لم أتوقع أن حديث ابنتي وكشفها لي عن مبادرة أطلقتها وزميلاتها بالمدرسة قد تفتح ذاكرتي على الزمن الجميل وليأخذني طائفا بي فصول مدارسي التي انتقلت فيها، بل ويرجع لي الصدى لصوت معلماتي وزميلاتي وطابور الصباح والإذاعة المدرسية التي كان لي نصيب فيها، وأنا أشارك اللحظة الشرفية على خشبة "المسرح المدرسي" تلك المنصة التي كانت تجمعنا كل صباح وكانت ملتقى لتجمعنا وصديقاتي لتقمص بعض الأدوار وإسقاط طفولتنا في لحظات المرح التي معها تعرفنا مبكرا على هذا المكتسب الذي لم تخل آنذاك مدارس العقود الأولى للنهضة المباركة من "المسرح المدرسي" حينما كان جزءا من المؤسسة التعليمية والرسالة التربوية.
نعم "المسرح المدرسي" الحاضر الغائب الآن في مدارسنا، الذي لم تعرفه ابنتي ولم تتذوق حظوته وتشهد قيمته، وتكون سعادتها كبيرة لأن تبادر هي وزميلاتها لإعادة أمجاد المسرح المدرسي في مدرستها التي انتقلت لها هذا العام ، والتي تمتلك مسرحا كبيرا ، وقد مارس دوره بكل تفان وحب في فترات سابقة ، إلا أن ملامحه شاخت وبدت في حاجة لتغذيتها من جديد ، لتسعدني مبادرة الطالبات التي اهتمت بعرض فكرتها على مديرتهم التي قابلتها بالترحاب .
إلا أنني أبقى حائرة حول غياب المسرح المدرسي في مدارسنا في الوقت الذي آمن به الفكر التعليمي في بدايات النهضة ليكون جزءا من المبنى المدرسي وموجها تعليميا وثقافيا، ونشاطا اصيلا في المؤسسة التعليمية ولذلك اين هو الآن كصرح؟ اين هو الآن كمنصة فكرية عندما يكثر الحديث عن البيئة المدرسية والمبادرات الطلابية والموجهات الاخلاقية والتوعوية ، والحاجة لانشطة ابداعية وخطابات اعلامية وفكرية ومعرفية؟!
فالمتتبع لدور المسرح المدرسي خلال السنوات الماضية وما أنتجه من فكر وأخرجه من قدرات وحققه من إنجازات سيلمس حجم الحاجة لعودة هذا المكمل التعليمي، والموجه التفاعلي الذي يفقده أبناؤنا حيث للأسف نحن من يسلب هذا الجيل الإحساس به، الذي يُسجن في النظريات التعليمية الحديثة والتقنية التي تتلون بخطاباتها ويدس كثيرها بالمعلومات التي تحولهم لشخصيات مهزوزة تفتقد للثقة وتراكم المعرفة .
المسرح سابقا لم يكن ترفا ولا وسيلة ترفيهية بل كان باعثا للقيم والهمم ، وصانعا لكثير من الأوطان .

جميلة الجهورية
من اسرة تحرير الوطن
[email protected]