يعتبر بول سيزان الأب الروحي للفن الحديث، هو عبارة عن نقطة تحوّل مهمة في تاريخ الفن، فمن خلال فكره تمكن من وضع مبادئ أساسية لنظرية تشكيلية ثورية تقوم على إدراك حياة الأشكال والكتل الموجودة في العالم المادي وتفكيكها ثم اختزالها إلى أصولها الهندسية وعلاقاتها الرياضية، وإعادة بنائها من خلال حبكة التأليف في الأثر الفني. هذه النظرية الباحثة والمفكرة مهدت للحركة التكعيبية والتجريدية...بأن فتحت باب المغامرات واسعا أمام الفن الحديث.ولد الرسام الفرنسي بول سيزان في 19 جاني 1839 بالاكس ان بروفانس، أين أنجز دراسته الأولى وتعرف على إيميل زولا من ثمة ومع حلول 1859 اقتنى والده منزلا جميلا خارجها، وتزامنا مع هذه الفترة سيزان الذي كان يدرس القانون بدأ بالرسم، وقدم لدراسته بمدرسة الفنون الجميلة سنة 1860 لكنه قوبل بالرفض فعاد مجددا الى الاكس ان بروفانس ليعمل ببنك والده مدة قصيرة وما لبث ان عاد بـ1862 الى باريس وكرس وقته نهائيا للرسم أين التحق بالأكاديمية السويسرية الخاصة لتعليم الرسم، كانت أعماله المرسلة الى الصالون مرفوضة الواحدة تلو الاخرى، في هذه الفترة كان لا يزال يستعمل الألوان المعتمة موضوعة على اللوحة بواسطة السكين او الفرشاة وكانت لطخاته مرئية بوضوح وكثافة، ويمكن ان نصنفها بأنها رسم ما قبل انطباعي وخاصة رسوماته للعم دومنيك.عند نهاية حرب 1870 عاد سيزان الى باريس مع سنوات 1872 اين استقر مع عائلته، للاشتغال مع بيسارو، الذي نصحه بإيجاد موضوعاته في الطبيعة من خلال دراستها لإدراك ما يراه. ومن هنا انهمك بول سيزان باكتشاف موضوعاته وأسلوبه من خلال ترك الألوان القاتمة واستخدام مجموعة ألوان نقيه فاتحة أين تميز اسلوبه بانضباط كبير في ريشته والتركيز الشديد في المراقبة والتي قادته الى استثمار طرق تشكيلية جديدة والتي تتضح في فنه من خلال لوحته (المنزل المعلق)1873 التي اشترك بها في أول معارض التأثيريين الذي أقيم في منزل نادار عام 1884 حيث اعتبرت مرحلة انتقالية في مسيرته الفنية أين مزج سيزان من خلالها بين أسلوبه القديم وما تعلمه من خلال بحثه عن موضوعاته في الطبيعة. لهذا يعتبر لقائه مع بيسارو والانطباعيين نقلة نوعية في طريقته في الرسم، أين يمكن ان نعتبر أن سيزان بدأ يمتلك الثقة بما يجب ان يتضمنه عمله الفني. وباستثناء لوحة شخصية تقدم بها للمعرض الثالث عام 1877 لم يشترك سيزان في معارض التأثيريين بعد ذلك. ورغم قلة عدد المشجعين لما يقوم به بول سيزان ولعل اهمهم الطبيب بول غاشي وهو الذي عالج فان غوغ ايضا الأب تانغي وهو تاجر لوحات واب كنيسة، اضافة الى فيكتور شوكيه وهو هاوي لوحات ومراقب ديوانة في باريس، الا ان بول سيزان واصل بحثه، ومع حلول 1886 تزوج الفنان وورث والده أين أصبح في مأمن من المتطلبات المالية، هذا البحث الذي استمر في عزلة مبتعدا عن الانطباعيين، فالبرغم من أهمية الاحساسات الا انها لم تكن هدف في حد ذاتها بالنسبة لسيزان، وبدلا من جعل الرسم يلتزم وينهمك ببحث لا متناه عن الضوء كان الفنان يبني لوحته بالضوء فهو يعيد بناء الموضوع بالطريقة التي يتصورها عنه اين تتدخل احاسيسه وعواطفه وثقافته. ولعل سلسلة أعماله عن جبل سانت فكتوار والتي رسمها حتى أواخر حياته تحقق ذلك التوازن المتكامل الذي لطالما بحث عنه الفنان ما بين الأحاسيس والسيطرة على الشكل.سنة 1895 أنجز الفنان اول معرض شخصي له تكللت من خلاله بحوثه التشكيلية وجهوده بالنجاح، أين خلق فضاء تصويري محض يتنوع من خلاله الفضاء في كل لوحة من لوحاته، ليصبح لكل مشهد طبيعي نظامه الفضائي الخاص به والمختلف عن الطبيعة، حيث قطع الفنان مع نمط الفضاء الهندسي الخاص بعصر النهضة فاتحا للرسم الطريق على كل المغامرات الممكنة، فنقد سيزان للانطباعيين اشكالي حيث ينقد ان تبنى اللوحة بالطريقة الكلاسيكية انطلاقا من اللون البني كأرضية وضلال، كما يبحث عن الحياة داخل الاشكال بعيد عن الانطباعات، فهو يحس بالأشكال لكنه يعيد بنائها عن طريق الألوان والخطوط، فيخدم اللون بطريقة خاصة يدرك من خلالها حياة الأشكال الخاصة بها كأن يمثلها في رسم طفل طويل اليد، فعدم اهتمام سيزان بضبط مقاييس الجسم البشري ونسبه الواقعية يرجع إلى رغبته في تكتيل التفاصيل إلى الدرجة القصوى.فالعمل لدى بول سيزان هو اعطاء الشيء جوهره وليس انطباعه. هذه القطيعة التي أحدثها الفنان مع ما سبقه وما عايشه كانت واضحة للغاية في عمل الحب الجصي، والانوثة الابدية...من خلال اشهر أعماله يريد بول سيزان ان تكون احساساته قائده فهو لديه احساس بالأجسام لكنه يعيد بنائها، هو يرسم الواقع ولكن ليس بنفس الطريقة فالأصول والفصول والمقاييس تتغير ليعيد سيزان بناء الواقع بطريقته حيث يريد ان يدرك الواقع في لوحاته كأن يدرك الشجرة في حياتها الخاصة بها او ان يجسد في الطاولة العديد من الالوان لإدراك حياتها الداخلية. فاللون اساس في عمل سيزان لذلك تجاوز عملية تقديس البني كما الكلاسيكيون وبحث من خلال التنويع في الالوان عن جوهر الاشياء بعيدا عن الانطباعات، ولعل اعادة رسمه لسلسة جبل السانت فيكتوار هو بحث دائم لإدراك جديد في كل مرة، أين توصل سيزان الي الحلول التي كان يبحث عنها حيث بحث من خلالها في القوانين الهندسية التي تتحكم في تكوينها، فأختزل من خلالها الطبيعة داخل الشكل الاسطواني والكروي والمخروطي وعن طريق لمساته القويه بالألوان كان الفنان يعيد تركيب المشهد المفكك. وهذا ما يفسر قوله «العالم يملك كثافته النوعية المستقلة عن مزاج رؤيتنا البصرية له وعن رأينا التقويمي به»من هنا نفهم ان ما نتج عن دقة مراقبة بول سيزان للشكل هو عمق إدراكه لحياته الخاصة والباطنية او ما يسمى بجوهر الشي، وبالتالي تحليله وتفكيكه ومن ثمة إعادة تركيبه، وهذا ما أدى الى اكتشاف أسس بناء جديدة ومحرّفة لمواضيع الطبيعة وخاصة الصامتة، فتظهر لنا وكأنه رسمها من وجهات نظر متعددة تارة من الأمام وطورا من زاوية نظر علوية، اضافة الى المراوحة بين ميلان بعض الاسطح واستقامتها. ولعلَ تعرض جورج براك بالدرس لتجربة بول سيزان وفهمه جوهرها مكنَه من إكتشاف البوابة السرية للفن الحديث والتي تعرف من وقتها إلى يومنا هذا بالحركة التكعيبية كما يعتبر مؤسسا لما سيأتي بعدها.ومع حلول 1906 فوجئ بول سيزان بمطر شديد وهو يرسم بالطبيعة فجلب الى شقته في اكس ان بروفانس وتوفي بتاريخ 23 اكتوبر بذات الرئة، تاركا الباب مفتوحا على مصراعيه أمام من جاء بعده لمواصلة تحطيم أسس البناء الكلاسيكية عن طريق ملكة الادراك وإعادة تركيبها بأساليب أخرى جديدة تحرر فكر الفنان وتحفزه، تجربة لا تهادن وتعطي درسا في المثابرة والبحث رغم الرفض والسخرية المتواصلة التي تعرض لها. دلال صماريباحثة وتشكيلية تونسية