إعداد/ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: من النماذج المعجزة في القرآن الكريم ما يلي: الأنموذج الأول: المغفرة والرحمة:
جميع الآيات في كتاب الله تبارك وتعالى, قدمت فيها المغفرة على الرحمة, لأن المغفرة ستر للذنوب, أما الرحمة فتفضل وانعام زائد على مغفرة الذنوب, لذا قدمت المغفرة على الرحمة, والتخلية مقدمة على التحلية.
لكننا نجد آية في كتاب الله تبارك وتعالى قدمت فيها الرحمة على المغفرة, وهي قوله سبحانه وتعالى في أول سورة سبأ:(يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور), فلم كانت هذه الآية بدعا من أخواتها؟
إن المتدبر للسياق القرآني يمكن أن ينعم بالحكمة البيانية والموضوعية كذلك, التي جاء عليها نظم الآية القرآنية.
كما إن السياق الذي جاءت فيه سياق القدرة والعلم, سياق العناية بهذه المخلوقات كلها, ما في السماوات وما في الأرض, ما يلج في الأرض وما يخرج منها, ما ينزل من السماء وما يعرج فيها, ورحمة الله تبارك وتعالى تتجلى لهذه المخلوقات جميعاً, الشمس والقمر والليل والنهار والنجوم والجبال والماء والمرعى والنار والهواء, كلها تظهر فيها الرحمة, لذا كانت الرحمة جديرة بالتقديم في هذه الآية وحدها من كتاب الله عزوجل.
أما غيرها من الآيات والتي قدمت فيها المغفرة على الرحمة, فقد ذكرت كلها في سياق ذنوب العباد, أو في سياق تقصيرهم فيما أمروا به، وأما الآية التي قدمت فيها الرحمة على المغفرة فليس فيها شئ من هذا كله, لا من ذنوب العباد, ولا من تقصيرهم فيما أمروا به.
أرأيتم الى هذا البناء المحكم, وهذا النظم البديع؟
الأنموذج الثاني: العلم والحكمة:
أكثر الآيات الكريمة جاءت على هذا النظم (إن الله عليم حكيم), أو (إن ربك عليم حكيم), ولكننا نجد بعض الآيات قدمت فيها الحكمة على العلم, قال تبارك وتعالى وهو يحدثنا عن أبي الأنبياء وشيخ الحنفاء أبينا ابراهيم ـ عليه السلام:(فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم، قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم).
والمتأمل في السياق والمتدبر للآيات الكريمة, يجد أن هذا التقديم أو التأخير كأنّ أمراً يحتمه المعنى ويتطلبه الموضوع, وتقتضيه الحكمة, فأما تقديم العلم على الحكمة, فأظنه ظاهراً لا يحتاج الى بيان, إذ من مقتضيات الحكمة أن يسبقها العلم, واليكم بعض هذه الآيات, قال تعالى:(وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل ابراهيم واسحاق إن ربك عليم حكيم)، وقال تعالى:(واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكم الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون، فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم).
أما تقديم الحكمة على العلم فنجد أن الموضوعات التي جاء فيها هذا النظم, كانت الحكمة فيها هي الأساس, فبشارة ابراهيم وامرأته بالغلام, حيث يتعذر الحمل والانجاب, (أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب), أمر لله فيه حكمة (قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم).
ولا نود أن نستقصي هنا فنقف مع كل آية, وما على القارئ إلا أن يتدبر الآيات, ليدرك بذوقه واحساسه وفكره وعقله دقة النظم وسمو المعنى.

* إمام وخطيب جامع السلطان قابوس الأكبر