لا يحدث ذلك إلا لشاعر يعشق الموسيقى، حد العطش، فيسمح لها بالمرور عبر شرايينه كالأوكسجين، لترتوي بها كل خلية في جسده عندما يمر الشاعر، وهذا ما حدث للشاعرة الشابة باسمة غنيم في مجموعتها الأولى "أقطع وترًا لأزرع كمنجة"، تستنبت الشاعرة باسمة غنيم الموسيقى، من شجرة الموسيقى نفسها، كما تستنبت الأشجار بالفسائل. تنفي غنيم عن نفسها عملية اقتراف الشعر، لكنها في قصيدة "شاعرة" تعدّ نفسها مفتاحَ وطن منسيّ، في قلب أبيها لا يضيع. وأنها أرقٌ يقبعُ في عمقِ الكلمات. وأنها نَمِرة تخمشُ عُمرَ الوقت، وتختال في براري الذاكرة، لِتَخْضَرَّ بمن تحب. وأنها صهيلٌ يعلو فوقَ الغمام، ليهطلَ إليها ما ضاعَ منها. وهي بذلك تود أن تؤكد على خصوصية كتابتها، مهتمة بإيصال ما تقوله إلى عقل القارئ ووجدانه. تَبرز عواطف الشاعرة بشكل جليّ في مقطوعة "سقاية الروح" التي تبث من خلالها وجعها بعد رحيل أمها، التي تعدّها أقحوانًا نما على فطرة الدين، ذلك الأقحوان المشرق كان ينقّي روحها، ويريحها من التعب، ومع غياب الأم أصبحت الطريق مفتوحة للأحزان، وبات كل شيء قادرًا على جرح قلبها، ونبتَ لحزنها شوكٌ لا يتوقف عن جرحها بوخزاته المؤلمة، ولم يعد هناك مجال للخلاص إلا بالتقائها مع أمها الراحلة."أُقحوانكالذي ينمو على شرائع الدينيُنَقّيني، يُذيب عرائش التعب عنيأُمّاهعندما غبتِأصبحَ انكسار الضوءفي القلبِ سريعًاألوك الصمتوتجرحني أشواك حزنيوباتت سقاية الروحمنكِ شفاءً لا يزول".وتضم المجموعة الصادرة عن "الآن ناشرون وموزعون" في عمّان، أكثر من مائة نص مكثفة التعبير، زاخرة بالصور الفنية والتناصات الأدبية، تتمحور حول الذات وعلاقتها بالآخر، وهو في الغالب الرجل الحبيب بتقلباته وتناقضاته:"قد كتبتُ قصيدتي، يا سيديوأنتَ راحلٌ عني!نبذتُ حروفي التائباتعمَّن سواكَفما كانَ لها سوى السؤال".وتقول الشاعرة في قصيدة "زيت وزيتون":"أنا اللا شيءقد كنتهُأنا العثرات ترجمنيأنا الهباء المنثورأنا الشجرة بلا ثَمرٍأنا ما قَدّمَتهُوعملَتْهُ يدايفكنتُ ملحًا يتآكلنيوكنتِ زيتًا وزيتونا".