هناك إنجازات علمية واختراعات ضاعت هباءً لأنها لم تولد في بيئة تعرف قيمتها الحقيقية ولم تستغل نجاحاتها لتسير بها في مسارها الطبيعي إلى حيز قطف الثمار, إنما أصبحت مجرد ملفات محفوظة مذيلة باسم شخص ذي مبتكر فقط له قدرة على الاختراع. ولكن إهمال الاختراعات واكتشافات المبدعين وضعف الاهتمام بإكمال مسيرة النجاح للمخترعين وعدم تشجيعهم معنويا، بالإضافة إلى تناسيهم في الدعم المادي لتقديم وترويج الأعمال المبتكرة في السوق يؤدي إلى ما نشهده من هجرة الأدمغة والتي تتجاوز النسب المعقولة.

بين زمنين متقاربين تغيرت ملامح الحياة، حيث كان وقبل جيل اغتيال الأدمغة العربية موضة سائدة شهدنا فصولها في أكثر من بلد حتى بات الخوف يلازم ذوي الإمكانات العالية من البوح بما لديهم من أحلام قابلة للتطبيق والتي كانت ترمي إلى خدمة المجتمعات وتحسين ظروفها على أكثر من صعيد.
ومع التطورات الحالية أصبح الاختراع في هذا الزمن ممكنا باعتباره ركنا أساسيا حيال تقدم أي دولة، بل وسر قوتها الاقتصادية وحضارتها، وقد كان للاختراعات على مر المراحل الدور البارز في تغيير طريقة حياة البشر، وتكاد تكون هي المدخل الرئيسي لوجود الحياة العصرية بعد أن أسهمت العديد منها في قيام الثورة الصناعية التي كانت بمعظمها نفعت البشرية، إلا أن بعضها جاءت ضارة مثل الأسلحة الفتاكة، وبعضها الآخر ظل نافعا وضارا في آن واحد مثل السيارة التي هي وسيلة سريعة ومريحة للتنقل وبنفس الوقت تسهم في تلويث الجو.
هناك إنجازات علمية واختراعات ضاعت هباءً لأنها لم تولد في بيئة تعرف قيمتها الحقيقية ولم تستغل نجاحاتها لتسير بها في مسارها الطبيعي إلى حيز قطف الثمار, إنما أصبحت مجرد ملفات محفوظة مذيلة باسم شخص ذي مبتكر فقط له قدرة على الاختراع. ولكن إهمال الاختراعات واكتشافات المبدعين وضعف الاهتمام بإكمال مسيرة النجاح للمخترعين وعدم تشجيعهم معنويا، بالإضافة إلى تناسيهم في الدعم المادي لتقديم وترويج الأعمال المبتكرة في السوق يؤدي إلى ما نشهده من هجرة الأدمغة والتي تتجاوز النسب المعقولة.
لا شك أن ثمة العديد من الفوائد للاختراع من بينها تعزيز الاقتصاد وجلب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين المنافسة التكنولوجية التجارية, وفتح باب المنافسة لتقديم أفضل الإبداعات والابتكارات للبشرية. وسد الحاجات سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية, مما يجعل من الضروري نشر ثقافة الوعي العلمي بالاختراعات داخل كل مجتمع.
إن المشكلة الكبرى لا تكمن في براءة الاختراع وإنما في تبني الاختراع, وحتى لا يذهب مجهود المبدع سدًى لا بد من تبني الاختراعات, وذلك بإنشاء وزارة باسم وزارة الاختراع والبيئة للحفاظ وللاهتمام بالمخترعين وبالبيئة أو إنشاء جهة تُعنى بالاختراع تهدف إلى تعزيز وتطوير الإبداع لإدخاله في الآلة الصناعية, وتعنى بالاختراع ما بعد الفوز, وهي مرحلة مهمة ومكملة لمرحلة ما قبل وأثناء الفوز. وعلى أن تكون تلك الجهة خاضعة لإشراف علمي, وفي إطار قانوني دولي تتحقق من خلاله حقوق الملكية الفكرية للمخترعين دون أن تكون مقتصرة على دولة محلية بعينها, مع وجود وقفية كبيرة ومستقلة للإنفاق على نشاطاتها.
من الأهمية إنشاء جهة مستقلة ترعى المخترعين واختراعات المسلمين في كافة الميادين الإنتاجية، وتعد الخطط والسياسات لتنفيذ الاختراعات وتطبيقها, وتنسيق وتواصل مع الجهات الحاضنة للمخترعين في العالم الإسلامي. وتكوين قاعدة بيانات براءات الاختراع والتواصل مع المخترعين وعقد لقاءات معهم لبحث اختراعاتهم ومدى جدواها الاقتصادية والعلمية ومدى أثرها على النهضة العلمية, وتصنيفها كلًّا بحسب أهميتها وإمكانيات تطبيقها. وأيضا لعب دور الوسيط والمنسق بين المخترع وجهة التنفيذ المتمثلة في المصانع والشركات، وبينه وبين شركات الإنتاج لتسويق الابتكارات والأجهزة المخترعة، وعقد اتفاقات مع رجال الأعمال لإدخال أي ابتكار عملي حيز التنفيذ. فالتمويل والتسويق يبقيان أهم التحديات التي يواجهها المخترعون.

سهيلة غلوم حسين
كاتبة كويتية
[email protected] إنستجرام suhaila.g.h