” إن ما يزيد من مساحة التشاؤم هو غياب الخلاف الإيدلوجي عن الصورة، فالصراع الإيدلوجي الذي شهده العالم خلال الحرب الباردة، كان صراعا تنمويا في الأساس، تراجعت فيه أصوات الطلقات ليكون بحث القوتين العظميين وقتها عن مناطق نفوذ عبر دعم تنموي لحلفائها حول العالم، مما أسهم في نمو التوجه التقني بشكل مطرد، مما كان له أكبر الأثر على النمو العالمي شرقا وغربا،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سيطرت صيغة التشاؤم على الوضع العالمي، نظرا لانتشار الصراعات المسلحة في عدد من البقع مثل الشرق الأوسط وشرق إفريقيا، بالإضافة إلى التهاب بعض الأماكن الأخرى التي أضحت مرشحة للتصعيد مثل الأزمة في بحر الصين وبعض دول أميركا اللاتينية، ناهيك عن صعود غير مسبوق في العقود الخمس الأخيرة لأقصى اليمين، وعودة الدعوات الشعبوية وصعود بعضها إلى قمة السلطة، خاصة في البلدان المؤثرة على الوضع العالمي كبريطانيا والولايات المتحدة، ودخول العالم عصر الأقطاب المتعددة نظرا لبحث الدول الكبرى لمناطق نفوذ، مما ساعد على تأجيج الصراعات في المناطق الملتهبة عالميا.
إن ما يزيد من مساحة التشاؤم هو غياب الخلاف الإيدلوجي عن الصورة، فالصراع الإيدلوجي الذي شهده العالم خلال الحرب الباردة، كان صراعا تنمويا في الأساس، تراجعت فيه أصوات الطلقات ليكون بحث القوتين العظميين وقتها عن مناطق نفوذ عبر دعم تنموي لحلفائها حول العالم، مما أسهم في نمو التوجه التقني بشكل مطرد، مما كان له أكبر الأثر على النمو العالمي شرقا وغربا، حتى في دول العالم الثالث كانت فترة رغم الصراع تحمل توجها تنمويا، دعم بارتفاع الطلب على المواد الخام، خاصة موارد الطاقة، لتضخ تلك الأموال في مشاريع تنموية مهدت لأن تكون تلك البلدان أسواقا واعدة لاستهلاك والتهام التقنيات الحديثة.
وهو وضع يختلف بشكل كبير عن ما يشهده العالم الآن، فالصراع العالمي الآن لا يوجد به إيدلوجيات تتصارع، بل مصالح تتقاتل عبر وكلاء ، فالسمة الرأسمالية أضحت هي المسيطرة على الاقتصاد العالمي، وآليات السوق الرأسمالية المتوحشة، أصبحت هي العنوان الرئيسي لمعظم القوى العظمى المتصارعة، فالصراع الروسي الأميركي لا يحمل اختلافا جوهريا في التوجه الاقتصادي أو الفكري، لكنه صراع مصالح ونفوذ أشبه بما حدث بين القوى المتصارعة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث جاءت الأسباب لرغبة القوى الصاعدة في حالة الحرب الثانية محل قوى عظمى تقليدية، حتى وإن كانت تلك القوى تحارب في نفس الصف كحالة انجلترا وفرنسا وأميركا والاتحاد السوفيتي.
ولعل الدلائل كثيرة في هذا الربط فالحرب العالمية الثانية مثلا جاءت وسط حالة الركود العظيم، الذي جاء نتيجة السياسات الرأسمالية المتوحشة، والذي أثبت عدم قدرة الاقتصاد الرأسمالي في تصحيح ذاته، وهي أزمة انطلقت من الولايات المتحدة وضربت معظم العواصم العالمية، وأدت إلى ركود كبير حتى في السلع الغذائية والأولية، وتراجعت بصورة سريعة معدلات الدخل، وافلست المؤسسات المالية، أعقبها انهيار في القطاعات الاقتصادية الأساسية خاصة الصناعية، باستثناء دولتي اليابان والاتحاد السوفيتي، حيث كانت اليابان الدولة الأسرع وواجهت الأزمة بالتوسع بالتمويل بالعجز أو زيادة النفقات العامة بأعلى من مصادر الإيرادات، وقامت بتخفيض سعر عملتها بما زاد من تنافسية اقتصادها، وبحلول عام 1931 لم تفقد اليابان سوى 8 % من حجم اقتصادها، وبحلول عام 1933 كانت اليابان خارج أزمة الكساد، باختصار ساهمت الأزمة في تغيير الوجه السياسي للعالم، سواء داخل كل بلد بصعود الشعبويين بشكل مفزع على رأس السلطة في البلدان الكبرى، ورفع النعرات الوطنية وزيادة الحميائية الاقتصادية، وخروج شعارات ألمانيا أولا وأميركا الأهم، مما أسهم في صناعة أزمة أخرى أدت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية بتحالفات لا يمكن تصورها في ظروف عادية.
وبالقياس فإن هذه الحالة المفزعة هي أقرب ما تكون لما نشهده في عالمنا في الوقت الراهن. والغريب أن حالة الركود العالمي بدأت أيضا في الولايات المتحدة في2008، لتبدأ واشنطن بتصدير أزمتها الاقتصادية التي نتجت عن سياسات يمينية رأسمالية متوحشة لبلدان العالم، ليصاب العالم بضعف في النمو، فوفقا لتحذير صندوق النقد الدولي من أن عدم مواجهة التحديات التي تجعل الاقتصاد العالمي راكدا يمكن أن يؤدي إلى أزمة اقتصادية عميقة أسوأ مما شهده العالم من قبل، وأكد الخبراء إلى استمرار مخاطر "ضعف الثقة وتراجع النمو وهبوط التضخم وزيادة أعباء الديون" على الاقتصاد العالمي، وتتسق استنتاجات تقرير صندوق النقد الدولي مع خلاصة أحدث تقارير البنك الدولي حول تحديات الاقتصاد العالمي.
إن النمو يسير بخطى بطيئة للغاية منذ وقت طويل"، في الوقت نفسه، تزيد مخاطر الركود في الاقتصادات الرئيسية في العالم، وخاصة الاقتصادات الصاعدة التي تم التعويل عليها كقاطرة لخروج الاقتصاد العالمي من ركود الأزمة المالية في 2009، ومن مؤشرات ذلك، ما يبدو في أكثر من اقتصاد رئيسي في العالم من بوادر الانكماش السعري، وهو عكس التضخم (أو ما يسمى تضخم سالب) حيث يسير منحنى الأسعار هبوطا أقل من نقطة الصفر.
ولعل أبرز التشابهات ايضا مع حالة الركود العظيم هو تراجع اسعار المواد الخام، فمثلا توقع الخبراء أن الأسعار النفطية لن تصل حتى إلى نصف ما كانت عليه قبل يونيو 2014 في القريب المنظور، وصعود أصواتا شعبوية لقمة اعلى الهرم العالمي، سمعنا من خلالها عبارات عدائية ترفع لدينا المخاوف من حرب عالمية لا تبقي ولن تذر، في ظل هذا التطور التقني العسكري المرعب، ترفع من حالة التشاؤم والخوف من جنون حرب عالمية ثالثة نجد ريحتها في صراع الوكلاء في الشرق الأوسط، وفي التهاب الصراع في بحر الصين، ومن خلال رائحة التآمر ضد التجارب الصاعدة في أميركا اللاتينية، وفي الشقاق الأوروبي المكتوم.
إن جوهر الصراع الحالي بوجهه المخيف يرتبط في الأساس بصراعات اقتصادية تلعب بمقدرات الشعوب النامية من أجل حفنة من رجال الأعمال الرأسماليين الذين أثبتت التجارب أنهم يسعون لتعويض خسائرهم الاقتصادية، عبر تأجيج الصراعات حول العالم مما ينذر بكارثة، فقديما قال أحد خبراء الاقتصاد: أن ما يحدث من أزمات عالمية يؤشّر على اختلال هائل في التكوين الرأسمالي، فالاقتصاد الرأسمالي ليس في حالة جيدة، ونسبة نموه ضئيلة، وهو يغرق في أزمات قديمة وملاصقة للنمط الرأسمالي، مثل أزمة فيض الإنتاج؛ التي تفضي إلى الكساد والركود، وانهيار صناعات وشركات وبنوك، وأزمات جديدة نشأت عن التشكل الجديد للرأسمال، وتحوّل كتلة هائلة منه إلى النشاط المضارب، وبالتالي اختلال العلاقة بين الرأسمال المنتج والمال البنكي لمصلحة الأخير، وهو الأمر الذي فرض نشوء أزمات جديدة أكثر تعقيدًا من الأزمات الدورية التي كانت تمرّ بها الرأسمالية، فهل سنظل رهائن لتلك الرأسمالية المتوحشة، أم يبحث الخراء عن حلول خارج الصندوق.

إبراهيم بدوي
[email protected]