحصر التأخير، وقد تأخر اللفظ اهتمامًا به، ولفتًا لقدره، فمن خصائص التأخير قصدُ الاهتمام به، وقصرُ النظر عليه دون غيره، ثم امتد التركيب ثانية ، فوصف الأتقى، كما وصف هناك الأشقى بأنه:(الذي يؤتي ماله يتزكى)، هذا وصف باسم الموصول الذي تبعتْه صلتُه ذات الفعل المتعدي لمفعولين، والمحذوف منه أحدهما، أي: يؤتي ماله المحتاج أو المعوز أو الفقير، وختمت الآية بجملة الحال ،فبينت طبيعته، وكشفت عن ماهيته، فهو عندما يؤتي ماله يؤتيه راجيًا زكاة نفسه، وطهارة روحه، وتزكيته فؤاده، وشفافية قلبه، وهي في الوقت نفسه كناية عن النقاء والصفاء لتلك الروح السامية، والذات العالية ، فهو في كل عمله يذكر ربه، ويرجو الارتقاء بروحه، والاقتراب من ربه طهراً وتطهراً، وجلالاً وكمالاً، ثم امتد الوصف لهذا (الأتقى) حتى نال ثوابه، فجاء وصفٌ آخرُ امتد به التركيبُ:(وما لأحد عنده من نعمة تجزى)، فهو عندما يعطي لا يعطي مكافِئًا لمن أعطى، ولا مجزيا لمن أسدى، وإنما يتفضل بلا انتظار لشكر، ويعطي بلا مقابل لشكر، اللهم إلا هدفاً واحداً، وواحداً فقط، هو ابتغاء وجه ربه الأعلى، وإذا كانت الأمور والأعمال تقاس بغاياتها، فغايته أنبل غاية، ورايته أشرف راية ، إنه يعمل العمل لاينظر إلى الخلق، وإنما يرجو الخالق، ويبغي المولى، ويريد الرب الكريم، فليس بذله مالَه في مكافأة من أسدى إليه معروفا فهو يعطيه في مقابل ذلك، وإنما دفعه ذلك فقط ابتغاء وجه ربه الأعلى، أيْ طمعًا في أن يحصل له رضاه، وأن يستنزل به كمال رحماه في دنياه، وفي أخراه، حيث روضات الجنات، والنعيم الأكمل، والفيوضات الأتمّ والأجمل، فامتد التركيب بالنفي، والتقديم والتأخير.

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
[email protected]