الخشوع هو الخوف من الله تعالى ومراقبته، والشعور بقربه من عبده، وكلّما امتلأ القلب بمعرفة الله تعالى ومحبته وخشيته وإخلاص الدين له وخوفه ورجائه قوي خشوعه وانكساره وتعلّقه بربه.
والخشوع يحصل في القلب ثم يتبعه خشوع الجوارح والأعضاء، من السمع والبصر والرأس وسائر الأعضاء حتى الكلام، ولذا كان رسول الله يقول في ركوعه:(اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومخي وعظمي وعصبي، وما استقلَّت به قدمي) ـ أخرجه مسلم.
فإذا خشع القلب خشعت الجوارح وظهر عليها السكون والطمأنينة والوقار والتواضع، وإذا فسد خشوع القلب بالغفلة والوساوس فسدت عبودية الأعضاء وذهب خشوعها.
والخشوعُ في الصلاة إنما يحصُل لِمَن فَرَّغَ قلبَه لها، واشتَغَل بها عمَّا عَدَاها، وآثرَها على غيرها، وحينئذٍ تكون له قُرَّةَ عيْن، عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(حُبِّبَ إليَّ مِن الدُّنيا النساءُ والطِّيب، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة) بل إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلَّى، وكانَ يقولُ:(قُمْ يا بلال، فَأَرِحْنا بِالصلاة).
إن الخشوع يتفاوت في القلوب بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعت له وبحسب تعظيمها له، وبمقدار هذا التفاوت يكون تفاضل الناس في القبول والثواب وفي رفع الدرجات وحط السيئات، عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ قال: أشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهدٌ أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه) ـ صحيح أبي داود، وروى الإمام مسلم وغيره قوله (صلى الله عليه وسلم):(ما من امرئٍ مسلم تحضره صلاةٌ مكتوبة فأحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يؤتِ كبيرة؛ وذلك الدهر كله) ـ صحيح مسلم، وعن عثمان ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(من توضأ نحو وُضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه بشيء غُفر له ما تقدم من ذنبه) ـ صحيح البخاري الصلاة الخاشعة هي الراحة الدائمة للنفوس المطمئنة؛ المؤمنة بلقاء ربها؛ الواثقة بوعده.
ومن أسباب الخشوع في الصلاة: لعلنا نعملُ بها فنكون من الخاشعين، فمن تلك الأسباب:
1 ـ الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها: ويحصلُ ذلك بأمور منها: التَّرديد مع المؤذن، والإتيان بالدعاء المشروع بعده، والدعاء بين الأذان والإقامة، وإحسان الوضوء، والتسمية قبله، والذكر والدعاء بعده، والاعتناء بالسواك، وأخذ الزينة باللباس الحسن النظيف، والتبكير والمشي إلى المسجد بسكينة ووقار، وانتظار الصلاة، وكذلك تسوية الصفوف والتراص فيها؛لأن الشياطين تتخلل الفرج بين الصفوف.
2 ـ الطمأنينة في الصلاة: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى موضعه.
3 ـ تدبر الآيات المقروءة وبقية أذكار الصلاة والتفاعل معها: ولا يحصل التدبر إلا بالعلم بمعنى ما يقرأ فيستطيع التفكر فينتج الدمع والتأثر، قال الله تعالى:(وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً) (الفرقان ـ 73).
4 ـ ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها: لقوله تعالى:(وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (المزمل ـ 4)، ولقوله (صلى الله عليه وسلم):(زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً).
5 ـ أن يعلم أن الله يجيبه في صلاته: قال (صلى الله عليه وسلم):(قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الحمدلله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) ـ رواه مسلم، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه.
6 ـ النظر إلى موضع السجود: لما ورد عن عائشة أنَّ رسول الله كان إذا صلَّى طأطأ رأسه و رمى ببصره نحو الأرض.
7 ـ التنويع في السُّور والآيات والأذكار والأدعية في الصلاة: وهذا يُشعر المصلي بتجدد المعاني، ويفيده ورود المضامين المتعددة للآيات والأذكار فالتنويع من السنة وهو الأكمل في الخشوع.
8 ـ الاستعاذة بالله من الشيطان: الشيطان عدو لنا ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمصلي كي يذهب خشوعه ويلبس عليه صلاته، والشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد السير إلى الله تعالى، أراد قطع الطريق عليه، وقد أرشدنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى مواجهة كيد الشيطان وإذهاب وسوسته: بالتعوذ بالله والتفل على اليسار ثلاثاً، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي العاص.
9 ـ تأمل حال السلف في صلاتهم: هذا عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ كان إذا صلى كأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه، وكان علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: مالك؟ فيقول: جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها!.