[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2016/05/amostafa.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]د.احمد مصطفى [/author]”.. تعود أهمية أثيوبيا إلى أنها البلد الأكبر والأكثر والأهم في منطقة القرن الافريقي، وإلى جانب وجود أحد أكبر روافد نهر النيل فيها تشكل سواحلها على جنوب البحر الأحمر أهمية استراتيجية كبرى. ولطالما كانت اثيوبيا ظهيرا مهما للعالم العربي، بل انها "وجهة الهجرة الأولى" حين أمر نبي الاسلام عليه الصلاة والسلام أتباعه في مهد الدعوة لاتقاء شر قومهم باللجوء إلى ملك الحبشة (اثيوبيا واريتريا وقتها).” جاءت استقالة رئيس الوزراء الاثيوبي هيلامريم ديسالين الأسبوع الماضي مفاجئة لكثيرين في المنطقة والعالم، لكن المتابع لتطورات الأوضاع في اثيوبيا في العامين الأخيرين كان يتوقع أمرا كهذا أو أكثر منه. ولأن أغلب أخبار اثيوبيا باللغة العربية في الآونة الأخيرة تركزت بالأساس على مشكلة السد الذي تقيمه على رافد رئيسي لنهر النيل وتهديده حصة بلد مصب النيل من مياهه فلم يكن هناك اهتمام كبير بغليان داخلي في البلاد وصل إلى حد مقتل أكثر من ألف شخص على يد قوات الجيش والأمن واعتقال أكثر من عشرين ألفا مع استمرار الاحتجاجات والمظاهرات في أنحاء مختلفة في البلاد وتطورها أحيانا لأعمال عنف نتيجة الصدام مع قوات الجيش والأمن. ونتيجة مشكلة سد النهضة الاثيوبي مع بلد المصب مصر وحتى السودان التي تشارك ثلاثيا في محاولات تسوية المشكلة، تفاجأ كثيرون ممن لا يتابعون أوضاع اثيوبيا الداخلية بالتطورات الأسبوع الماضي والتي لا يتوقع أن تكون الأخيرة.بداية، تعود أهمية اثيوبيا إلى أنها البلد الأكبر والأكثر والأهم في منطقة القرن الافريقي، وإلى جانب وجود أحد أكبر روافد نهر النيل فيها تشكل سواحلها على جنوب البحر الأحمر أهمية استراتيجية كبرى. ولطالما كانت اثيوبيا ظهيرا مهما للعالم العربي، بل انها "وجهة الهجرة الأولى" حين أمر نبي الاسلام عليه الصلاة والسلام أتباعه في مهد الدعوة لاتقاء شر قومهم باللجوء إلى ملك الحبشة (اثيوبيا واريتريا وقتها). كما أن اثيوبيا هي الشق الثاني لبطريركية الاسكندرية ما مثل ثقلا مسيحيا موازيا لروما الكاثوليكية. ولا يقتصر الأمر على التاريخ والجغرافيا (الأهمية الجيوسياسية) بل إن اثيوبيا اصبحت وجهة مهمة للقوى التي تتبع ما يسمى "التكالب على افريقيا" في السنوات الأخيرة. فالصين مثلا، التي تسعى وراء موارد المواد الخام والتوسع الاستثماري في افريقيا تحولت الى اثيوبيا في السنوات الأخيرة بعدما كان السودان وجهة مهمة للاستثمارات الصينية.منذ وفاة ميليس زيناوى عام 2012 شهدت اثيوبيا فترة من العمل في اطار شرعيته في الحكم إلى أن بدأت الملايين من جماهير الأغلبية الشعبية تئن تحت وطأة الأوضاع المعيشية المتردية في الوقت الذي يعلن فيه عن استثمارات ومشروعات ضخمة لا يشعر الناس العاديون بأي أثر لها على اقتصادهم الشخصي. ورغم التدفقات الصينية وغيرها (من تركيا وبعض دول الخليج) لم يجد الاثيوبيون فرص العمل الموعودة التي تدفع لتحسين أوضاعهم المعيشية، كما يحتج آخرون على استيلاء الحكومة على اراضيهم للمشروعات الصينية والتركية وغيرها وحتى المشروعات الزراعية أضرت بالفلاحين دون أن يشعر الجمهور العام بعائد مباشر يطالهم. ومنذ عام 2016 اندلعت مظاهرات واحتجاجات في مناطق مختلفة وفي بعض الأحيان وصلت إلى قرب العاصمة أديس أبابا ما دفع الحكومة لإعلان حالة الطوارئ بما يسمح باستخدام الجيش لقمع المظاهرات والاحتجاجات، خاصة بعدما فقدت قوات الأمن السيطرة أحيانا وعصيان بعض القوات لأوامر قمع المتظاهرين من أبناء جلدتهم المناطقية والعرقية.ويعد العامل العرقي أحد أهم أسباب المشاكل الداخلية في اثيوبيا، التي يزيد عدد سكانها عن مئة مليون نسمة أغلبيتهم من عرقية الأورومو والأمهرة، بينما لا تمثل أقلية التيغراي سوى نحو ستة في المئة من السكان. لكن التيغراي هم المسيطرون على الحكم ويشكلون الأغلبية في ائتلاف الأحزاب الأربعة الحاكمة. تلك الأحزاب هي ما تبقى من الحركة الماركسية في اثيوبيا التي لم تفلح في التحول إلى الرأسمالية الاقتصادية بشكل جيد وانتهى بها المطاف إلى مزيج من الفساد والقمع كما يرى كثير من الاثيوبيين. لذلك ينصب غضب الجماهير على الحكومة بدوافع معقدة اقتصادية/سياسية/عرقية بما جعل استمرار الحكومة الحالية في السلطة أمرا صعبا ويهدد بإسقاط النظام بالكامل. وكانت الحكومة رفعت حالة الطوارئ في أغسطس الماضي وأفرجت عن بعض المعتقلين ومنهم قادة في المعارضة، فيما بدا أنه مؤشر على هدوء الأوضاع. لكن الحكومة الأثيوبية عادت وفرضت حالة الطوارئ الأسبوع الماضي لمدة ستة أشهروقال وزير الدفاع إنها يمكن أن تمدد ما يعني أن الحكومة بحاجة للجيش لقمع الاحتجاجات وفرض السيطرة على البلاد بالشكل الذي لم تستطعه قوات الأمن. ومع أن وزير الدفاع صرح بأن الجيش لن يستولى على السلطة، إلا أن استمرار هيلامريم ديسالين كرئيس حكومة تصريف أعمال لن يطول كثيرا وإذا لم يتمكن الائتلاف الحاكم من تشكيل حكومة توافقية مع تلبية على الأقل بعض المطالب الشعبية فيصعب التنبؤ بتطورات الأوضاع وقد يحتاج الجيش للإمساك بزمام الأمور. وإذا كانت الصين مثلا لا تهتم كثيرا بالشؤون الداخلية للبلاد الافريقية (وغيرها) التي تستثمر فيها إلا أن استقرار الأوضاع وقدرة السلطات على السيطرة على أوضاع بلادها هاجس أساسي لأي مستثمر – بما في ذلك الصينيون. ولا يقتصر الاهتمام بتطورات الأوضاع في اثيوبيا على المستثمرين الأجانب من الصين لأميركا، وإنما يخص أيضا دول الاقليم وربما مصر أكثر رغم مشاكلها مع اثيوبيا. فمن يدري ما الذي يمكن أن تسفر عنه التطورات الحالية وكيف ستتعامل مصر ـ أو غيرها من الدول الاقليمية التي لها تعاملات مع اثيوبيا: سلبية أو ايجابية ـ مع مجهول في الأفق!!