مثل مرسى منسي في أخر ضفة في المحيط.. ومركب خشبي ألقت به الصواري على الساحل البعيد، وأغنية ما عاد الصدى يرددها، القيت منساتي ومضيت افتش عن البحارة الذين رقصوا على اليامال ذات زمن، وابحث في خارطة قديمة عن شطأن حكاياتهم، وعن اثارهم ومعالمهم، وعن مجاديف المراكب التي تكسرت، والسفن التي غرقت، بعد أن رحل الربابنة، وتوقف البحارة عن خوض عباب المحيط.
كانت موروني هادئة جدًا في مساء قررت فيه وبعض الأصدقاء الخروج مشيًا لاكتشاف المدينة وما حولها، قطعنا طريقا طويلة، حتى كلت أقدامنا، توقفنا كثيرا عند مفترق الطرق، نفاضل إلى أي الدروب سنمضي، وجهة أي المعالم نرجو الوصول.
كنا ستة أشخاص، ضجت الطرق باحاديثهم، وضحكاتهم، واستمعت حينا إلى صمتهم وحيرتهم، وإلى سؤالهم واكتشافاتهم، في الطريق صادفنا مجموعة من البائعات يفترشن الرصيف يعرضن فواكه وحلويات الأطفال، وبعضهن ملابس وأحذية، ومأكولات خفيفة.
أخذنا بعضا من الفول السوداني المقلي، ومضينا نشق الدرب، ونحن نستمع إلى حكايا محمد المرجبي "المذيع التلفزيوني" ومشاهداته السابقة في هذه البلاد.. كان الحديث يحفز على العودة إلى منابع حكاياته، والإلتقاء مجددا بالشخوص التي تحدث عنها.
بعد فترة، شعرنا أن التعب قد أخذ مبلغه منا، وتعبت أقدامنا من المشي، ولأننا لا نعرف إلى أين نحن سائرون، وما المواقع والصور التي يمكن أن نشاهدها في الجوار، فقد بادرنا إلى الاتصال بأدبي ـ المترجم القمري الذي استقبلنا من المطار ـ وما هي إلا ربع ساعة أو تزيد قليلاـ حتى وجدنا حافلة صغيرة تقف بالقرب منا، وينأدينا أحدهم من الداخل باسمائنا.
كان ديبي قد عرف مواقعنا من خلال الوصف الذي قدمناه له عن المكان، والمعالم الصغيرة التي ذكرناها له، ولذلك حين وصل إلينا اخبرنا أننا قريبون من طريق يحمل أـسم طريق مسقط، كان الأسم مكتوبا باللغة العربية، وبدت بعض الكلمات حوله بالإنجليزية.. وهو يشير إلى طريق يمتد بين المزارع والحقول وبعض الأكواخ والمساكن القديمة.
توقفنا لرؤية الشارع عن قرب، واكتشاف المعالم المحيطة به..
لم يكن هناك شيئا مميزا له، ولا ما يشير إلى مسقط أو عمان من معالم ومباني، وحتى أحداث أو صور ومشاهد نسترجعها من التاريخ القديم.
عرفنا تاليا، أن الأسم اطلق على هذا الشارع منذ سنوات، عرفانا بالمساعدات التي قدمتها السلطنة لجمهورية جزر القمر، والإسهام البارز للحكومة العمانية في اعمار وتنمية هذه البلاد، والمساهمة في مشاريعها التنموية والبنية التحية مثل رصف الطريق الواصل بين مدينتي موروني وإيكوني داخل العاصمة، وكذلك رصف طريق آخر فى جزيرة (هنزوان)، والمساهمة فى تطوير الصيد البحرى بالأرخبيل القمري، ودفع ديون جزر القمر لدى البنك الإسلامي للتنمية.. وغيرها من المساهمات غير المعلنة.
كان شارع مسقط، واحدا من العلامات الدالة على العلاقة الوثيقة والترابط بين سلطنة عمان والإتحاد القمري، فالتقارب العماني القمري بدأ منذ مرحلة مبكرة قبل الإسلام وبعد الإسلام، كما توافدت إلى جزر القمر هجرات عمانية، وكان لهم جهود كبيرة ومتواصلة في نشر الإسلام، دون أن يكون هناك أطماع أخرى، ولذلك تألف الشعب القمري مع العمانيين الواصلين إليهم، الذين اندمجوا في المجتمع القمري اندماجا فريدا من نوعه، حتى أصبحوا يتقلدون المناصب السياسية والسيادية الهامة ومراكز صناعة القرار، بعدما استوطن الكثير منهم فى أنحاء جزر القمر.
في موقع أخر، كانت أمواج البحر تصطدم بالصخور الجبلية، وكانت التلال الجبلية الصاعدة من الماء ترسم لوحة جمالية للمكان، تصادفنا هناك مع باحث قمري يحكي لمجموعة "عمانية" وصلت قبلنا إلى المكان حكاية المسجد الموجود قريبا من الشاطيء.. والذي تم بناؤه على نفقة أحد رجال الأعمال العمانيين، منتقلا للحديث عن حكاية مطار الأمير سعيد إبراهيم أحد أمراء جزيرة القمر الكبرى سابقاً، وذرية هذا الأمير، ومراكزهم الوظيفية.
ثم اخبرنا عن تقليد قمري قديم ـ لم أجد له مصدر أخر ـ كيف أن بعض الفتيات القمريات كنّ يصعدن إلى أعلى التلة الجبلية المحاذية إلى البحر، ومن هناك يرمن أنفسهم في عرض الماء، هربا من الزواج "القسري" من الذين وصفهم محدثنا أنهم "انجاس"..
كانت اشارته تلك تعيد إلى الأذهان بعض الصخور القريبة من البحر، أو في عرضه، والتي ترتبط باسطورة أو تقليد معين، فيلازمها في كل زمان.. كما هو الحال في صخرة أفروديت في قبرص، وصخرة الروشة في لبنان.
كانت لكنة محدثنا العربية المطعمة باللسان الأفريقي، تحفزنا على الحديث معه طويلا، غير أن وقت غروب الشمس كان قد أزف، والليل بدأ يرسل خيوطه، وكنا قد وضعنا زيارة جامع السلطان قابوس في قرية مدي بالعاصمة موروني ضمن جولتنا هذه.. ولذلك ودعناه، وهو يخبرنا عن محاضرة ستقام في اليوم التالي ضمن المؤتمر الدولي "علاقات عمان بدول القرن الأفريقي" قال أنها على درجة من الأهمية، حيث سيقدم الدكتور عبد الرؤوف عبده عمر عميد كلية الامام الشافعي للعلوم الإسلامية والعربية في جامعة جزر القمر، قرءاة عن بعض الشخصيات ذات أصول عمانية في جزر القمر، وأبرزهم السيد محمد شريف أحمد العالم الذي ذاع صيته في شرق أفريقيا بين زنجبار ومدغشقر وجزر القمر.
والسيد محمد شريف أحمد من أحفاده الشيخ أحمد الطيور الذي يقال عنه أنه لما أراد أن يعود إلى عمان بعد أن قضى أكثر من ستين سنة في جزر القمر، توفى خلال سفره في البحر، ويقال أن الطيور أخذت جثته، ولم يعرف له قبرا، فسمي بأحمد الطيور.
كان جامع السلطان قابوس في قرية مدي بالعاصمة موروني، والذي وصلنا إليه وقت الغروب، وبعد أن رفع الأذان لصلاة المغرب يبدو في مراحله الأخيرة، وقد قام بنيانه على فضاء واسع، تحيط به المزارع والبساتين، وظهرت في الجوار بعض الانشاءات لمراكز ومباني، ربما استفادت من المواقع المتميز للمكان، والذي ستكتمل ملامحه، بمجرد الإنتهاء من بناء الجامع.
تعود قصة جامع السلطان قابوس إلى تسعينيات القرن الماضي إبان حكم الرئيس الراحل سيد محمد جوهر الذي حكم خلال الفترة من (1990-1995م)، حيث أطلق مشروعا لإقامة الجامع بدلا من المسجد الصغير الذي كان يوجد في قرية مدي، وكان حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، من أكثر الداعمين لإقامة الصرح الديني، وتبرع بسخاء لأجله، وعرفانا من سكان القرية بهذا التبرع السخي، أطلقوا أسم السلطان قابوس على الجامع، لينضم بذلك إلى بعض المعالم التي تحمل بصمة السلطنة، واسما يمت لها بصلة.
رأيت صف المصلين لصلاة المغرب، يناهز أصابع اليدين، ورغم أن الكهرباء والإنارة لم تصل إلى صرح الجامع، إلا أن الأهالي افترشوا الحصير والمفارش وسجادات الصلاة لأداء فرضهم، وقد تناهى إلينا ونحن نطوف حول الجامع لاستكشاف أركانه، صوت قراءة جميلة للإمام من سورة البقرة.. قول الله سبحانه وتعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ).
كان التسابق العماني قيادة وحكومة وشعبا لدعم الشعب القمري، والمساهمة في اقامة المشاريع التنموية، ودعم الخدمات من الزراعة والصناعة والسياحة والصيد البحري، إلى دعم انضمام الجمهورية إلى كيان جامعة الدول العربية، بجانب الكثير من المواقف التي كان للسلطنة دورا كبيرا فيها مع جزر القمر، دون أن الحاجة إلى بهرجة إعلامية، وعناوين براقة في الصحف والمجلات، وأحاديث تلفزيونية تستذكر هذا الدعم كل حين، فقد كانت وقفة عمان إلى جانب الأشقاء في جمهورية جزر القمر الإتحادية، وقفة واجب تمليه قواسم مشتركة عديدة بدءا من العروبة والإسلام وحتى التاريخ المشترك.
في تجوالنا اليومي، تعرفنا على الكثير من التقاليد العربية والأخلاقيات المتشابهة مع عادات وتقاليد عمانية، ورأينا التأثير العربي واضحًا جليًا على أهالي جزر القمر، كما هو الحال في شرق أفريقيا بشكل عام، حيث أنهم قلدوا العرب عامة والعمانيون خاصة في كثير من مظاهر حياتهم الاجتماعية وسلوكهم سواء كان ذلك في الدين، أم في العلاقات والمناسبات الاجتماعية وفي زيهم ومظاهر حياتهم اليومية.
كان محمد المرجبي بحكم زياراته المتكررة على المنطقة، واقترابه من كل مكونات المجتمع الأفريقي، وتعرفه على عادات وتقاليد الشعوب في شرق أفريقيا، ذات الجذور العربية، يضيء لنا المناطق المعتمة في فهمنا لهذه البلاد، وكان يحدثنا كثيرا عن مشاهداته السابقة، والمواقف التي تصادف معها، والحكايا التي يتذكرها حينئذ.
كانت أسئلتنا كثيرة، واجابات الكثير منها نجده ماثلا على الأرض، فالبلاد الغنية بالموارد الطبيعية والمنتجات الزراعية، والمقومات السياحية تنتظر المستثمرين، وتترقب رأس المال العربي الذي ينعش البلاد اقتصاديا.. ويدير عجلة التنمية فيها، لكن الإستثمار ظل غائبا عن كل ذلك، رغم أن قوانين الإستثمار في جزر القمر هي من أفضل القوانين الاستثمارية على مستوى أفريقيا، كما قال لنا فخامة الرئيس عثمان غزالي رئيس جمهورية جزر القمر في لقاء جمعنا به.
كانت جزر القمر.. وكأنها منسية من خارطة الوطن العربي، ولا يكاد ذكرها يأتي آبان الحديث عن الدول العربية، وموقعها الجغرافي، فرغم تاريخها الضارب القدم، وصلاتها مع دول المنطقة، كانت جزر القمر تغني وحيدة تحت شمس المحيط، وتناجي البحارة الذين تركوا سفنهم ورحلوا.
في جولتنا في السوق، قلبت بصري في البضائع والمنتجات الموجودة، كانت بعض المحلات التجارية بسيطة جدا، حد أنها لا تعرض أكثر من عبوات المياه ومنتجات غذائية بسيطة، وحلويات الأطفال، وتفترش النسوة وبعض الباعة حواف الطرق لتبيع منتجات زراعية، مثل المانجو والذرة وثمار الليتشي..
أما المنازل.. فكانت هي الأخرى بسيطة جدا.. كانت العائلات تقطن البيوت الصغيرة، ويتكدس بعض أفرادها في منازل غير ثابتة، بين المزارع والحقول، دون أن يغيب عن بصرنا البيوت الجميلة، والفيلل الراقية، لكنها كانت محدودة بالمقارنة مع الصورة العامة للمباني والدور السكنية.
وبين المنازل والحقول، كانت المساجد بتصميمها المعماري البسيط تنتشر في الأرجاء، وتقدم صورة عن حالة المجتمع القمري المسلم، الحريص على أداء الصلوات في المساجد، ولقاء بعضهم البعض في هذه الأماكن.
الترابط المجتمعي، والتواد في المناسبات الدينية والأفراح، والتكاتف هو ما ظهر لنا في بعض المناسبات التي اقتربنا منها، أو تلك التي عرفنا عنها، وسمعنا بها سيما وأن رفيق الرحلة محمد المرجبي كان كنز معلومات بشأن أحوال جزر القمر.
كانت العادة الأبرز التي تعرفنا عليها، حتى من قبل أن نصل إلى هذه البلاد، مما أخبرنا به المرجبي عادة احتفالات الأعراس، أو ما يسمى بـ"الزواج الكبير"، وهو احتفال فخم يقيمه المرء ولو بعد سنوات طويلة من زواجه، حتى يكون له مكانة وجاها بين الناس، فهو بدون اقامة هذا الاحتفال يمنع من إرتداء العمامة السعيدية، ولا يُقدم في المجالس، ولا في الصف الأول في الصلاة، وقد يكون الرجل قد تزوج منذ سنوات طويلة وأنجب أولادا كبارا، ولكن لن يعترف به أو يحظى باحترام المجتمع ما لم يقم حفلة الزواج الكبير.
كان اقامة هذا الاحتفال بمثابة إعلان إفلاس المحتفِل، فهو يدعو الناس من كل حدب وصوب، ولا يكتفي بتقديم وليمة الغداء أو العشاء، بل ويقدم لكل ضيف منهم مبلغًا من المال كمصاريف لانتقاله من وإلى بلدته.
في هذا الاحتفال يرتدي العريس العمامة البوسعيدية والبشت المطرز المصنوع من قماش الجوخ، بخيوط مذهبة أو غير مذهبة، إيذانا بالتحاقه بنادي الأعيان وقبوله عضوا في هيئة الوجهاء، وهي المرتبة السامية التي كان يتبوؤها العرب العمانيون في نظر المجتمع، كونهم المثل الأعلى، والأسوة الحسنة والقدوة.
ويُحْمَل العريس على محفة خشبية تشبه طارقة الموتى، ويحمله أربعة رجال يمشون به بين الحضور كأنهم يمشون بجنازة، بينما يتربع هو بعمامته السعيدية، وبشته وابتسامته الكبيرة على كرسي أعلى هذه المحفة.
كانت صورة حمل العريس، والمصاريف الباهضة التي يتحملها في الزواج الكبير ليكون من الوجهاء، موافقة للصورة المتخيلة عن الجنازة.. فالعريس والميت في الصورتين سواء.. فما الذي سيجنيه المرء من وجاهة اجتماعية ومركز عالٍ، وهو مديون أو عديم المال..

للرحلة بقية

تجوال: خلفان الزيدي
Twitter: @khalfan74