إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:قال الله تعالى:(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) (آل عمران ـ 31 ـ 32).تعَظِّيمُ وحب رسولَ اللهِ (صلَّى الله عليه وسلم) مِنْ غيرِ مخالفةٍ لشرعِ اللهِ إنما كمَا أمرَ اللهُ تعالى، وكمَا جاءَ في شَرْعِ اللهِ تعالى فإن محبة سيدنا محمد فرض على المكلفين، فقد قال الله تعالى في القرآن الكريم:(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران ـ 31)، وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى عن حبيبه وصفيه:(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الفتح 8 ـ 9)، ومعنى تعزروه هنا تعظموه، وقال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم):(لا يؤمن أحدكم أي: لا يكمل إيمانه حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ـ رواه البخاري، كيف لا نحب محمّدًا وهو الذي أُرسل رحمة للعالمين، كيف لا نحبه وهو الذي أُرسل ليُخرجَ من الظلمات إلى النور، كيف لا نحبه وهو قدوتنا وهو الهادي إلى الصراطِ المستقيم، كيف لا نحبه وهو صاحب الخلق العظيم وهو أشرف الخلق والمرسلين.كيف لا نحب محمّدًا إخوة الإيمان وهو الذي قال فيه ربنا:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) (النساء ـ 64)، وحبُّ المسلم لرسول الله (صلَّى الله عليه وسلمَ) عمل قلبيّ من أجَلِّ أعمال القلوب، وأمر وجداني يجده المسلم في قلبه، وعاطفة طيبة تجيش بها نفسه، وإن تفاوَتت درجة الشعور بهذا الحب تبعًا لقوة الإيمان أو ضَعفه.وجوب محبة النبي (صلَّى الله عليه وسلم): إن الله تعالى أوجب علينا محبة نبيه (صلَّى الله عليه وسلمَ) وتوعَّد المخالف في ذلك بقوله:(قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة ـ 24)، وكل هذه المذكورات في الآية جُبِل المرء على محبتها، وليس المراد تحجير هذا أو ذمِّ من قام به، وإنما المراد من الآية ذمُّ من قدَّم حبها على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله فإن حبَّها مركوز في نفوسنا، ومن الأدلة القرآنية على وجوب تقديم حب النبي (صلَّى الله عليه وسلم) على كل محبوب: قول ربِّ العالمين:(النبِي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) (الأحزاب ـ 6)، يقول ابن القيم في روضة المحبين: قال الله تعالى:(النبِي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) ولا يتم لهم مقام الإيمان، حتى يكون الرسول أحب إليهم من أنفسهم، فضلاً عن أبنائهم وآبائهم.وسنة رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) لها مكانتها ومنزلتها، فرتبتها تلي رتبة القرآن الكريم، فهي في المنزلة الثانية بعد كتاب الله عز وجل، توضح القرآن الكريم وتفسره وتبين أسراره وأحكامه، وكثير من آيات القرآن الكريم جاءت مجملة أو عامة أو مطلقة، فجاءت أقوال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وأعماله كاشفة للمراد الإلهي وموضحة له عندما فصّلت المجمل أو قيدت المطلق أو خصصت العام:(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل ـ 44) وهي الينبوع الثاني من ينابيع الشريعة الإسلامية، وهي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد كتاب الله عز وجل:(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (آل عمران ـ 164) والحكمة هنا: السُّنَّة، ولقد أمرنا المولى سبحانه باتباعها ونهانا عن مخالفتها:(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر ـ 7) ليس لنا إلا التسليم المطلق بها والإذعان لأحكامها:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم) (الأحزاب ـ 36)، كما جعل سبحانه التسليم بها دلالة وعلامة على الإيمان الحق الصادق:(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء ـ 65)، وهي حجة في التشريع لأنها وحي يوحى:(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) (النجم 3 ـ 4).من أجل ذلك كانت أقواله وأعماله (صلى الله عليه وسلم) بوصفه رسولاً داخلة في نطاق التشريع.وما دامت أحكامه صادرة عن طريق الله تعالى:(لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) (النساء ـ 105)، وما دام هو مهدي إلى صراط الله تعالى وهو يهدي إلى صراط الله عز وجل، فعلى الناس الائتمار بأمره، والابتعاد عن نهيه:(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر ـ 7).فإذا كان الأمر كذلك، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نحب النبي (صلى الله عليه وسلم)؟إن حبه (صلى الله عليه وسلم) يكون بتعظيمه وتوقيره واتباع سنته والدفاع عنها ونصرة دينه الذي جاء به، وبمعنى آخر أن نحبه كما أحبه أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ فجاءه النور المبين (صلى الله عليه وسلم)، فدعا إلى الله سبحانه، ولقي ما لاقى من الصد والإعراض والأذى، وأبى أكثر الناس إلا كفوراً، وفتح الله سبحانه بعض القلوب لهذه الدعوة الخالدة ، ولهذا النور المبين ، فدخلت مجموعة بسيطة في دين الله سبحانه ، فكيف كان الحب بينهم؟.لقد بدأ هذا الحب بينهم وبين من أخرجهم الله تعالى به من الظلمات إلى النور، بينهم وبين محمد (صلى الله عليه وسلم)، فهذه زوجه خديجة ـ رضي الله عنها ـ ومنذ اللحظة الأولى التي أبلغها فيها بنزول الوحي، ها هي تدفع ـ رضي الله عنها ـ عنه، وتثبت فؤاده بكلمات تبدو فيها المحبة ، جلية، إذ تقول: كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر.ولئن كانت هذه زوجه، فانظر ما فعل أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يوم وقف في قريش خطيبـًا يدعوهم إلى الإسلام ، وما زال المسلمون في المرحلة السرية للدعوة، وعددهم قليل ، فقام إليهم المشركون يضربونهم ضربـًا شديدًا ، وضرب أبو بكررضي الله عنه حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه ، فجاء قومه بنو تيم فأجلوا المشركين عنه وأدخلوه منزله وهم لا يشكون في موته رضي الله عنه، وبقي أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ في غشية لا يتكلم حتى آخر النهار، فلما أفاق كان أول ما تكلم به : ما فعل رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)؟ فلامه الناس لاموه على أن يذكر محمدًا (صلى الله عليه وسلم) في مثل هذا الموقف الذي يفترضون فيه أن يذكر نفسه، وأن يتحسر على حاله، لاموه فما أبه لهم، وصار يكرر ذلك، فقالت أمه: والله ما لي علم بصاحبك محمد، فقال: اذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه، وكانت أم جميل امرأة مسلمة، فلما سألتها أم أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلَّى الله عليه وسلم) قالت أم جميل حُبًّا لمحمد (صلى الله عليه وسلم) وحرصـًا عليه: لا أعرف محمدًا، ولا أبا بكر، ثم قالت: تريدين أن أخرج معك؟ قالت: نعم، فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ فوجدته صريعـًا، فصاحت وقالت: إن قومـًا نالوا هذا منك لأهل فسق، وإني لأرجو أن ينتقم الله منهم فقال لها أبو بكر ـ رضي الله عنه: ما فعل رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)؟ فقالت له: هذه أمك تسمع قالـ رضي الله عنه: فلا عين عليك منها أي أنها لن تفشي سرك فقالت: سالم هو في دار الأرقم فقال ـ رضي الله عنه: والله لا أذوق طعامـًا ولا أشرب شرابـًا أو آتي رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) فقالت أمه: فأمهلناه حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس خرجنا به يتكئ عليَّ ، حتى دخل على رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) فرقّ له رقّة شديدة، وأكب عليه يقبله، وأكب عليه المسلمون كذلك، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي، وهذه أمي برَّةٌ بولدها فعسى الله أن يستنقذها بك من النار، فدعا لها رسول الله (صلَّى الله عليه وسلمَ) ودعاها إلى الإسلام فأسلمت.أيُّ حبٍ تكنه يا أبا بكر لصاحبك؟! أما انشغلت بنفسك وجراحك ووجهك الذي تغيرت معالمه؟ لو شغلتك آلامك لما لامك أحد من العالمين، ولكن ماذا تصنع بحب ملك عليك كل جوارحك؟إنه يحب في محمد (صلَّى الله عليه وسلم) الخُلق الذي طالما امتدحوه به قائلين: هذا الصادق الأمين، إنه يحب فيه الخُلق الحسن، والرأي السديد، والعشرة الطيبة، وكل ذلك قد خبره محمد (صلَّى الله عليه وسلم)، وهو اليوم يحب فيه إلى جانب ذلك كله النبي (صلَّى الله عليه وسلم).ومما يذكر أيضـًا من هذا الحب الذي لا نهاية له حكاية تلك المرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) بأُحد، فلما نُعُوا لها قالت: فما فعل رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل ـ أي صغيرة.إن من أحب شيئًا ءاثره وءاثر موافقته وإلا لم يكن صادقًا في حبه، فالصادق في حب النبيّ من تظهر علامات ذلك عليه ومنها الاقتداء به والعمل بسنته وتعظيمه وتوقيره ومحبة من يحب من أهل بيته وصحابته وكثرة الصلاة عليه وكثرة ذكره، وكثرة الشوق إلى لقائه وقد روى مسلم في صحيحه أن رسُول الله (صلَّى الله عليه وسلم) قال:(من أَشَّد أُمَّتي لي حُبًّا ناسٌ يكُونُونَ بَعْدي يَوَدُّ أَحَدَهُمْ لَوْ رآني بِأَهْلِهِ ومَالِه) .. اللهّم اجعلنا منهم يارب العالمين.ألا ما أعظم محمدًا (صلَّى الله عليه وسلم) حبيبـًا محبوبـًا، وما أعظمه محبـًا يضع الأمور في نصابها ، ويعطي كل ذي حقٍ حقه وكل ذي قدرٍ قَدْرَه (صلَّى الله عليه وسلم)، علّم صحبه الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ الحب بحبه لهم فأحبوه، وكان هذا الحب منهم علامة إيمانهم، وشعلة عقيدتهم، وطريقهم لرضوان ربهم، وصدق الله العظيم إذ يقول سبحانه:(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(آل عمران ـ 31).