[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/mohamedaldaamy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]أ.د. محمد الدعمي[/author]
لقد فرض الأساتذة التقليديون من المختصين في الأدب عامة، والأدب العربي خاصة، أقول إنهم قد فرضوا شكلا من أشكال "الإقامة الجبرية" على النقد الأدبي العربي في دواخل زنزانة مظلمة حتى استحال إلى مجموعة وريقات اختزلها مؤلفو الكتاب المنهجي لمادة "النقد الأدبي" في الصفوف المنتهية من المرحلة الثانوية بضمن حدود خانقة. وقد قدم هؤلاء المحافظون النقد الأدبي لعقول شبابنا على نحو عقيم لا يوحي بالإبداع...

ما فتئ منظرو الثقافة الأميركان يعدون كل رأي (إيجابي أو سلبي)، وفي أي موضوع نقدا حتى وإن كان "مقالة رأي" حول أحد عروض الأزياء، وذلك في سباق توسيع فضاء النقد، من الآداب والفنون الأخرى، نحو كل ما هو ذو شأن في الحياة العامة. ولكن في حقيقة الحال، أشر ذلك مواضع التنائي والاختلاف بين مداخلنا العربية الإسلامية العتيقة والمحافظة على دلائل النقد التقليدية المتوارثة، ومن ناحية أخرى، لا بد من وجود اختلاف بيننا وبين المداخل الغربية في دواخلنا لهذا الموضوع المهم.
لقد فرض الأساتذة التقليديون من المختصين في الأدب عامة، والأدب العربي خاصة، أقول إنهم قد فرضوا شكلا من أشكال "الإقامة الجبرية" على النقد الأدبي العربي في دواخل زنزانة مظلمة حتى استحال إلى مجموعة وريقات اختزلها مؤلفو الكتاب المنهجي لمادة "النقد الأدبي" في الصفوف المنتهية من المرحلة الثانوية بضمن حدود خانقة. وقد قدم هؤلاء المحافظون النقد الأدبي لعقول شبابنا على نحو عقيم لا يوحي بالإبداع، إذ إنه لا يتجاوز حدود التعريف في "الطباق" و"الجناس" و"التناص"، مركزين على أدوات التزويق اللفظي الأخرى، وملاحظين فقط أن النص الأدبي إنما ينقسم إلى "شكل" و"مضمون"، وعلى نحو مفرط بالتبسيطية. بيد أن آفاق النقد بالنسبة لعقول شبيبتنا الوثابة لم يدم طويلا على هذه الحال، أي في تمسكه بالخطوط العريضة التي رسمها مربون تقليديون أجلاء من طراز هؤلاء الذين ألفوا الكتب المنهجية المقررة القديمة، خاصة بالنسبة لخريجي الثانوية والدراسات الجامعية الأولية مقارنة بهؤلاء الذين أكملوا دراساتهم بين أقسام اللغات الأوروبية واللغات الشرقية في كليات الآداب واللغات: فذهب الفريق الثاني أعلاه لدراسة الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية والروسية والإيطالية من بين سواها من لغات أوروبا، إذ إن الاطلاع على الآداب الغربية ألزمهم بالانعتاق من أغلال مؤلفي كتب النقد الأدبي التقليدي، خاصة بعد أن حررت هذه الآداب الأوروبية معنى النقد في دواخل عقول هؤلاء الشبان نحو آفاق واسعة، نظرا للدلالات التي أضفتها العقول الأوروبية لأنشطة النقد، محررة إياها، أولا، من أن تكون أنشطة "أدبية" محدودة حسب، أي أنشطة دراسة الرثاء والمديح والفخر والحكمة و"شعر الجِدية"، من بين سواها من أجناس الشعر؛ وثانيا، أطلقت العقول الأوروبية النقد نحو أجواء الثقافة عامة نحو أجواء أدوارها وآثارها الواسعة على الحياة.
هذا هو جوهر ما أنجزه المفكر البريطاني الفكتوري الفذ "ماثيو آرنولد" (القرن التاسع عشر) في مقالته العملاقة الموسومة "وظيفة النقد اليوم"، وهي تلك المقالة العملاقة التي قادت إلى إعلان استحالة النقد إلى "نقد ثقافي" عام، نقد يشمل الحياة وظواهرها ومعطياتها وآليات مجتمعاتها. لهذا السبب صار هذا هو المعنى الأوسع للنقد، أي المعنى الذي تم اعتماده في العالم الغربي على نحو أدق باتجاه المفهوم الصحيح للأدب بوصفه "كل نشاط فكري يتصل بالعقل".
إنه عصر الثورة الصناعية في بريطانيا الفكتورية، أي العصر المسؤول عن تحرير النقد من أغلال الجناس والطباق والقافية والتزويق اللفظي، نحو أجواء الحياة عامة، خاصة في عصور الانتقال والصيرورة، وهو كذلك العصر الذي شهد تحول بريطانيا، دولةً ومجتمعا، من كيان حبيس في بقايا العصر الوسيط المتواهنة إلى أول مجتمع يرضخ إلى معطيات عصر الصناعة ورأس المال الشجاعة. لذا توجب علينا أن نوسع مدارك تلاميذنا بقدر تعلق الأمر بالمعنى الحق للنقد، بوصفه أداة لإصلاح الحياة وتحسين نوعيتها.
وقد حرر مفهوم "ماثيو أرنولد" للنقد العقل الإنساني على سبيل بلوغ ما كان الرجل قد أطلق عليه عنوان: "اللعب الحر بالأفكار"، بمعنى أشبه ما يكون بــ"الرياضة" الفكرية التي لا يحدها جدار مصطنع وقواعد قسرية قاهرة. لذا، فقد تفاجأ تلاميذي في الدراسات العليا بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة بغداد عندما طلبت منهم الاطلاع على مؤلفات المفكر البريطاني العملاق "جون رسكن" الذي كرّس حياته لدراسة ونقد فن العمارة، وهو حقل بدا بالنسبة إليهم أبعد ما يكون عن الأدب. هم اليوم ليسوا بنادمين على قراءة كتب مهمة جدا حول فنون العمارة.