اعداد ـ أم يوسف:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الكهف من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
سميت ‏سورة ‏الكهف ‏لما ‏فيها ‏من ‏المعجزة ‏الربانية ‏في ‏تلك ‏القصة ‏العجيبة ‏الغريبة ‏قصة ‏أصحاب ‏الكهف‎ ، وهي: مكية، من المئين نزلت بعد سورة (الغاشية)، تبدأ باسلوب الثناء، بدأت بالحمد لله، تحدثت السورة عن قصة ذي القرنين وسيدنا موسى والرجل الصالح. وهي إحدى سور خمس بُدِئت بـ(الحمد لله) وهذه السور هي: الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر، وكلها تبتدئ بتمجيد الله ـ جلَّ وعلا ـ وتقديسه والاعتراف له بالعظمة والكبرياء والجلال والكمال.
السابعة ـ قوله تعالى:(فَأَقَامَهُ) قيل: هدمه ثم قعد يبنيه.فقال موسى للخضر:(لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) لأنه فعل يستحق أجراً، وذكر أبو بكر الأنباري عن ابن عباس عن أبي بكر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قرأ:(فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه) قال أبو بكر: وهذا الحديث إن صح سنده فهو جار من الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ مجرى التفسير للقرآن، وأن بعض الناقلين أدخل تفسير قرآن في موضع فسرى أن ذلك قرآن نقص من مصحف عثمان على ما قاله بعض الطاعنين، وقال سعيد بن جبير: مسحه بيده وأقامه فقام، وهذا القول هو الصحيح، وهو الأشبه بأفعال الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بل والأولياء، وفي بعض الأخبار: إن سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعاً بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعاً، فأقامه الخضر ـ عليه السلام ـ أي: سواه بيده فاستقام، قال الثعلبي في كتاب (العرايس): فقال موسى للخضر:(لوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) أي: طعاماً تأكله، ففي هذا دليل على كرامات الأولياء، وكذلك ما وصف من أحوال الخضر ـ عليه السلام ـ في هذا الباب كلها أمور خارقة للعادة، هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي.
وقوله تعالى:(وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) يدل على نبوته وأنه يوحى إليه بالتكليف والأحكام، كما أوحى للأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ غير أنه ليس برسول .. والله أعلم.
الثامنة ـ واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحث جدار مائل يخاف سقوطه، بل يسرع في المشي إذا كان مارّاً عليه لأن في حديث النبي ـ عليه الصلاة والسلام:(إذا مر أحدكم بطربال مائل فليسرع المشي)، قال أبو عبيد القاسم بن سلام: كان أبو عبيدة يقول: الطربال شبيه بالمنظرة من مناظر العجم كهيئة الصومعة والبناء المرتفع، قال جرير:
ألوى بها شذب العروق مشذب
فكأنما وكنت على طربال
يقال منه: وكَنَ يكِنُ إذا جلس، وفي الصحاح: الطربال القطعة العالية من الجدار، والصخرة العظيمة المشرفة من الجبل، وطرابيل الشام صوامعها، ويقال: طربل بوله إذا مده إلى فوق.
التاسعة ـ كرامات الأولياء ثابتة، على ما دلت عليه الأخبار الثابتة والآيات المتواترة ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد، فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء ـ على ما تقدم ـ وما ظهر على يدها حيث أمرت النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية على الخلاف ويدل عليها ما ظهر على يد الخضر ـ عليه السلام ـ من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، قال بعض العلماء: ولا يجوز أن يقال كان نبياً لأن إثبات النبوة لا يجوز بأخبار الآحاد، لا سيما وقد روي من طريق التواتر ـ من غير أن يحتمل تأويلاً ـ بإجماع الأمة قوله ـ عليه الصلاة والسلام:(لا نبي بعدي)، وقال تعالى:(وخاتم النبيين) والخضر وإلياس جميعاً باقيان مع هذه الكرامة، فوجب أن يكونا غير نبيين، لأنهما لو كانا نبيين لوجب أن يكون بعد نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ نبي، إلا ما قامت الدلالة في حديث عيسى أنه ينزل بعده، قلت: الخضر كان نبياً على ما تقدم وليس بعد نبينا ـ عليه الصلاة والسلام ـ نبي، أي: يدّعي النبوة بعده أبداً .. الله أعلم.
العاشرة ـ اختلف الناس هل يجوز أن يعلم الولي أنه ولي أم لا؟ على قولين، أحدهما: أنه لا يجوز وأن ما يظهر على يديه يجب أن يلاحظه بعين خوف المكر، لأنه لا يأمن أن يكون مكراً واستدراجاً له، وقد حكي عن السري أنه كان يقول: لو أن رجلاً دخل بستاناً فكلمه من رأس كل شجرة طير بلسان فصيح: السلام عليك يا ولي الله فلو لم يخف أن يكون ذلك مكراً لكان ممكوراً به ولأنه لو علم أنه ولي لزال عنه الخوف، وحصل له الأمن، ومن شرط الولي أن يستديم الخوف إلى أن تتنزل عليه الملائكة، كما قال عزوجل:(تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا) ولأن الولي من كان مختوما له بالسعادة ، والعواقب مستورة ولا يدري أحد ما يختم له به، ولهذا قال ـ عليه الصلاة والسلام:(إنما الأعمال بالخواتيم)، والقول الثاني: أنه يجوز للولي أن يعلم أنه ولي، ألا ترى أن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يجوز أن يعلم أنه ولي، ولا خلاف أنه يجوز لغيره أن يعلم أنه ولي الله تعالى فجاز أن يعلم ذلك، وقد أخبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ من حال العشرة من أصحابه أنهم من أهل الجنة، ثم لم يكن في ذلك زوال خوفهم، بل كانوا أكثر تعظيماً لله سبحانه وتعالى، وأشد خوفاً وهيبة فإذا جاز للعشرة ذلك ولم يخرجهم عن الخوف فكذلك غيرهم، وكان الشبلي يقول: أنا أمان هذا الجانب فلما مات ودفن عبر الديلم دجلة ذلك اليوم، واستولوا على بغداد، ويقول الناس: مصيبتان موت الشبلي وعبور الديلم، ولا يقال: إنه يحتمل أن يكون ذلك استدراجاً لأنه لو جاز ذلك لجاز ألا يعرف النبي أنه نبي وولي الله، لجواز أن يكون ذلك استدراجاً، فلما لم يجز ذلك لأن فيه إبطال المعجزات لم يجز هذا، لأن فيه إبطال الكرامات، وما روي من ظهور الكرامات على يدي بلعام وانسلاخه عن الدين بعدها لقوله:(فَانْسَلَخَ مِنْهَا ..) فليس في الآية أنه كان ولياً ثم انسلخت عنه الولاية، وما نقل أنه ظهر على يديه ما يجري مجرى الكرامات هو أخبار آحاد لا توجب العلم .. والله أعلم.
والفرق بين المعجزة والكرامة أن الكرامة من شرطها الاستتار، والمعجزة من شرطها الإظهار، وقيل: الكرامة ما تظهر من غير دعوى والمعجزة ما تظهر عند دعوى الأنبياء فيطالبون بالبرهان فيظهر أثر ذلك، وقد تقدم في مقدمة الكتاب شرائط المعجزة، والحمد لله تعالى وحده لا شريك له، وأما الأحاديث الواردة في الدلالة على ثبوت الكرامات فمن ذلك ما خرّجه البخاري من حديث أبي هريرة قال:(بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشرة رهط سرية وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة وهي بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا إليهم قريباً من مائتي راجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمراً تزودوه من المدينة، فقالوا هذا تمر يثرب فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا فأعطونا أيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحداً، فقال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما فوالله لا أنزل اليوم في ذمة الكافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموا بالنبل فقتلوا عاصماً في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، وهم خبيب الأنصاري وابن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة ـ يريد القتلى ـ فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، فانطلقوا بخيب وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع خبيباً بنو الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب هو الذي قتل الحرث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً، فأخبر عبيدالله بن عياض أن بنت الحرث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها فأعارته، فأخذ ابن لي وأنا غافلة حتى أتاه، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، قالت: والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خيب والله لقد وجدته يوماً يأكل قطف عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله تعالى خبيباً فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيث: دعوني أركع ركعتين، فتركوه فركع ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات إلاله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع
فقتله بنو الحرث، وكان خبيب هو الذي سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبراً فاستجاب الله تعالى لعاصم يوم أصيب، فأخبر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأصحابه خبرهم وما أصيبوا، وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرفونه، وكان قد قتل رجلاً من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئاً، وقال ابن إسحاق في هذه القصة: وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد، وقد كانت نذرت حين أصاب ابنيها بأحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر فمنعهم الدبر، فلما حالت بينه وبينهم قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله تعالى الوادي فاحتمل عاصماً فذهب، وقد كان عاصم أعطى الله تعالى عهداً ألا يمس مشركاً ولا يمسه مشرك أبداً في حياته، فمنعه الله تعالى بعد وفاته مما امتنع منه في حياته، وعن عمرو بن أمية الضمري: وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعثه عينا وحده فقال: جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون فأطلقته، فوقع في الأرض، ثم اقتحمت فانتبذت قليلاً، ثم التفت فكأنما ابتلعته الأرض، وفي رواية أخرى زيادة: فلم نذكر لخبيب رمة حتى الساعة .. ذكره البيهقي.