إعداد ـ علي بن صالح السليمي:ضمن الخطب القيّمة التي ألقاها فضيلة الشيخ الجليل/ حمود بن حميد بن حمد الصوافي .. اخترنا لك عزيزي القارئ إحدى هذه الخطب والتي هي بعنوان:(ذكرى المولد النبوي) .. حيث أن الخطبة تعتبر من أهم الوسائل الدعوية التي استخدمها فضيلته في هذه الحياة ..يقول فضيلة الشيخ حمود الصوافي في هذه الخطبة: اعلموا أن هذه الأيام تمر بذكرى غالية عزيزة في قلب كل مسلم، ذكرى أفضل مولود برز إلى الوجود، ذكرى مولد نور الهدى، صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، والمقام المحمود، أسعد من سعد به الكون، وأشرف من شرف به الوجود، نبي الرحمة، ومنقذ الأمة، خاتم النبيين والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين، وأفضل خلق الله أجمعين، محمد بن عبدالله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي العربي (صلى الله عليه وسلم)، الذي كانت ولادته للبشرية خيراً وبركة، حيث بعثه الله سبحانه وتعالى على حين فترة من الرسل بدين كامل وشرع شامل صالح لكل زمان ومكان، قد نظم حياة الإنسان أحسن نظام؛ بالعلم والعدل والمصلحة والحكمة والإحسان والإتقان، في زمان قد انتشرت فيه بين الناس الجهالة، وخيمت عليهم الضلالة وتفشت بينهم العادات السيئة، واتخذ كل قوم آلهة يعبدونها من دون الله، فبصّر الناس من العمى، وأنقذهم من الجهالة، وهداهم من الضلالة، وفتح الله سبحانه وتعالى به أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً، أخرج الناس من الظلمات إلى النور، أخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا، وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (الأحزاب 45 ـ 48)، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ ـ 28)، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف ـ 158)، ورسالته عليه الصلاة والسلام رسالة شاملة ورحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء ـ 107)، (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ) (ص ـ 87)، وقد تجسدت في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جميع الفضائل، وتمثلت فيه جميع القيم، فكان عليه الصلاة والسلام صورة مثالية للكمال الإنساني، كيف لا وقد وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله:(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم ـ 4)، وامتن به على المؤمنين إذ قال:(لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (آل عمران ـ 164)، وامتن به على الناس إذ قال:(لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة ـ 128)، وامتن به على الخلق أجمعين إذ قال:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء ـ 107).وأكد في خطبته قائلاً: والمسلمون وهم يعتزون بمثل هذه الذكريات ذكريات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ولادته وإلى آخر ذكرى من ذكرياته ـ عليه الصلاة والسلام ـ جدير بهم ألا يكون هذا الاعتزاز مجرد احتفالات بالخطب الرنانة، والبيان الطويل العريض الذي جاء في وصفه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وإنما عليهم مع ذلك أن يتأسوا بأخلاقه الرفيعة، ويتبعوا مثله العالية، ويهتدوا بهديه القويم، وينهجوا نهجه المستقيم، وأن يتمسكوا بحبل الله المتين، ويتبعوا نوره المبين، ويسلكوا طريقه المستقيم، وألا تتفرق بهم السبل عن سبيل الله عز وجل:(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام ـ 153)، وعندما كانت الأمة الإسلامية متبعة لكتاب ربها، متمسكة بتعاليمه، عاضة عليها بالنواجذ مكن الله سبحانه وتعالى لها دينها، واستخلفها في الأرض، وصدقها وعده الذي جاء به قوله سبحانه:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النورـ 55)، استخلفهم في الأرض عندما كانوا متمسكين بكتاب الله عز وجل، لا يعطون ولا يمنعون إلا به، ولا يسالمون ولا يحاربون إلا به، وعندما تخلت هذه الأمة عن كتاب ربها وسنة نبيها (صلى الله عليه وسلم)، ولم تبال بما جاء فيهما من أوامر ونواه، وأحكام وإرشادات، ومواعظ وزواجر حقت عليها كلمة الله، وصارت في مؤخرة الأمم (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد ـ 11)، (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة ـ 211)، (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف ـ 36) (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه ـ 124).مذكّراً فضيلته بقوله: وتذكروا تلك المواقف التي وقفها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) داعياً إلى توحيد الله عز وجل، صادعا بأمره بين ضجيج الجاهلية وتحديات الشرك، وتزودوا من تلك المواقف زاد التقوى واليقين حتى تصدعوا بأمر الله بالدعوة إليه بين الجاهلية الجديدة كما صدع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وصدع المؤمنون من قبل في وسط تلك الجاهلية القديمة، وتآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر.