يؤكده انه لا توجد سينما سودانية، وهناك إجتهادات لمخرجيننحن غائبون تماما عن عالم الصورة، لا تبادل ثقافى بين بلداننا السودان انموذجا مصغرا للقارة الافريقية وهو فى مكان القلب منها بتكوينه الإثنى ولغاته وثقافاته في السلطنة أينما تضع الكاميرا تنفتح لك الزوايا واللقطات البانوراميةحوار ـ خميس السلطي:يعتبر الفنان السينمائي السوداني سليمان محمد إبراهيم ، من بين أهم الأسماء السودانية التي اشتغلت على واقع السينما وخصوصيته، فقد حاول من خلال مسيرته إيجاد مساحة خاصة لهذا الواقع الثقافي الإنساني، متحديا مع العديد من زملائه في الجانب الكثير من الإشكاليات والعراقيل التي واجهها، سواء كان ذلك على مستوى (السوداني) أو حتى الخارج وهو في الرحلات الدراسية، فسليمان محمد إبراهيم حاصل على دبلوم فولكلور، معهد الدراسات الافريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم 1982 ، وعلى الماجستير في الإخراجال السينمائى، من معهد الدولة للسينما (فكيك)، موسكو 1978 ، كما عمل أستاذا مساعدا، في برنامج الصحافة وعلوم الإتصال، كلية السودان الجامعية للبنات، وعمل أيضا بقسم السينما فى مصلحة الثقافة 79 – 1981 وأحيل للتقاعد فى 1981 ، ثم عاد ليكون في مؤسسة الدولة للسينما 86 – 1990 وأحيل مرة أخرى فى مايو 1990.قدم السينمائي سليمان إبراهيم العديد من السيناريوهات والأفلام من بينها نقطة تحول، فيديو 2017- مشروع التكيف مع التغير المناخى، برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، ونوافذ المستقبل 2015- مشروع الأحواض المائية الشرقى"مشروع دول حوض النيل". وإلى جانب أعماله نقل إلى اللغة العربية عن اللغة الروسية كتاب "بدايات السينما الأفريقية" إصدار دار جامعة الخرطوم للنشر 1988 واعيد نشره فى 2016 دار مدارك للنشر، كما نقل إلى العربية عن اللغة الإنجليزية بالإشتراك مع الأستاذ إسماعيل الفحيل كتاب "الحكايات الشعبية عند الجعليين" لمؤلفه د. سيد حامد حريز، دار الجيل للنشر، وعضو هيئة تحرير مجلة "سينما" التى صدرت منها أربعة أعداد من قسم السينما بمصلحة الثقافة فى أعوام 79- 1980ومجلة "السينما" التى صدر منها عدد يتيم عام 1987 و بعد صدورها مجددا عن جماعة الفيلم السودانى فى 2016 ، كما إنه عضو لجنة تحكيم مهرجانى وارسو وطهران للأفلام التسجيلية مايو وأكتوبر 2008 ، وعضو مؤسس لجماعة الفيلم السودانى ورئيس اللجنة التنفيذية، إلى جانب ذلك رئيس سكرتارية جائزة الطيب صالح للإبداع الروائى بمركز عبدالكريم ميرغنى الثقافى. زار السلطنة مؤخرا وقدم محاضرة بمقر النادي الثقافي بعنوان (إضاءات حول السينما السودانية).- بداية نود التعرف على الإنطباع العام ومعرفتك بواقع السينما فى السلطنة بشكل خاص والخليج بشكل عام ... كيف تسجل رؤيتك الإنطباعية فى هذا الجانب؟- كلنا فى الهم شرق ... فى واقع الأمر نحن غائبون تماما عن عالم الصورة، لا تبادل ثقافى بين بلداننا ويبدو أن النشاط فى هذه الجبهة الثقافية بالغة الحساسية طابعه أهلى وطوعى، يتناهى إلى أسماعنا، وليس لإبصارنا، فيلم هنا ومهرجان سينمائى هناك وقناة فضائية تعنى بالفيلم التسجيلى ... تعرفت من خلال كتابات الناقد والباحث العمانى عبدالله حبيب فى كتابه الجميل "مسآءلات فى السينما" عن إهتمام شيق وعميق بالفن السينمائى. تتيح لى هذه الزيارة السريعة للسلطنة الوقوف والتعرف بما لديكم وما لدينا فى السودان.- لو أردنا القول بصورة أكثر وضوحا، ومن خلال وجهة نظرك الشخصية، ما هى إشكاليات قيام سينما عربية لها ملامح واضحة فى المنطقة العربية؟- هذه إشكالية قديمة متجددة إنطرحت على مستويات مختلفة، السينما التجارية السائدة وفيلم النجوم وسيطرة المنتج، السينما البديلة، سينما المؤلف، السينما المستقلة.. فالواقع فى البلدان العربية ليس واحدا والقضايا والمشكلات ليست واحدة بجانب هيمنة السياسى على الثقافى ... السينما المصرية ذات التاريخ العريق يسيطر عليها المنتج ما عدا تجارب متفردة لمخرجين لا تجد الدعم والمساندة وذكرى مبشرة كانت على أيام المؤسسة العامة للسينما فى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى .. وأسماء وأفلام وتيارات برزت ثم خبأ بريقها فى العراق والكويت وسوريا والجزائر وتونس .. القطاع الخاص لا يستثمر فى صناعة السينما ذات العائد البطىء وهو ليس على إستعداد لتحمل حرية المبدع وبما فى ذلك الدولة (الحكومات) نفسها. أرى أن تتولى الدولة توفير البنيات التحتية المطلوبة للإنتاج السينمائى وميزانيات لهيئة يديرها السينمائيون بإستقلالية تامة أو ربما إنشاء بنوك تعنى بالإبداع.- لو نقترب فعلا من السينما في السودان ، نود التعرف على تاريخ وحقيقة السينما السودانية؟ وكيف هى الآن؟- بداية لا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد سينما سودانية، هناك إجتهادات لمخرجين متفرقة ومتباعدة لم يتح لهم تطوير تجاربهم وتقديم رؤاهم. لم نملك صناعة سينما ولا بنيات على النحو المتعارف عليه، بالكاد تتوفر ميزانية فى غاية التواضع وكاميرا وحامل كاميرا وفيلم خام وعواكس إضاءة ومايكرفون لا يكاد يفى بالغرض. نتحدث عن السينما فى السودان من حيث المشاهدة والثقافة والمشاهدة مغيبة .. تحقيق الأفلام يعنى متلقى/مشاهد يذهب إلى دار العرض السينمائى حيث تعرض الأفلام ودور العرض فى السودان توقفت منذ أكثر من عقدين من الزمان ، لقد إمتدت الخبرة السينمائية فى السودان منذ أوائل القرن الماضى بعد سنوات قليلة من إختراع السينما حيث تعرف المشاهد على فن الفيلم، وفى منتصف القرن بدأ الإنتاج الفيلمى، ورغم الطموح المتواضع الذى وسم إنتاج الأفلام فى السودان إلا أن هذا الطموح ظل حيا بشكل ما بما راكمه من جهود هنا وهناك حتى تستطيع السينما تخطى عقباتها المتتالية وتحدث قفزة نوعية كل مقوماتها كانت تتطور حثيثا. كانت البدايات مبكرة كون السودان كان مستعمرة إنجليزية وبعد أقل من عقد من الزمان صورت مشاهد مختلفة من قبل مصورين أجانب ، كانت زيارة الملك جورج الخامس لميناء بورتسودان فى طريق عودته من الهند مناسبة لتوثيق هذه الزيارة للملك وهو يقابل مشائخ وأعيان مدينة بورتسودان وكانت مناسبة إفتتاح وصول خط السكك الحديدية لمدينة الاُبيض فى أواسط غرب السودان هى حدوث أول عرض، بين قوسين، جماهيرى فى الثانى عشر من فبراير عام 1912م وهكذا صرنا نؤرخ لميلاد المشاهدة السينمائية فى السودان ثم من بعد ذلك كانت عروض محدودة مقفولة على المستعمرين والجاليات الأجنبية كما شهد معهد بخت الرضا لتدريب المعلمين عروضاً تعليمية بماكينة عرض مقاس 16ملم. تلى ذلك إفتتاح أول دار عرض فى العام 1935 بإسم سينما كلزيوم وربما أيضاً تأسيس دار عرض فى مدينة عطبرة مركز سكك حديد السودان. فى العام 1946 أدخل المستعمر السينما المتجولة التى كانت تجوب القرى والأرياف فى عروض طابعها إرشادى وتعليمى وأحياناً تعرض أفلاماً روائية بجانب إلحاق عربة بالقطارات تسمى عربة السينما والتى تفصل من القطار فى المحطات النائية لتعرض أفلاماً للعاملين فى السكك الحديدية و للمواطنين فى تلك الأنحاء. تأسست وحدة أفلام السودان فى العام 1951 ومؤسسة الدولة للسينما فى العام 1970 وقسم السينما بمصلحة الثقافة فى العام 1974 ثم تم تصفية كل هذه الأجسام الحكومية بدءاً من 1990 حتى اختفت جميعها. كانت توجد 65 داراً للعرض السينمائى واغلقت جميعها. ومع ذلك يوجد إتحاد للسينمائيين السودانيين وجماعة الفيلم السودانى (جمعية ثقافية غير حكومية) وينتظم شباب فى مسميات سينمائية متنوعة. ثمة أمل مشاغب يختبىء في مكان ما، علينا أن نحقق المزيد من العمل؛ إن عالم الأفلام يستحق ذلك، هكذا علق زميلنا المخرج السينمائى الطيب مهدي. علنا نستحق لقب (المتشائل) وإذا سرنا على نهج قصيدة الفيتوري، نقول: "تحلم الكاميرات بالدفء في أيدى المصورين"، الآمال عراض لنجاح مبادرة إنتاج الفيلم الطويل، الروائى والتسجيلى، التى أطلقتها جماعة الفيلم السودانى عن طريق الدعم الشعبى من منظمات المجتمع المدنى والأفراد..- نقلت إلى اللغة العربية عن اللغة الروسية كتاب "بدايات السينما الأفريقية" عام 1988، نود التعرف على حيثيات هذا الكتاب ومضمون أفكاره وتوجهاته؟- يمثل السودان انموذجا مصغرا للقارة الافريقية وهو فى مكان القلب منها بتكوينه الإثنى ولغاته وثقافاته، تتشابه ظروفه مع بقية بلدان القارة وشهدت فترة الستينيات من القرن الماضى مرحلة التحرر من الإستعمار يتناول الكتاب بدايات السينما فى افريقيا إنتاجا ويستعرض الإنتاج الإستعمارى عن افريقيا الذى رسخ صورة ذهنية مشوهة وشائهة عن افريقيا وشعوبها ثم مع إستقلال الشعوب الافريقية صارت السينما سلاحا ثقافيا فى إعادة البناء والوعى القومى. يسمى الكاتب تيارات السينما الافريقية الناشئة بسينما التراث وسينما السياسة وتناول قضايا المرأة والهجرة من الريف إلى المدينة والمهاجرين فى اوروبا وفساد الحكام إلخ. يفرد الكتاب فصلا كاملا لشهادات المخرجين السينمائيين الرواد ثم فصلين يبحثان فى "من التقليد إلى الفن" وارتباط الثقافة الشفاهية القائمة على الحكى بالفن السينمائى.- "وجع البلد" فيلم انتج عام 2009 شدنى كثيرا عنوان هذا الفيلم، ماذا أردت أن تقول فى رسالته وفكرته؟ نود أن نقترب منه كثيرا؟- شابة من بنات دارفور فى غرب السودان، ذلك الإقليم المضطرب بالنزاعات على الموارد الطبيعية والصراعات المسلحة، تقتفى طريق شقيقتها الراحلة فى تحرير صحيفة حائطية تعلقها على شجرة هجليج فى الطريق المجاور لبيتهم. هزتها وزلزلتها مجريات الأحداث ومشاهد الموت المجانى وسط زخات الرصاص وأزيز الطائرات المحلقة فوق الرؤوس والرقاب. تؤدى دورصحفية وتستجلى عبر حوارات تجريها مع شخصيات مكونة لهذا الصخب والعنف .. الفيلم جزء من ثلاثية تناولت قضية إقليم دارفور أخرج الجزئين إبراهيم شداد بعنوان "زرقة" والآخر من إخراج الطيب مهدى بعنوان "عيال المطمورة".- يبدو أن لديك تجربة ثرية فى مجال الترجمة خاصة فيما يتعلق بالسينما وهذا واضح من خلال ما قدمته فى السنوات الماضية، لنكتشف من خلالك هذه التجربة ونتعرف عليها؟- مجرد هواية لإدارة الزمن المهدر وبضع كتب رأيت أهمية تعريبها لتوسيع دائرة قرائها ولقلة المعرفة بموضوعات تهمنا سودانياُ وعربياً مثل بدايات السينما الافريقية للناقد السينمائى "السوفيتى" سيمن ماركوفيتش وكتاب آخر لإستاذى عالم الفولكلور بروفيسر سيد حامد حريز الموسوم ب "الأحاجى الشعبية عند الجعليين" والجعليين قبيلة فى شمال السودان ذات جذور عربية نوبية والكتاب يبحث فى الموتيفات العربية والافريقية فى هذه الأحاجى وأهمية الكتاب أنه صدر فى النصف الثانى من ستينات القرن الماضى حيث نشطت حركة البحث فى وعن جذور الهوية السودانية. كتاب ثالث ينقل لنا الحكايات الشعبية لدى قبيلة الدينكا فى جنوب السودان وجامع الحكايات هو الدكتور فرانسيس دينق أحد ألمع المثقفين والكتاب فى جنوب السودان. الجدير بالذكر أن الكتب الثلاث ترجمتها بالإشتراك مع زملاء كانت لديهم ذات الحماسة وهم الصديقة الراحلة زينب عبدالمجيد وإسماعيل الفحيل وعبدالجبار عبدالله وذلك حصاد إهتمامات مشتركة معهم- أنت رئيس سكرتارية جائزة الطيب صالح للإبداع الروائى، لنتعرف على مهمتك الرئيسة في هذا الشأن؟- عمل السكرتارية إدارى بحت ولكنها فرصة طيبة أن احدثكم عن مركز عبدالكريم ميرغنى الثقافى بمدينة امدرمان الذى يشرف على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائى والتى تستهدف ناشئة الكُتَاب وقد اكملت دورتها الخامسة عشر بجانب عدد مماثل من المؤتمرات العلمية للرواية. يعقد مؤتمر صحفى فى 21 اكتوبر من كل عام لإعلان الفائز بالجائزة والفائزين بالجوائز التقديرية. ما يسعد مركز عبدالكريم ميرغنى الثقافى أن الروائى الطيب صالح إختار المركز لتنطلق منه الجائزة وتشريفه للمركز بالإشراف عليها. للمركز نشاط ثقافى ضخم فى النشر والدراسات ومسابقات فى القصة القصيرة والمسرح.- لقد قمت مؤخرا بزيارة للسلطنة وبكل تأكيد قمت بتسجيل إنطباعات متداخلة عنها، لتخبرنا عنها؟ وأجمل ما يميزها عن غيرها فى نظرك؟- أينما تضع الكاميرا تنفتح لك الزوايا واللقطات البانورامية .. المدينة تتخذ هيئتها وتتبدل تضاريسها بين أشعة الشمس أو وقت المغيب أو إضاءة لمبات النيون ليلا، الضوء والظل يشكلان منها لوحة تنظر إليها كل مرة من زاوية مختلفة ، البحر والهدوء الرائق ، تبدو لى الشوارع خالية من المارة ، من يصنع كل هذا البهاء أنحاء المدينة ، سيارات تشق الطرقات ، عناية فائقة بالبيئة والخضرة ، الطابع المعمارى والألوان جامع السلطان قابوس الأكبر، دار الاوبرا السلطانية مسقط، ، المتاحف، الرستاق ونبع المياه المعدنية والقلعة الشامخة ومدينة صور وصناعة المراكب والجدارية التى تزين ساحل مصائد الأسماك ، فى هذه الزيارة القصيرة جدا كان مرشدى فى الرستاق د. نجومى اسامة وفى صور الاستاذ بالكلية التطبيقية بهاءالدين محد إبراهيم وفى مسقط صديقى العزيز الشاعر يوسف الحبوب الذى إصطحبنى إلى دار الاوبرا لحضور حفل المغنية الأمريكية آن هامبتون ، كما اصطحبنى بسيارته الكاتب والناقد السينمائى العمانى عبدالله حبيب إلى مدينة صور وزاد فى حفاوته بأن أهدانى مؤلفاته ، أضف إلى ذلك أن تزامنت زيارتى مع العيد الوطنى للسلطنة وما لفت انتباهى أعلام السلطنة مرفوعة فوق المبانى و "لا زيطة ولا زمبريطة" ، عبركم اسجل تقديرى للجالية السودانية فى مسقط ومدينة صور وللنادى الثقافى العمانى ولإذاعة عمان وللإذاعى البارع سليمان المعمرى ولتغطيات الصحف العمانية للإضاءات التى قدمتها عن أوضاع السينما فى السودان. واخيرا أتمنى أن تتبنى جمعية السينما العمانية فكرة السينما المتجولة فى السلطنة، إن لم تكن موجودة، ... فالمشاهدة السينمائية ليست كمثل مشاهدة الأفلام فى التلفزيون ... لديكم الآن كلية تدرس مهارات صناعة الأفلام فى صور ... إنتاج أفلام إرشادية وتثقيفية وتسجيلية ممكن بجانب أسماء لها تجارب جادة مثل المخرج سما عيسى ومحمد الكندى ... الوصول إلى المواطنين فى أماكن سكنهم ... إدارة حوارات حول موضوعات الأفلام.