يؤكد إسماعيل فهمي في كتابه للإعلام والمخدرات بأن : " الإعلام بصفة عامة هو التعبير الأمين عن عقلية الجماهير وميولها ووجدانها واتجاهاتها بمعني أن الإعلام في جوهره الحقيقي حركة جماهيرية تأخذ مادتها من الجماهير وتعود به للجماهير صاحبة المصلحة الأولى والأخيرة في العملية الإعلامية .. هذا يعني أيضاً أن حاجة الجماهير للإعلام المعبر عنها تشتد كلما واجهت الجماهير خطراً يهدد كيانها ".
هذا هو الإعلام بصفة عامة وذلك هو المسرح بصفة خاصة الذي يقوم بإعادة صياغة الوجدان والتأثير .. فأبو الفنون يعد أساسا حضاريا لأي مجتمع متحضر .. فإذا قمنا بقراءة التاريخ نجد بأن المسرح لعب دورا كبيرا ليس في إمتاع الجمهور فحسب ولكن في التعبير عن مشكلات وتطلعات الإنسان والمساهمة في إبراز ملامح الهوية والشخصية الوطنية.. ومنه نجد بأن المسرح هو عنصر اساسي في بناء الإنسان الواعي المدرك لقضاياه ولهموم وطنه .. ونظراً لهذا الدور الخطير الذي يلعبه الفن المسرحي كان لابد أن يختار الكاتب الخط الصحيح لإبراز قضايا مجتمعه فيقول د.نبيل راغب : " إذا كانت المسرحية الاجتماعية قد أثبتت وجودها فذلك لأنها تعتمد على التعبير الفني الصادق .. لقد كان الإبداع الفني وليس الإثارة الاجتماعية هو ما جعل المسرحية الاجتماعية شكلا متميزاً من أشكال المسرح الحديث " .. ومن تلك القضايا التي تعرض لها المسرح منذ نشأته إلى وقتنا هذا.. قضية المرأة .. والتي تشكل في حياة البشر علامة بارزة بها نقود ركب التطور والتقدم للمجتمع.
ولذلك لم يغفل الكاتب المسرحي منذ حضارات الإنسان الأولى دور المرأة الهام جداً في دفع حركة الحياة وعلى سبيل المثال لا للحصر حضارة الفراعنة..عندما كتب النص التمثيلي "إيزيس" وما كان لها من أثر فعال في عودة الحياة إلى "أوزوريس" لكي تستكمل الحياة مسيرتها.. إيزيس لم تكن سوى امرأة يرجع لها فضل نشأة الوفاء والمثابرة ومحاربة الشر.. ثم أتت حضارة الإغريق لتطرح صورة المرأة في أكثر من موقف بطولي وتترك بصمة بارزة في تاريخ البشرية والثقافة العالمية .. من خلال "ألكترا – أنتيجون وغيرها من شخصيات".. تلك الشخصيات وغيرها من النساء كانت ومازالت نسجا لكتاب المسرح ومادة خصبة لهم.
إن التاريخ لم يغفل للمرأة دورها مع الرجل فمن يقدر أن لا يذكر بلقيس ملكة سبأ وكليوباترا ملكة مصر..وغيرهما ممن أثرين التاريخ والثقافة العربية كما أن التاريخ لم يتناس النساء اللاتي كن قريبات جداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وعلى سبيل المثال لا للحصر صفية بنت أبي عبيد .. وصفية بنت الحارث.. صفية بنت الخطاب.. صفية بنت الزبير .... وغيرهن ممن كانت لهن بصمات مضيئة في الحضارة الإسلامية .. هؤلاء النسوة حملن صفة البطولة التي سجلت بعضها في تاريخ المسرح .. وكانت مادة خصبة لم يغفل الكتاب أن يبرزوا ذلك الدور الهائل لفضل المرأة في بناء المجتمع فمن منا لم يقرأ فيدرا .. كليوباترا.. ترويض النمرة ..وغيرها من مسرحيات أثرت الثقافة العالمية من معالجتها وطرح العديد من القضايا النسائية .. بل نجد بأن الحضارة الحديثة لم تتغافل عن دور المرأة واستحضار الماضى لمحاكاة الحاضر.. مثل أميرة الأندلس لأحمد شوقي .. وكليوباترا أيضاً وغيرها من المسرحيات التي لم تقتصر فقط على الشخصيات التاريخية بل أصبح للمرأة دور يكتب لها العديد من الأقلام المسرحية وخير مثال " بيت الدمية " لأبسن .. يقول ماثيو شابل :
"هناك خصائص مشتركة بين جمهور الصحف والراديو والتلفزيون وجمهور المسرح والسينما وتتمثل في أن الغاية واحدة وإن اختلفت وسائل الوصول إليها وتحقيقها .. وتكمن هذه الغاية في المحاولات التي لا تتوقف عن التأثير في عقول الجماهير ومشاعرها.. ومهما قيل في أن المضمون الإعلامي يصيب المسرحيات بالهزل الدرامي .. فإن أعظم المسرحيات التي تركت بصماتها على خريطة المسرح الاعلامي .. تحمل في طياتها رسالة إعلامية .. وإن كانت تتراوح بين الأساليب المباشر المعرفية والأساليب الدرامية غير المباشرة " .
تلك المقدمة ماهي إلا سطور قليلة في بحور شملت بين أمواجها العديد من قضايا المرأة.. مما جعل الدول الخليجية تنظر إلى المسرح وتهتم بالفنون .. بعد الازدهار الاقتصادي واستخراج النفط .. وعليه أصبح الخليج في حاجة ماسة لمواكبة الحضارة الثقافية بعدما نهض بالثروة السياسية والاقتصادية.

أبو الفنون ودوره المهم في محاكاة قضايا المرأة الخليجية

عندما نبدأ بتاريخ المسرح في وطنا الخليجي.. لابد أن تكون نقطة البداية من المسرح الكويتي الذي كانت له الريادة في دول الخليج .. وعندما نسلط الضوء على المسرح الكويتى الذي بدأ مع التطور السياسي والاقتصادي.. هذا التقدم هو من ألزم الشعب الكويتي بطبقاته بالتحول الملحوظ لمواكبة عجلة التطور والتقدم .. وكانت المرأة وسط هذا التقدم لها دور بارز ومهم .. والتحول قد لحقها من جهل إلى علم واعتلاء مناصب لها خطورتها.. وبرغم ذلك نجد بأن الكاتب المسرحي في الكويت لم ينظر إلى ذلك التحول.. بل نجد بأن بدايات المسرح الكويتي كان دور المرأة ثانويا بل كانت صورة للمرأة الدلوعة أو غير المبالية.. ونسج من خلالها بطلات مسرحياته ونسي أو تناسى أنماطاً لها تاريخها المشرف سواء بعد التحول أو قبل تلك النقلة الهائلة.
أن المرأة الكويتية بل الخليجية فحسب في الماضي كانت هي عماد الأسرة في غياب الرجل الذي كان يستمر لوقت ليس بقصير فكانت دفة الحياة في يديها تسير بالأيام إلى الأيام بأقل القليل.. هذه المرأة ألم يكن لها دور ريادي بطولي وهي نفسها البنت التي تعلمت بعد ذلك واعتلت أماكن لها خطورتها سواء في الجامعة أو في السياسة أو الصناعة أو الطب ....أو غيرها من الميادين العلمية والعملية .. تلك هي المرأة الخليجية والتي للأسف تهاون المسرح الخليجي أن يجعلها محور أساسي في كتابة مسرحه إلى الآن .
وإذا كان المجتمع الكويتي والعربي بل والعالمي قد أقر للمرأة مكانتها التي تسعى دائماً إلى الحفاظ على مستواها.. بل وتعمل جاهدة على الارتقاء بها بلا حدود..فهي التي كما ذكرنا من قبل قد اعتلت عرش ممالك عظيمة ومازالت..وهي التي وصلت إلى أعلى المناصب السياسية بالانتخاب المباشر الحر وليس بالتعيين..ومن ذلك الواقع الملموس في المجتمع.. ومن حيث أن المسرح والمجتمع بينهما علاقة هندسية مترابطة .. قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية .. بمعنى أنه حينما تزداد الضغوط بشدة على المجتمع يظهر المسرح ويبرز ويتقدم ليظهر دوره المهم في تغيير المجتمع .. كذلك حينما يسبق المجتمع المسرح بظهور ثورة بمعنى تغيير يتحول المسرح كي يلحق بهذا المجتمع الجديد..يقول برنادشو في كتابه دليل المرأة الذكية :
"لقد سعيت أن أجعل من مسرحيتي الأولى " مهنة المسز وارن " أن أجعل من المسرح الانجليزي منصة ممتعة فكريا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا .. لمناقشة كل القضايا بصراحة وحرية ..فقد رفضت كل حيل المسرحية المحكمة الصنع التي لا تهدف إلا إلى التسلية الرخيصة والعابرة.. بحيث يخرج الجمهور من المسرح ولم يتغير فكره على الاطلاق .. مما جعل المسرح مرادفاً للكباريه " .
فنجد علي سبيل المثال دولة الكويت قد تخطت مرحلة هامة كبيرة محدثة بذلك تغييراً جذرياً انتقالياً .. وكان للمسرح دور إيجابي يواكب ذلك التغيير.. ولكن إذا تتبعنا دور المرأة وقضاياها نجد بأن المسرح ليس الكويتي فقط بل الخليجي ككل لم يسلط الضوء عليها بل جعل منها محورا ثانويا لا يحرك ولا يغذي المحور الأساسي .. أن المرأة الخليجية لا تطلب المبالغة في محاكاة قضاياها في المسرح بل تريد محاكاة الصورة الكائنة فقط لكي توضح خطوطها ومعالمها.. ما للمرأة وما عليها وما وصلت إليه.
فإذا نظرنا على سبيل المثال للمسرح الكويتي في العقود الثلاثة الماضية نجده قد حقق للمرأة صورة مشوهة لا تمت للأصل بوجه شبه من قريب أو بعيد.. إنما اتخذ من نمط غير مسئول أساسا بنى عليه بناءه الدرامي للصورة وهي الفتاة المدللة غير الواعية المراهقة المسرفة الراكدة غير العاملة أو ربة البيت المهملة لكل شيء والمسرفة لدرجة تصل بها إلى خراب محقق .. وهذا لم يقتصر فقط على المسرح الكويتي بل نجد بعض المسارح الخليجية اتبعت ذلك النمط في المعالجة المسرحية لقضاياها بل نجد بعض المسارح الخليجية تفتقد العنصر النسائي .. فهل هذه هي صورة المرأة في الواقع ؟
إن المسرح بصفة خاصة والفن بصفة عامة ظاهرة إنسانية اجتماعية لابد لإنتاجها من بيئة معينة تتبع شعباً معيناً وتنتج من أجل ذلك الشعب.. وذلك الإنتاج هنا والذي نحن بصدد الخوض فيه هو المسرح.. والمسرح صورة إما صادقة لحياة يريد الكاتب أن يوضح معالمها كما هي كي تكون هدفاً للغير.. أو أن يكسب الشخصية هالة من نور إضافة لما تتمتع به في الواقع.. ولكن ليس العكس فإن انتقاص الشخصية من مكانتها الواقعية على المسرح وضع غير مقبول ولن يؤدي النتيجة المرجوة من ذلك الفن وهو المسرح.
مجمل القول إن المسرح الخليجي ونخص الكويتي الذي يعد الرائد لدول الخليج قد اختار صورة للمرأة وجسدها من خلال موضوعات هامشية، بل لم يقتصر على ذلك، فنجد أغلبية الكتاب سواء ذكورا أو إناثا لم يقوموا بتسليط الضوء على قضايا المرأة.. وهي كثيرة مثل العنوسة والزواج من أجنبي والطلاق وغيرها من مشاكل تحاكي واقعنا وللاسف لم يساعدها المسرح بأن يكون لها منبر يعكس قضاياها.
إن فقر قضايا المرأة وإبراز صورتها في المسرح لم تقتصر على الدول الخليجية بل المشكلة يعاني منها أغلبية الوطن العربي ...فأين تلك الصورة من صورتها في المسرح والتي طمست وتلاشت معالمها تماماً حينما جسدها المسرح في صورة فتاة كما ذكرنا في السابق لا شغل لها سوى المتعة والرحلات الخارجية والمراهقة واستنزاف ثروات الرجل دون عناء أو قمع المجتمع لها وإذلال الزوج لها وضربها وإهانتها وكأنها دمية وسط قطع أثاث.. لقد كانت صورة المرأة مشوهة بكل مقاييس المنطق..مع العلم بأن المرأة الخليجية تحمل تحت عباءتها الكثير من القضايا التي تجعلها محورا أساسيا في المسرح والمجتمع.

د. نرمين يوسف الحوطي
رئيسة قسم النقد والأدب المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت