ناصر بن محمد الزيدي:الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الـرسـل أجـمـعـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:فـلا زال الحـديـث مـوصـولاً لجـعـفـر بن أبي طـالب: ومـن زاغـت عـقـيـدته فـنسي خـالـقه، انقـاد لـهـوى نـفسـه، فانـقـطـعـت صـلـته بـربـه، وعـاش في ظـلـمات بـعـضها فـوق بـعـض ، وتمـكـنت في قـلـبه إسـاءاته لـنفـسه، ولـمـن حـوله، هــذه الإسـاءات تـعـد أساساً لـشـقـائه في الـدنيا والآخـرة، قال تعالى مـوضـحاً الـمـفـارقـة بـين الـرجـلـين:(اللَّـهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الـبقـرة ـ 257).وقال أيـضا:(أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ) (السجـدة ـ 18)، وقال:(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (الجـاثـية ـ 21)، وقال أيـضاً:(أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) (الـقـصص ـ 61).فالإيـمان حـق وضـرورة ومصـير، لأنـه أسـاس الـفـضائـل، ولجام الـرذائـل، وقـوام الضـمائـر، وسـنـد العـزائـم في الشـدائـد، وبلسـم الصبر عـنـد الـمصائب، وعـماد الـرضى والـقـناعـة بالحـظـوظ، ونـور الأمـل في الصـدور، وسـكـن للـنفـس إذا أوحـشـتها الحـياة، وعـزاء الـقـلـوب إذا نـزل بهـا الـمـوت، والـعـروة الـوثـقـى بـين الإنسانـية ومـثـلـها الكـريمـة.قال الحـسن البـصـري:(لـيس الإيـمان بالـتـمـني ولا بالـتحـلي ، ولـكـن الإيـمـان ما وقــر في الـقـلـب وصـدقـه العـمـل، والإيـمان مـعـرفـة بالـقـلـب وقـول باللسان ، وعـمل بالجـنـان).(الـمـؤمـنـون بـعـضهـم لـبـعـض نصحـة مـتـوادون، وإن افـتـرقـت منازلهـم وتـباعـدت أبـدانهـم،والـفجـرة بعـضهـم لـبعـض غـشـشة متخـاذلـون، وإن اجـتمعـت مـنـازلهـم وتقـاربـت أبـدانهـم).فالـعـلاقـة بـين الـمـؤمـنـين أساسـها الانضـباط، والإحـسان والـمـؤاثـرة، والـعـلاقـة بـين الـمـعـرضـين أساسها الـتــكـبر والاسـاءة والأثـرة، وهـذا سـيـدنا جـعـفـر بن أبي طالب ـ رضي الله عـنـه ـ يصف مجـتـمـع الـجـاهـلـية قـبـل الإسـلام، وما فـيه مـن قـسوة وكـفـران، ويـصـف مجـتـمـع الإيـمان، وما فـيه مـن رحـمة وعـرفان، فـيـقـول: (كـنا قـوما أهـل جـاهـلـية نـعـبـد الأصـنام، ونـأكـل المـيـتـة، ونـأتي الـفـواحـش، ونـقـطـع الأرحـام، ونسيء الجـوار، ويـأكـل الـقـوي مـنا الضـعـيـف، حتى بـعـث الله إلـيـنا رسـولا مـنـا، نـعـرف نسـبه وصـدقـه، وأمانـتـه وعـفـافه.يخـاطـب ملك الحـبشـة في هـجـرة الـمسـلـمين الأولى إلى الحـبشـة، فـقال جـعـفـر بن أبي طالب: فــدعـانا إلى الله لـنـوحـده، ونـعـبـده ونخـلـع مـا كـنا نـعـبـد نحـن وآبـاؤنا مـن الـحجـارة والأوثان.وأمـرنا بـصــدق الحـديـث، وأداء الأمـانة، وصلة الـرحـم، وحسـن الجـوار والكـف عـن الـمحـارم والــدمـاء، ونهـانا عـن الـفـواحـش ما ظـهـر منها وما بطـن وحـذرنا مـن قـول الـزور وشـهـادة الـزور، وأكل مـال الـيتـيـم ، وقـذف الـمحـصـنات الـغـافـلات، فـصـدقـناه وأمـنا به واتبـعـناه عـلى ما جـاء به مـن الله تعالى.فـعـبـدنا الله وحـده فـلـم نشـرك به شـيئاً، وحـرمـنا ما حـرم عـليـنا وأحـللنا مـا أحـل لـنـا، فـعـدا عـلـينـا قـومـنا فـعـذبـونا، وفـتـنـونا في ديـنـنا، لـيردونـا إلى عـبـادة الأوثـان، وإلى مـا كـنا عـليه مـن الخـبـائث والظـلـم والـبـهـتان.فـشـتان بـين الجـاهـلـية والإسـلام، وشـتـان بـين الجـهـل والعـرفان وبـين الـوثنية والـتـوحـيـد، وبـين الكـفـر والشـكـران وبـين التـفـلـت والانـضـباط، وبـين الغـني والـرشـد وبيـن الـبغـي والـعـدل، وبـين البـهـيمـية والإنـسانية، وبـين الـشـقـاء والـسـعـادة، وبـين جـنـة يـدوم نـعـيـمها، ونـار تـلـفـح الـوجـوه دائـم سـعـيـرها، تنـضـج الجـلـود لا ينـفـذ عـذابها.وإنـه لا شـك مـن آثـار انـعـقـاد الـصـلة بـالله، أن يـفـيض قـلـب الـمـؤمـن بالـرحـمة والحـنان، والعـطـف والـمـحـبـة والإحـسان، عـلى مـن حـوله مـن الأقـارب والجـيـران والأبـاعــد مـن بـني الإنـسان، فـلا تـنـزع الـرحـمة إلا مـن شـقي، مـقـطـوع الصـلة بالله، وأبـعـد الـقـلـوب مـن الله تعالى.وأن الـقـلـب الـقـاسي الـذي هـو مـثـل الحجـارة أو أشـد قـسـوة، لا يـاتي بخـير، ولـذلك جـعـل الله قـلـب النبي (صلى الله عـليه وسـلم) يـفـيض رأفـة ورحـمة عـلى الإنسانية جـمـعـاء، قال تعالى:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التـوبـة ـ 128).وهـذه صـورة مـن رحـمته (صلى الله عـليه وسـلم)، تـؤكـد أن الإيـمان بالله، والاتـصال به يطـهـر الـنـفـس مـن أدرانـها ، ويسـمـو بهـا إلى أعـلى مـراتـب الـكـمال الإنسـاني: وأن انـظـروا مـا قـام به الـرسـول الـكـريـم (صلى الله عـليه وسـلم) لـمـا بـلغـه مـا قـع عـلى الـمـسـلـمين في غـزوة مـؤتـة ، وقـتـل الـثلاثة الأمـراء الـذين أمـرهـم الـرسـول عـلى جـيـش الـمـسلـمين: ولـمـا بـلـغ رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) مـصـرع الأمـراء الـثـلاثة: زيـد بن حـارثة، وجـعـفـر بن أبي طالب وعـبـد الله بن رواحـة في مـعـركـة مـؤتة، وكان قـد أبـلى فـيها الـمـسـلـمـونة بـلاءً حـسناً، حـزن الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) عـلـيهـم أشـد الحـزن والأسـى، وأنطـلـق بـنفـسه وهـو قـمة الـمجـتـمـع الإسـلامي إلى بـيت جـعـفـر بن أبي طـالب، لـيخـفـف وقـع الـمصاب عـلى أهـله وأولاده، فـألـفى زوجـته تتأهـب لاسـتقـبال زوجها الـغـائب، فهـي قـد عـجـنـت عـجيـنها، وغـسـلت بنيـها، ودهـنتـهـم وعـطـرتهـم وألـبستهـم... وللحـديث بـقـيـة.