طلال بن سالم الحسني:إذا كانت التجارة الخارجية الحرة من كل قيد هي افضل السياسات التي تتبع من وجهة نظر المجتمع الدولي كله، فلا شك أن التجارة المقيدة تعود بنفع أكبر على الدولة الممارسة لها، وعلى حساب بقية الدول. ونتساءل لماذا تقف الدول الكبيرة دائما مع حرية التجارة الخارجية ولماذا تقف الدول النامية والصغيرة دائما مع فرض القيود على التجارة الدولية؟ نجيب بأن الدول الكبيرة تتمتع بمركز متفوق عند المنبع أي في مرحلة الإنتاج وتريد أن تحقق مكاسب اقتصادية من هذا التفوق، ولهذا فهي مع حرية التجارة الخارجية. أما الدول النامية والصغيرة فهي لا تتمتع بهذا المركز المتفوق في عملية الإنتاج ولهذا فهي تريد مواجهته في مرحلة التبادل عن طريق وضع العديد من القيود عليه. وتختلف السياسات التجارية باختلاف النظم الاقتصادية وهي في الدول الصناعية المتقدمة تختلف غيرها في الدول النامية فلكل دولة أهدافها ووسائلها في تحقيق هذه الأهداف. وبالرغم من أن العلاقات الاقتصادية بين الدول مسألة قانونية قائمة بذاتها إلا انه لا يمكن فصلها تماما عن العلاقات الاجتماعية والسياسية الدولية، إذ ترتبط دول العالم بشبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتبادلة. والتجارة الدولية لها أهميتها القصوى في حياة الشعوب، حيث يؤدي اتساع نطاق التبادل الدولي إلى زيادة مقدرة الدول على إشباع حاجات سكانها وبالتالي إلى ارتفاع مستوى الرفاهية الاقتصادية فيها. ومع ذلك فإن المشاهد عملا هو اتجاه مختلف الدول إلى الحد من حرية التجارة الدولية وفرض العقبات في سبيل اتساع نطاق التبادل الدولي. ولا شك أن الاتجاه إلى فرض القيود على التجارة الدولية، رغم ما يحققه التبادل الدولي من نفع لأطرافه هو أمر يحتاج إلى تفسير، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية واعتبارات الأمن الوطني في تشكيل سياسة الدولة في هذا المجال. ومع استمرار القيود المفروضة على التجارة الدولية يتسم العصر الحديث بتعدد مظاهر التعاون الاقتصادي الدولي وانتشار الأجهزة الدولية الجماعية التي تقوم على تحقيق سواء على النطاق الدولي أو على النطاق الإقليمي. ويتساءل البعض عن المقصود بالسياسة التجارية الدولية ومدى أهميتها في حياة الشعوب والدول بصفة عامة؟ نجيب بالقول بان السياسة التجارية الدولية هي مجموعة الإجراءات التي تطبقها الدولة في مجال التجارة الخارجية بغرض تحقيق بعض الأهداف وتتعدد وسائل تلك السياسة والتي تعد جزءا من السياسة الاقتصادية بصفة عامة، تبعا للنظام الاقتصادي السائد، وتتعدد الأهداف التي ترمي الدولة إلى تحقيقها، فهناك الأهداف الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية. والسياسة التجارية التي تتبعها الدولة أما أن تكون سياسة حرية التجارة وأما سياسة الحماية. فماذا نقصد بسياسة حرية التجارة؟ نقصد بسياسة حرية التجارة على الوضع الذي لا تتدخل فيه الدولة في العلاقات التجارية الدولية. أما سياسة الحماية فنقصد بها السياسة التي تتبعها الدولة للتأثير بطريق أو آخر على اتجاه المبادلات الدولية أو حجمها أو على الطريقة التي تسوى بها المبادلات. ويدل الواقع الملموس على أن السياسات التي تطبقها مختلف الدول في التجارة الخارجية تحوي مزيجا من الحرية والحماية. ومن الوسائل التي تتبعها الدولة ويكون من شأنها التأثير على حرية التجارة الدولية الرسوم الجمركية. والرسم الجمركي هو ضريبة تفرضها الدولة على السلعة عند عبورها الحدود الجمركية الوطنية دخولا (واردات) أو خروجا (صادرات). والغالب أن الدولة تفرض الرسوم الجمركية على الواردات كوسيلة أساسية لتطبيق سياسة الحماية التجارية. وتهدف الدولة من فرض الرسوم الجمركية تحقيق آثار معينة ينعكس بعضها على مستوى الدخل القومي للدولة وعلى ميزان مدفوعاتها، وكذلك تؤثر هذه الرسوم على معدل التبادل التجاري وشروط التجارة بين الدول وتحمي الصناعات المحلية التي تحتمي وراءها، وتخفيض الاستهلاك من السلع،وتوفير إيرادات الدولة. ففرض الرسوم الجمركية يساعد على زيادة الدخل القومي حيث ترتفع أثمان الواردات وهذا يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع المحلية. كما أن فرض الرسوم الجمركية يؤدي إلى تحسين ميزان المدفوعات عن طريق تخفيض الواردات مع بقاء الصادرات على ما هي عليه. ومن أهم الوسائل التنظيمية التي تلجأ إليها الدول في تنظيم التجارة الدولية فيما بينها هي المعاهدات والاتفاقيات الدولية. والمعاهدة التجارية هي اتفاق تعقده الدولة مع غيرها من الدول من خلال أجهزتها الدبلوماسية بغرض تنظيم العلاقات التجارية فيما بينها تنظيما عاما يشمل بجانب المسائل التجارية والاقتصادية أمور ذات طابع سياسي أو إداري وعادة ما تتضمن أحكام المعاهدات التجارية بين الدول النص على " مبدأ المساواة في المعاملة " وأحيانا تتضمن " مبدأ المعاملة بالمثل " على أن أهم ما تتضمنه المعاهدات التجارية من مبادئ وأكثرها شهرة هو " مبدأ الدولة الأولى بالرعاية " والذي بمقتضاه تتعهد الدولة بان تمنح دولة أخرى المزايا الممنوحة منها لمنتجات أو لمواطني أية دولة ثالثة. ويتميز الاتفاق التجاري الدولي بأنه تعاقد يتناول أمور تفصيلية تتعلق بالتبادل التجاري بين دولتين أو اكثر ويتضمن الإجراءات التي تتبع في التبادل التجاري وبيان المنتجات التي تدخل في نطاق المبادلة بين الدولتين أو اكثر. ويعتبر تحقيق الاستقرار في العلاقات الاقتصادية الدولية من الأهداف التي تسعى لها جهود التعاون الدولي، ولقد تعددت مظاهر هذا التعاون، وانتشرت الأجهزة الدولية الجماعية التي تعمل على تحقيقه، ومن أهم هذه الاتفاقيات في مجال التجارة الدولية الاتفاقية الهامة للتعريفات والتجارة، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وما تقوم به أجهزة دولية أخرى في تدعيم أواصر التعاون التجاري والاقتصادي الدولي مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة والوكالات الدولية المتخصصة كمنظمة العمل الدولية ومنظمة التنمية الصناعية وغير ذلك من هيئات دولية. * خبير القانون الدولي العام