الفيومي رواية لطاهر الزهرانيرواية الفيومي للسعودي: طاهر أحمد الزهراني، كاتب وروائي سعودي. خريج جامعة الآداب والعلوم الإنسانية بجدة. له عدة مؤلفات روائية على فترات متباعدة منها: جانجي، أطفال السبيل والميكانيكي، وغيرها. وفي 2015 صدر له كتاب بعنوان "فقْد": وهي المجموعة القصصيّة المسبوقة لهذه الرواية. ما لفتني مبدئيا هو المسار العكسي للكاتب، إذ أن أغلب الكتّاب يكتبون الرواية بعد القصة القصيرة. لكن الزهراني بدأ بمسار مختلف ومضاد تماما. عاكساً الخطوات الكتابية المألوفة، وربما ذلك يشير إلى قدرة القصّة على مداعبة الروائي والتحرش بقلمه وأدبه كاسراً القواعد المتّبعة.الرواية تتألف من 177 صفحة، فقد كانت صعبة بحق، وأيضا طويلة على مستوى الفكرة المتفرّعة والمتشّعبة بأكثر من موضوع له جذور متشابكة من الأساس. ولهذا فقد قرأتها على فترات متباعدة. ولم أندمج بشكل إيجابي منصف لها إلا في منتصفها. لكن ما إن أنهيت القراءة إلّا وتملكني الحزن البالغ والذي ينتصر للقصّة الإنسانيّة البحتة، فقد تعاطفتُ مع البطل بشكل مساير للدراما المتنامية، والأحداث بدورها سلبتني بحزن؛ فتقمصتها بينما واصلتُ القراءة، ساعتها اضطررت إلى تأمل الغلاف علّه يبهجني؛ والذي يعبر عن لون بحري يغطي أكثر من نصف الصفحة، معبرا عن سماء صافية وجبال داكن اللون، وبيت قديم يكشف عن الأصالة الذي اتصف به البطل نفسه في الرواية:؛ أصالة المكان والنسب والانتماء والأخلاق وحتى العواطف والمشاعر في سموّها، لكن السّرد الحدثي لمتن الرواية اعتراه سوادٌ سلس يتسلل إلى روح القارئ وذاته بحيث يندمج معه، فتمنيت ساعتها أن تكون لي يد سحرية تتوغل بين صفحات الرواية. فأغير الأحداث لصالح المثالية، فتنتهي المشاهد بسعادة في سماء بحريّة كما هو الحال في غلاف الكتاب الممتد الحُر. بطل الرواية عطية؛ الذي تأقلم مع البيئة الطبيعية بوفرتها ومخاطرها ورهبتها فأصبح يماثلها في الشّموخ وفي القوة كالجبل. إذ أنه هجر المدنية السهلة والمدن الخاوية، وأكوام الإسمنت والطرق المعبدة. وتم ذكر السبب بعبارات مقنعة في صفحة: 18 و19، محيلا على النّص شعور عطية "متضايق من الحياة، لم يعد يطيق الزحام والضجيج، الأسعار مضاعفة والمياه تنقطع عن الأحياء" وأسباب أخرى كثيرة مفصّلة. عطية ترك كل معوقات الحياة المكتضة واعتنق صفاء الطبيعة ونقاء الجبال في الحد الجنوبي السعودي، مرجع صفحة 34 "عند ملتقى الجبال يقع شعب آل فيوم، وهذا الشعب هو مبدأ الوادي ومنتهاه".أبدع الزهراني في الوصف من حيث المشهد البطيء في سرد الأفعال والجمادات والطرق والجبال، حتى حركة الحيوانات وأسماء الأشجار والجو العام للطبيعة الجبلية، في صفحة 57 ورد النص موضحا "في قريته حتى الجمادات لها أسماء، الجبال، الشِعاب، الغدران، الجباه، السقائف، المحاجي. مع هذه المسميات تصبح الجمادات مخلوقات حية ترتعش، في الجبل أنت لست وحدك". كوني من الجنوب لم يتعذر علي التصوّر على غرار الوصف الذي ذُكر في الرواية تفصيلا. كما تم شمل بعض العادات القديمة، والتقاليد اليومية. والتي قد تتشابه بين المناطق العربية عامةً مثل: خلط كمية من السمن أو الزنجبيل مع الحليب الساخن وشربه؛ وذلك لأن فرصة الحصول على سمن أصلي فيه مألوف؛ نتيجة تربية المواشي وهي المصدر الأول لإنتاج السمن البلدي؛ مما جعل عطية معتمدا على تجارة السمن والعسل وبيعها من أجل المعيشة. شخصية البطل عطية؛ والموصوف بدقة واضحة، ثرية، عميقة وحيّة بوفرة. وأكاد أراه متمثلا كرجل فتيّ قويّ متمرد بشكل قد يتحول فارسا أمامنا لو أردنا ذلك في بعض الأحداث. بينما غالية الشخصية المساعدة من الدرجة الأولى في حياته، تحولت فيما بعد إلى شخصية معرقلة بامتياز. نقطة تحول كبيرة أودت بحياته بسبب فجيعة الفراق المأساوي عنها، وهي تلك الجميلة ابنة شيخ القبيلة التي تزوجها بعد فوزه في مسابقة الرماية، فقد نالت من بداية الرواية إلى نهايتها وصفا مثاليا لا يمكن أن يقنع القارئ. شخصية حنش؛ والتي أخذت مساحة واسعة من الوصف الخارجي "ضخم الجثة داكن اللون، هيئته لا تتغير، لا يلبس إلا الداكن من الثياب". كما وردت أيضا صفات اجتماعية أخرى له "معروف في مجالس القبيلة، للصلح وأخذ الحقوق" تم ذكره في صفحة 127، رغم ذلك الإسهاب في عرض الشخصية ولكن لا أرى لها تأثيرا كبيرا في سير دفة الأحداث، ولا في حياة عطية المباشرة. ولكن اعتناء الكاتب بصياغة شخصيته بشكل منمق، لم يكن إلّا مرجعا في جانب نُصحي وتوعوي. مع ذلك فإن الجزء الخاص به حيوي جدا في الرواية، وذلك لأنه يجعلنا نؤمن بضرورة وجود شخص مخلص وقريب يدعم الجانب النفسي للإنسان في شتى المواقف في الحياة من حيث الثراء الوجودي للعلاقات النقية؛ والتي تقوم على الحب الخالي من المصالح. أخيرا الشخصية المعرقلة الكبرى؛ والتي كانت حاضرة منذ البداية ولكن بشكل أضعف، ولكنها فيما بعد غيرت مجرى الأحداث كاملة في الرواية، بعد أن تطاولت لها بعض الميزات المكتسبة كالمشيخة مثلا بعد موت شيخ القبيلة، تم ذكر ذلك مفصلا في صفحة 93 بعنوان "الحقود يسود". خلق الزهراني شخصية ورقية حبرية لها ظلال مألوفة وقد تكون قابلة للمصادفة اليومية، خاصة في مجتمعات كمجتمعاتنا، شخصية قريبة من يومياتنا. وما أكثر ما نراها في أيامنا العادية. وهي في الرواية متقنة الصنع، شريرة متكبرة ظالمة. أكاد أن أستشعرها أمامي وأتبينها في خلقها وأخلاقها الواضحة للعيان، تمثل معنى من معاني الجاهلية التي تغطرست في الفساد. صفحة 93 ورد وصفه "هياس كان إنسانا ثرثارا في المجالس، يتبجح ويدّعي كثيرا، لم يفلح في شيء، يعيش على أمل أنه من سيخلف والده في المشيخة"، أبدع الزهراني في قدرته على خلق شخصية أفهمها جيدا وتتجسد بوضوح، كما أجاد الزهراني الحبكة وجعل مجريات الحدث قابلة للبناء بشكل تصاعدي مضطرب قائمة على جذع الشخصيات الموصوفة بعناية بالغة.الكلمات العامية سببت لي ربكة في الفهم، وهذا الأمر تضايقت منه مبدئيا، ثم بدأت بتفسير بعضها لنفسي خاصة المبهمة منها وذلك على حسب قدرتي البسيطة. وكان خياري أن استمتع بالرواية أولا مع القفز على الأجزاء التي بقيت متوترة في داخلي، وبدأت ساعتها أنشرح في القراءة. الجنوب الذي تمثّل واضحا في الرواية يشبه أغلب الأوطان الخليجية أو العربية؛ حيث الفكر التعصّبي القبلي والعرقي، وحيث الأولوية في النسب والذي يخلق المفاضلة بين القبائل، صفحة 100 تقول جدته:"يا ولدي ما هو نحن بس إللي نسبنا لمرة، أسر كثيرة مشهورة بالكرم والشجاعة والشيمة ينسبون لنساء، وبعض النساء أشرف من قبيلة من الذكور". في موضوع نسبه لأم جدته المصرية.تناولت الرواية موقف عطية تجاه الخسائر البشرية التي تعقب الحروب، وذلك عندما كان منضما للقطاع العسكري. الحروب تغير الإنسان خاصة عندما يتمحور في داخله فكرة تفاهة القتل أمام السعي لنيل قطعة أرض أو احتلال جبل. بالتحديد أمام المسائل التي يمكن حلها دون زهق الأرواح؛ مما دفعه للتخلي عن السلك العسكري. في الرواية جانب مواز لشخصية عطيّة الباحث، والذي يحوم بتطلعاته ليجد ذاته من حلم وظيفة مستقرة، نص في صفحة 20 "رغم سعيه الحثيث من قبل على وظيفة مدنية توفر له الهدوء، بعيدا عن الصراعات وبعيدا عن الدماء" إلى تجربة خوض الحروب وشعوره بالذنب جراء قتل الأرواح البريئة؛ ورغم نيته في أن لا يتورط في القتل أو التوغل في أرض ليست أرضه، نيته فحسب أن يتصدى لأي هجوم. بيد أنه لم يفلح في نيته مما دفعه للهرب إلى الطبيعة. يشبه البحث الدائم عن الفطرة البشرية، المحبة للخير وتجنب الدمار والفساد. دلالة المكان والزمان في الرواية: صفحة 27 يذكر الكاتب بوضوح مصرحا بما يتوافق مع الحدث والمكان صفحة 18 "زحام جدّة يجلب له التوتر". وذكر الزمان الحاضر القريب، في جنوب المملكة السعودية "انسحب الحوثيون من أرضنا، شعرنا بالانتصار، لكن هزمنا بطريقة أو أخرى.... ".الحكايات القديمة والأساطير، لعبت دورا كبيرا ضمن الرواية، والتي كانت على لسان جدته، إذ أنها أوقدت عنصر الدفء والحميمية في الرواية. فهي تشبه بؤرة سحرية تنبثق من الباب المفتوح للحكي. صفحة 99 وردت فقرة تصف الجدة بحب عميق"الجدة تترنم بقصيدة، هو يعرفها عندما تحضر الحكايات، تأتي بعتبة تمهيدا لقصصها، تعرف متى تمسك، متى تقص، وفي أي مناسبة، وهكذا هي عندما تؤثث لياليها".أسقط الزهراني جزءًا من الرواية منسابا من شلال رؤيا للجدة صفحة 107 " فذكرت لهم أنها رأت في المنام فرسا بيضاء، حملتها إلى غيمة ثم تركتها"، كانت حركة محترفة من الكاتب لفتح باب تصاعد الحبكة مستندا على عنصر جيد قابل للتشويق، وهي الأحلام والرؤى. وهي حيلة كتابية جيدة في الأدب العربي.الرواية جسدت تفاصيل الحياة الإنسانية المقترنة بالطبيعة وبالحيوانات، عطية يظهر في بعض المشاهد توّاقا مندمجا مع الجبال في هيبتها ومع المياه في سيلانها، أيضا في علاقته العاطفية المتجسدة مع كلبه غنّام والوبرين عيد وسعيد والأغنام التي كان يرعاها... ألخ.تناول الكاتب قصة التعنت القبلي والتكافؤ في الزواج بين عطية وغالية، وإلحاق الطلاق الغيابي بينهما، والذي يمثل ناتج ظلم ينسب للأيدي التي تقترفها قوة المناصب والمراكز الفاسدة، نص من صفحة 95 "مانت بكفوا تتزوج أختي، وأختي أبوها شيخ، وجدها شيخ"، أيضا صفحة 153 " فسخ القاضي عقدهما؛ بسبب عدم التكافؤ، حيث بيّن أنه صانع وهي بنت الشيوخ، وأن نسبه دخيل". الرواية تناولت مواضيع كثيرة دقيقة، ومنها اجتماعية وسياسية مغلفة في إطار روائي معقد للغاية. القراءة الصعبة للكتاب دفعني بفضول جامح لدخول حساب تويتر الكاتب، والذي شمل ضمن التعريف الخاص به: "عائلتي الصغيرة؛ هي أغلى ما أملك". حثّني ذلك إلى ربطه مقرونا بالبطل عطية، الذي نصّب أسرته أغلى ما يملكه، ولكن بعد طلاقه من زوجته غالية انساق للتيه في طريق التدهور والتمرد والقتل. خاصا عندما قتل أخو غالية والذي كان سببا في الفصل بينهما، ثمة مفارقة الحب الكبير المسلوب، والذي قد ينزع رغبة الحياة ويقود للموت كنهاية وحيدة. الزهراني بارع في ربط الأحداث والمشاعر والنتائج والعواقب. رواية تبدو طويلة ومتشعبة لكنها شملت مواضيع كثيرة مرتبطة ومترابطة في قالب واحد. أحداث كثيرة وسريعة متكررة في البلدان العربية، وقلما يكتب عنها كاتب بكل هذ النضج والحذر. الزهراني تميز بلغة آسرة وساحرة ومفردات ثرية وتراكيب فاتنة، ومكيدة الوصف الذي نال الجمال الأكبر من الرواية. في النهاية؛ ثمة سؤال تبادر إلى ذهني: "هل ممكن للرواية أن تُختزل؟" لا أظن ذلك، إلا إذا تم التخلي عن الوصف. لكن الوصف هو الجزء الأكثر بهجة في الرواية وأظنه الأروع. بعض الكلمات تحتاج إلى تفسير وتحليل خاصة الحوارات العامية. الرواية كشفت بعض الحقائق التي نود قولها لكننا نكتمها في داخلنا خوفا، تمنيت في النهاية أن ينبعث في حياتنا واقعا أكثر صدقا وعدلا، وأن يكون في مقدورنا أن نكتب الفرح والسعادة بين الحين والآخر. فأغلب الأدب العربي ممتلىء بالسواد والهم، كما هو حاضرنا المحصور بين الواقع والأمنية في الصلح والصلاح السياسي والمجتمعي. إشراق النهدية