[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/themes/watan/images/opinion/mohamedbinsaidalftisy.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]محمد بن سعيد الفطيسي[/author]
ما يجب الإشارة إليه والتنبيه عليه في هذا السياق هو أن تلك الضغوط السياسية والأمنية على سلطنة عمان ستتزايد خلال المرحلة الزمنية القادمة بسبب تزايد وتشابك ملفات الصراع وارتفاع مستوى كم وكثافة الأزمات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، يضاف إلى ذلك ارتفاع سقف تلك التعقيدات النابعة عن بروز العديد من التوجهات الكبرى في النظام العالمي المتشكل من عشرات الملفات المعقدة أصلا...

يعد ارتفاع سقف تأثيرات وضغوط الجغرافيا السياسية على الأمن القومي والسياسة الخارجية العمانية من أبرز النماذج والأمثلة الواقعية على تطبيقات مقولة الجنرال ورجل السياسة الفرنسي شارل ديجول: إن الجغرافيا هي قدر الأمم. وإن كان هذا القدر قد مكن سلطنة عمان من امتلاك العديد من الأوراق السياسية والأمنية الرابحة على رقعة الشطرنج الدولية عموما, والشرق أوسطية على وجه التحديد، ما جعلها واحدة من أبرز القوى المحورية في منطقة الشرق الأوسط و(عقدة الالتقاء عند مدخل الخليج العربي)(1) وغيرها الكثير من المميزات والخصائص والسمات التي ترفع من مستوى الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية لسلطنة عمان. وهو ما أشار إليه بدقة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ورعاه ـ في قوله (إننا بوابة الجزيرة العربية وطريق النفط) (2)
إلا أنه وفي ذات الوقت تسبب لها بالكثير من التحديات السياسية والإشكاليات الأمنية والاقتصادية وفاقم من تراكم المسؤوليات الدولية والإقليمية عليها، مع تزايد انعكاسات ما يطلق عليه بالصراع حول مناطق النفوذ والهيمنة والسلطة في منطقة الشرق الأوسط . حيث تعد سلطنة عمان واحدة من أبرز مفاتيح الولوج إلى تلك المنافذ الاستراتيجية . بل ويمكن التأكيد على أن تلك المكانة تضعها في موقع الثقل الاستراتيجي والجذب السياسي الذي يدفع ببقية أطراف المنظومة الدولية الطامحة إلى تعميق دورها الإقليمي والعالمي في هذه المنطقة إلى مساعي استجدائها والتقارب والتحالف معها من جهة، أو السعي إلى اختراقها وإضعافها والسيطرة عليها بمختلف الوسائل الهادفة إلى إزاحتها وإبعادها عن طريقهم من جهة أخرى.
وفي هذا السياق يقول صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله ورعاه ـ (لا شك أنه لم يعد يخفى على أحد أن الجزيرة العربية بما فيها الخليج... في كل بقعة منها أكثر من ثروة، ولعل في مقدمتها البترول تصبح مطمعا، أن هذه الثروات تفتح شهية الآخرين، أينما كانوا شرقا أو غربا، ولعلك تستطيع أن تلمس ذلك في المنافسة التي تقوم بها الشركات، ولا شك أن دول هذه الشركات تقف وراءها ... بل أكثر من ذلك فإن البعض يحاول أن يتبع أساليب تفتيت الوحدة الوطنية من أجل مآربهم في خيراتنا)(3). يضاف إلى تلك العوامل أن منطقة الشرق الأوسط تحتوي أصلا على (بذور متعددة للخصام والعداوة فيما بين دولها منذ القدم .... كما لم تخل المنطقة وبالذات منطقة الخليج العربي من الصراعات الدولية خاصة بعد إدراك الدول العظمى مكانتها الاستراتيجية والاقتصادية نظرا لثرواتها من النفط الأساسي اللازم لنهوض الصناعات المتطورة في البلدان الصناعية، إضافة إلى احتضانها لمضيق هرمز الممر الهام نحو العوالم الخارجية والمتحكم في سير النفط)(4)
على ضوء ذلك وجدت سلطنة عمان نفسها في دائرة ضيقة من الخيارات الاستراتيجية المتاحة للنأي بالنفس بعيدا عن عواصف التجاذبات والصراعات الدولية والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت كانت مضطرة للعب دور استراتيجي بالغ الأهمية والحساسية في هذه البيئة المليئة بالنزاعات والأزمات السياسية والأمنية بالغة الخطورة والتعقيد بحكم موقعها الاستراتيجي المحوري من جهة، ولأنها بكل تأكيد على يقين تام بأنها جزء لا يتجزأ من هذه البيئة المضطربة والتي بلا شك ستنعكس تأثيراتها وانعكاساتها الخطيرة عليها من جهة أخرى، سواء كان ذلك على المدى القريب أو البعيد في حال تفاقم سقف أزماتها ومشاكلها.
الأمر الذي دفعها برحابة صدر إلى أن تمارس دور" الوسيط " من جهة، و"الإطْفائيّ" لعشرات الملفات الساخنة أو المشتعلة في هذه المنطقة من رقعة الشطرنج الدولية من جهة أخرى بالرغم من إدراكها بأن منطقة الشرق الأوسط ستظل (المنطقة الأكثر احتمالا للانفجار في العالم كله. مهد الحضارة التي يمكن أن يغدو مقبرتها)(5). وكذلك أن ذلك سيتسبب لها بالكثير من الضغوطات السياسية والاقتصادية والمسؤوليات الأمنية. هذا الدور الذي مارسته بكل احترافية سياسية وأمنية بعيدا عن الأنانية والإملاءات والتفضل به على أحد، بل وكما أشار جلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان بأنه امتداد لما تشعر به سلطنة عمان من واجب عليها تجاه أمن واستقرار المنطقة. ومن خلال هذه الأدوار تشكلت النظرة العمانية السياسية منها والأمنية إلى قضايا المنطقة بوجه عام وإلى قضايا وملفات منطقة الخليج العربي على وجه الخصوص.
وفي هذا السياق يقول جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إن (عمان لا تريد أن تفرض نفسها على أحد، ولكن عمان مستعدة دائما وأبدا أن تقوم بواجبها وتقوم بدورها في المنطقة حسب إمكانياتها واستطاعتها ومكانتها في العالم، وأن تؤدي دورها المطلوب منها من أجل تحقيق الهدف الأسمى وهو الرفاه والأمن والاستقرار وكل ما فيه مصلحة المنطقة، وعلى كل حال فإن الذي علينا هو تنفيذ الواجب)(6). ويؤكد ذلك كذلك بقوله (إن طموحات عمان السياسية أن تحافظ دائما على التوازن في جميع السياسات وأن تحد من التطرف في أي اتجاه وهذا هو الدور الذي تسعى إليه السلطنة دائما وتطمح في أن تنجح فيه) (7)
ومن أبرز الأمثلة الراهنة والملفات الحاضرة على تلك التأثيرات العابرة للحدود الوطنية النابعة من صراع القوى الإقليمية والدولية على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، والتي كان لها أبلغ الأثر في تشكيل مجموعة الضغوط السياسية والأمنية الناتجة عن ارتدادات الموقع الجغرافي والمكانة الجيوسياسية ومكانة السلطنة بين مركز الجذب والتأثير الإقليمية. الملف النووي الإيراني وملف الصراع في اليمن على سبيل المثال لا الحصر. تلك الملفات التي كانت فيها سلطنة عمان حاضرة أمنيا وسياسيا في الصفوف المتقدمة، انطلاقا من الأسباب والأهداف والدوافع التي سبق التطرق إليها.
إذًا يمكن التأكيد على وجود مصدرين واضحين لبناء وتشكيل البعد الأمني في الأطروحات العمانية لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط. بالرغم من تحديات وضغوطات تلك النظرة الاستراتيجية عليها، هما: (ما فرضته الحقائق الجيواستراتيجية المتمثلة بموقع سلطنة عمان على مدخل الخليج العربي "مضيق هرمز" حيث إنها تشرف على الجهة الغربية من هذا المدخل وهي الجهة المؤثرة والمهمة، حيث يمر فيها معظم خطوط الملاحة الدولية العابرة لهذا المضيق، وتشاطئها عليه إيران التي لم تكن أيام الشاه أو الآن على وفاق مع بعض دول الخليج العربية.... وثانيهما: هو تلك الخبرة التاريخية التي تكونت لدى السلطنة من خلال تجاربها مع القوى الدولية والإقليمية في مياه الخليج العربي والمحيط الهندي بحكم موقعها الجغرافي)(8)
الأمر الذي كان له أبلغ الأثر كما سبق أشرنا في التأثير على الكثير من مشاريع الهيمنة وطموحات النفوذ أو خيارات توازن القوى المختلفة، سواء تلك الإقليمية منها أو القارية أو حتى الدولية في الشرق الأوسط من جانب، أو على أمن واستقرار المنطقة من جانب آخر، وهو أمر غير خافٍ على مختلف أطراف المنظومة الدولية، سواء من الدول أو المؤسسات السياسية والأمنية العابرة للحدود الوطنية، الأمر الذي أدى بدوره كذلك إلى ارتفاع سقف تلك الضغوطات السياسية والأمنية عليها من جهة، وازدياد الأطراف الضاغطة عليها من جهة أخرى. خصوصا تلك القوى الإقليمية التي تسعى إلى التأثير واستغلال التحولات في النظام العالمي الراهن من أجل تحقيق أهدافها وطموحاتها على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية. أو أخرى تختلف معها في سياساتها وتوجهاتها ونظرتها إلى بعض القضايا والملفات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط. والذي بدوره برز جليا في مستويات الخطاب السياسي للعديد من القوى الإقليمية والقارية أو حتى الدولية تجاه ذلك الدور الذي تلعبه السلطنة العمانية على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية.
وما يجب الإشارة إليه والتنبيه عليه في هذا السياق هو أن تلك الضغوط السياسية والأمنية على سلطنة عمان ستتزايد خلال المرحلة الزمنية القادمة بسبب تزايد وتشابك ملفات الصراع وارتفاع مستوى كم وكثافة الأزمات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، يضاف إلى ذلك ارتفاع سقف تلك التعقيدات النابعة عن بروز العديد من التوجهات الكبرى في النظام العالمي المتشكل من عشرات الملفات المعقدة أصلا كبروز نظام حكم الكثرة وتراجع المركزية الأميركية ومأزق توازن القوى الدولية وارتفاع سقف التجاذبات والصراعات الطائفية والقومية. وتطور وسائل وأدوات الصراع السياسية والعسكرية، وظهور العديد من الاصطفافات والتحالفات الفضفاضة على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، والتي أجد أنها ستدفع إلى انقسامات وتحولات جوهرية في هياكل البنية السياسية في المنطقة، ما سيؤدي بدوره كذلك إلى تزايد الضغوطات على السياسة الخارجية العمانية من جهة وارتفاع سقف المخاطر على أمنها الوطني من جهة أخرى.