سالمرفع سالم نظره إلى الأعلى بتأنيب ضمير، وخجل شديد، فوجد والدته هناك، مجنحة، تتراءى له في السماء. كانت ترتدي ذاك اللبس المفضل لديها، بلوزة صفراء من الأعلى، ذات نهاية خضراء من الأسفل، اللون الذي يشبه لون الجنة كما كانت تدّعي دائما، بتنورتها السوداء الحريرية التي تلبسها غالبا في السهرات العائلية الدافئة، وكعبها العالي، الزجاجي اللون الذّي لم يسبق وأن رأى أحدا ينتعله من قبل. كانت تحمل حقيبة صغيرة سوداء في يدها، توقع سالم أنها ربما تخبئ شوكولا بداخلها كما تفعل عادة. خمّن ذلك وهو يمسك حبلا ناعم الملمس يذكّره بجدائل شعر والدته، كان الحبل ممتدا ومتصلا ببداية لا يُعرف مصدرها. صديقهُ من المدرسة سعيد، كان يبكي بدموع اندمجتْ مع المياه؛ لهذا تعذر عليه بيان مدى ذعره، خصلات شعره الطويلة كانت موزعة بعبث، مبللة وملتصقة على خده الممتلئ، بدا أشبه بفتاة صغيرة تبكي وتنوح، سعيد متشبث بنفس الحبل الذي يمتد من ناحية يجهلونها. ثمة أطفال كُثر، نساء ورجال كلهم في حالة من الفوضى، يسبحون بمقربة من سالم. هذه الرحلة التي نظمتها المدرسة، والتي أصّرت والدته على عدم انضمامه لها، لكنه انضم مخالفا لها وعاقا بها، ودّ الآن له أنه أطاع كلامها ولم يستقل هذه الرحلة البحرية، رفع رأسه إلى الأعلى، ما زالت والدته تلوح بالأفق كشعاع من ضوء، لكنها لم تكن تتكلم ولم تكن تنظر إليه أيضا. المرأةكنتُ لا أجيد السباحة مطلقا، ولم أعم مرة في حياتي أبدا، رغم ذلك لم أغرق اليوم، كان أحدهم ممسكا بي، لا أدري شيئا عنه! ظهر لي فجأة عندما كنتُ في قاع البحر، يده كقدر عجيب، انتزعتني من العمق المحتوم، وأحاطتني بذراعين قويين، كان شابا صلبا، مصرا على إنقاذي، لم ألحظ إلا عينيه العسليتين، كانتا تنظران إلى وجهي بقلق واهتمام، لم يطلب مني الكلام، كما ولم يتكلم هو أيضا، فقط ظل يقودني إلى طرف حبل، لم نعلم كيف وُضع في عرض البحر. شربتُ الكثير من الماء؛ رغم ذلك ما زلت أتنفس، لم يطلني الموت بعد لحد الآن، حتى وأن تجاوزني اليوم، ما كنت لأهرب إلا إليه طائعة، قال لي طبيبي قبل أسبوعين: عيشي حياتك، لم يعد لديك المزيد من الوقت.... ورم المخ كان قد تشّعب داخلي، استفحل وتضخم، مع ذلك بدأت الأشياء تتضاءل من أمامي وتنكمش، الحياة، البيت، العمل، حتى أولادي الصغار الذين أخذهم والدهم بعد الانفصال لم يعودوا يزورونني كالسابق. سمعتُ بأن زوجة أبيهم تحسن معاملتهم، فأحبوها، كان خبرا سعيدا بالنسبة لي، فعلى الأقل أرحل عنهم مطمئنة على مصيرهم بعيدا عني... وعندما قررتُ أن أركب البحر في سفينة، لم أتوقع غرقها هكذا، وحتى لو توقعت أنها ستغرق ما كنت لأغير رأيي في ركوبها. سمعتُ صوتا ينادي: فراس، فراس. الشاب الذي يقبض علي لئلا أغرق، التفت رادا على المنادي بصوت عال: أنا هنا... اسمه فراس إذن، كان شهما. فارسا في البحر، يمتطي الأمواج لينقذ إنسانة مصيرها الموت من الأساس. لا جدوى من الجهد الذي يبذله من أجلي، سأغمس نفسي في عمق المحيط، وأخفف عنه وطأة ثقلي. السابحة في الهواءكنت هذا اليوم ومنذ الصباح، ألعب مع السحابة الحبلى بالمطر، وأصنع قوس قزح في إحدى البلدان الماطرة، لأتزحلق عليه مع رفيقاتي الجميلات اللاتي يلبسن الأبيض والوردي والأصفر، ذات الفستان الأصفر هي مولودة الشمس، صديقتي المقربة رغم كونها النقيضة لي، بينما أنا كنت مولودة الليل وألبس الأسود. وقت الليل الدامس تم توجيه استغاثة فجائية لي، بُعثت في مهمة عاجلة، بُلغت بأن هناك أطفالا وكبارا على وشك الغرق الجماعي، كان الأمر مستفحلا بشكل مضطرب، تم عقد مناقشات بشأن النجدة ومن التي ستتكفل بالمهمة الصعبة، هذه الكارثة التي لم يتوقعها أحد، كومة الصخرة الكبيرة التي هي تحت الماء لا يدرون من أين ظهرت فجأة! كانت تتحرك بشكل سريع، ثمة دلافين وأسماك على جدرانها، تطوف حولها بسرعة عالية، لعلها كانت تمرح أو تلعب معا. لكن حركتها ولعبها أدى إلى تحريك الصخرة فأصبحت تجوب البحار، وتقطع كل ما يصادفها إلى شطرين كأنياب تمزق اللحم الطري، اصطدمت بالسفينة وغرقتها، لكن الصخرة كبيرة جدا، وهناك العشرات من الأشخاص, لا أستطيع أن أنقذهم جميعا، مع ذلك مددتُ لهم وصلة يتمسكون بها، شعري الطويل هذا لم أقصه منذ مئات السنوات، جدتي كم مرة منعتني من قصه، لم أستفد منه إلا الآن. وحلقت في السماء أراقبهم في الأسفل وإلى الآن، شعري تثاقل بسببهم كثيرا. أتمنى أن أصمد معهم. فراسهذه المرأة، تمرّ عليّ مثل ذكرى عميقة، مخبأة في مكان قصي داخلي، لم أصل له بعد! ثمة صوت يغرد في داخلي كلما أشاهدها، نغمة تنساب من الماضي، أجهل نوتاتها. تحن على قلبي كأم أو تجتاحني كحبيبة وربما تلاطفني كأخت كبيرة، لا أدري بالضبط ما ينتابني كلما شاهدتها! دائما تظهر بوشاح يغطي شعرها، وتمسك في يدها كتابا لا غير، لا حُلى في يديها أو رجليها أو حتى عنقها، فقط قرط كريستالي في جهة الأنف الأيمن. تشبه أمي في ذلك. فقد كان لأمي قرط في الأنف، الحلية الوحيدة التي أمتلكتها، ودفنت معها عندما توفيت. تعذر خلعها من مكانها، وكأنها اندمجت مع جلدها وبشرتها. هذه المرأة شعرها متطاير طويل، تظهر كمن لا يهتم بتصفيفه، شعرها يذكرني بشعر أختي عندما كانت تطلب مني أن أصففه لها حين كنتُ في الخامسة، كنت أحب ملمسه الحريري الناعم. هذه المرأة لا أعرف اسمها، لكنها تضع على عينيها نظارة شمسية وردية، أحيانا ترتديها وأن كانت الشمس غير ظاهرة، تخفي شيئا لا يظهر أصلا لأغراب لا يتعارفون ولا ينتمون لبعض، فلماذا تداري شيئا لا يكترث له أحد هنا؟ لكني كنت أكترث؛ بدافع لا أعرفه! تظهر فجاة، وتختفي فجأة، كم مرة تعمدت أن أجلس بمقربة منها لكي أعزف لها، ولا أدري أن كانت انتبهت لذلك؟ أتمسك بها لئلا تغرق، لكنها لا تتمسك بي، كل مرة تصر على الفكاك مني، أجدها تنكمش داخل حضني وبعد قليل تندفع إلى عمق الماء، وأسارع إلى التقاطها لكنها لا تعاونني. جاكلست قلقا إلا على نانسي الآن، قبل ساعتين رميتُ الحليب من يدي، بينما كان علي أن أعطيه لنانسي لتشربه، ولكن عندما شاهدت طفلة تغرق. خارجا عن التفكير والتدبير، وبسرعة رميت بنفسي أيضا في قعر البحر، نسيت أنني لا أسبح، ولا أعوم من الأساس. خلال دقائق كنت أضرب سطح البحر بيديّ الإثنتين، محاولا طلب النجدة، لكن كل من حولي مثلي أيضا ينسحب غارقا إلى عمق المحيط، كففت عن المقاومة، شربت ماءً مالحا، بل تنفست ماء أيضا، تجمدت أطرافي، مددتهما على جانب جسدي، ابتلعني البحر، رأيتُ في القاع، الماشية التي في حظيرتي، البقرة السمينة موندا، الفتى ماكس الذي تعود أن يحلبها بقسوة وعنف، نانسي كانت تعدو وراءه تبغي ضربه، الدجاج في القن يبيض بيضا كثيرا، عكس كل يوم، عدد هائل. كان الماء حولي مشبعا ببيض ذهبي يشبه رمال الشاطئ، ابتسمت. مورغان ابنتي تمشي ناحيتي، تحمل صينية قهوة، دخان يصعد من كوبي الأخضر، الذي كتب عليه (عش شابا، مت شهيدا). مددت يدي إلى نانسي، وجدتها إلى جانبي، حاولتُ أن ألمس يديها، لكني نلت أصابعها فقط، بدت جميلة جدا، تشبه الشابة التي تزوجتها قبل أكثر من ثلاثين سنة. ياااه مر وقت طويل على زواجنا، كنا متعبين حقا، نمنا بجانب بعضنا بصمت، مورغان وماكس ينظران لنا ويغمراننا بحب غريب، كان هذا آخر ما أتذكره قبل أن أغلق عيني نهائيا.فاروق كان يصرخ وينتحب: استغفر الله، استغفر الله. استغفر الله... يكررها مرارا وتكرارا.... وهو يلهج بالدعاء. فاروق الذي يعمل في مطعم الشجرة، المطل على البحر مباشرة، هذا المطعم العجيب الذي جمع بين رقة البحر واخضرار الأشجار، فبالرغم من عدم فخامته الملفتة، لكنه كان مزروعا بالشجر الأخضر من الداخل والخارج، كما أن هناك أقفاص عصافير تتدلى من كل شجرة، فيستمع هو، ويستمتع الزبائن بزقزقة الطيور وهم يتناولون طعامهم، وفي وسط الشجرة جذع عريض جدا، الجذع يستخدم كجدار لتعليق صور المشاهير؛ الذين أتوا وتناولوا طعامهم ذات مرة في مطعم الشجرة، فثمة صورمعلقة على الجذع لبعض المطربات والممثلين والممثلات، وبعض الشخصيات الثرية، وعدد من الإعلاميين. يبدو واضحا أنه يجتذب الكثير من الزبائن المختلفين في مجالاتهم، فغالبا ما يكون مأهولا ومزدحما بالجوعى أو بالعشاق؛ الذين يأتون من أجل اللقاء. إذ ترسو على البحر آمالهم وأشواقهم. لهذا هنالك عمل كثير جدا على عاتق فاروق، الذي يؤدي عمله بابتسامة عريضة تكشف عن أسنان بيضاء مرتبة، ينظفها فاروق بالفحم الأسود المسحوق، والمخلوط مع ملح ناعم، فتلك الابتسامة تكفل له الحصول على إكراميات جيدة دون بقية زملائه النُدُل، هذا الشهر جمع مبلغا جيدا ولم يخبر أحدا، خبأ مبلغه الفائض في البنك ونسي أمره، إلى أن رست سفينة ضخمة بمقربة من المطعم، وأعلنت عن رحلتها المغرية وبسعر مغرٍ، فاروق لم يركب البحر مسبقا، قرر أن يشارك في الرحلة قبل أن يعود إلى بلده باكستان، في نهاية السنة وبعد أن يذهب للعمرة.في ذات الوقت، أمجد زميله في الغرفة طلب منه مبلغا من المال لوالدته، التي مرضت وستُجري لها عملية جراحية غدا صباحا، فاروق اعتذر منه وتعلل بالحاجة، ولم يسلفه. الآن، وفي عرض البحر، فاروق مبلل بالحزن والندم، ليته سلف أمجد المبلغ ولم يأت لهذه الرحلة، وهذه السفينة التي غرقت، لابد وأنها تنتقم لوالدة أمجد فتغرق فاروق ومن معه، كان الأجدر لو أنه بقى منتصرا للشهامة والإنسانية وسلف المحتاج، بدلا من رفاهية تحتمل الغرق، رأى الجميع في عرض البحر بجانبه ينتحبون، وفاروق يهلل ويستغفر: استغفر الله ، استغفر الله، استغفر الله. اشراق النهدية