اليوم، وفي مجتمع مصاب بالاتصال المفرط، قلت قيمة العزلة عما كانت عليه في أي وقت مضى، ورغم أن العديد من كبار المفكرين تحدثوا عن الفوائد الفكرية والروحية للعزلة، إلا أن الكثير من البشر المعاصرين يتجنبونها بشتى الطرق، وينظرون إليها كأمر سلبي، وينتابهم خوف داخلي منها، وهذا النفور الشديد يظهر في الثقافة الشعبية، لكن الحقيقة أن العزلة بين الفينة والأخرى تمنح مساحة صحية للراحة..

يميل الإنسان كمخلوق اجتماعي إلى العيش وسط الجماعة ومن الطبيعي أن يحبذ إقامة علاقات متبادلة، إنما وفي ظل نمط الحياة الحديثة وصخبها اليومي، أصبح لا يستطيع أن يخصص لنفسه وقتا كافيا، فيلجأ البعض إلى عزلة نفسه باختياره عن السياق الاجتماعي لحياته ربما لأخذ قسط من الراحة النفسية التي يحتاجها أي منا وتنشيط ذاكرته وإعادة انطلاقه مجددا.
إنه أمر لا يرتبط بالسن أو الجنس أو المستوى التعليمي، فالجميع يحتاج إلى قدر من العزلة أوصى بها الباحثون من خلال البعد عن التفاعل الاجتماعي كلما أمكن ذلك. وقد قال ماثيو بووكر، أستاذ العلوم السياسية والفلسفة والتواصل بين الثقافات في كلية مديل إن العزلة لا تقل أهمية عن ممارسة الرياضة أو تناول الطعام الصحي.
اليوم، وفي مجتمع مصاب بالاتصال المفرط، قلت قيمة العزلة عما كانت عليه في أي وقت مضى، ورغم أن العديد من كبار المفكرين تحدثوا عن الفوائد الفكرية والروحية للعزلة، إلا أن الكثير من البشر المعاصرين يتجنبونها بشتى الطرق، وينظرون إليها كأمر سلبي، وينتابهم خوف داخلي منها، وهذا النفور الشديد يظهر في الثقافة الشعبية، لكن الحقيقة أن العزلة بين الفينة والأخرى تمنح مساحة صحية للراحة، وتزيد من القدرة على الإبداع وعلى الابتكار، وتعزز الثقة في النفس والاستقلالية والإنتاجية، وتدعم القدرة على التفكير واتخاذ القرار وتقوية للذات والتعرف على النفس أكثر، وإعادة شحن الطاقة بشكل إيجابي وتجديد النشاط، نظرا لغياب عناصر التشويش والإلهاء والتأثير السلبي على الإنتاج.
ما زال البعض، وبشكلٍ خاص الأشخاص الأكثر ذكاءً، يستمتعون بلحظاتٍ هادئةٍ من حينٍ لآخر وبشكلٍ متكرر. فالتمسك بالبقاء دائما في إطار المجموعة يخلًف أضرارا للعقل، وقالت سوزان كين مؤلفة كتاب قوة الانطوائيين في عالم لا يتوقف عن الكلام، إن العالم في حاجة للانطوائيين لأنهم أكثر الأشخاص إبداعا، وأغلب القادة التاريخيين كانوا في الحقيقة يميلون للانطواء. وقد عرف عن الكتَّاب ـ خاصة الذين اشتهروا في مراحل مختلفة، أنهم كانوا يميلون إلى العزلة، وأن هذا الجلوس مع النفس فيه فرصة لتنظيم الأفكار، وتفجير الطاقات المعرفية والوجدانية الكامنة.
العلماء الآن يتعاملون مع العزلة كممارسة قد تكون لها فوائد علاجية، إذا ما كانت اختيارية، فالعزلة تكون مثمرة كما يقول كينيث روبين، الطبيب النفسي في جامعة ميريلاند، إذا كانت طوعية، وإذا كان يستطيع الانضمام إلى مجموعة والاندماج في المجتمع عندما يريد. ويكون قضاء قدرا من العزلة حينها ذا فوائد نفسية عديدة. وحتى لا تضر العزلة بالصحة جسديا ونفسيا واجتماعيا، يحذر من الغلو فيها لأن زيادتها قاتلة، ويحذر من نقصانها لأنها قد تجلب السفهاء والحمقى، وعدم انعدام الثقة في العزلة، فانعدام الثقة له عواقب.

سهيلة غلوم حسين
انستجرام/ suhaila.g.h تويتر/ suhailagh1 إيميل/ [email protected]