في اليوم الثاني :هذا اليوم هو ليس أحد أيامي الجميلة باليونان، فقد حصل لغط وشجار كبير بيني وبين حمد، حتى وصل بنا الحد أننا قررنا أن نلغي الرحلة برمتها أو ننفصل كل في حال سبيله، سوف أحكي لكم كل شيء لو كان هناك متسع من الصفحات في هذه الصحيفة، وربما لا أفعل، لقد ترك هذا اليوم أثرا عميقا في نفوسنا، على كل حال دعوني أحدثكم، والحق أنني ومنذ بدايته لم أصح على مزاج جيد، فما زال الخزي الذي خلقته حادثة الامس يضفي بظلاله على تصرفاتي وعلى نفسي، لقد صحوت مبكرا قبل الجميع ورحت أمشي في المدينة لأتعرف المكان والطرق وأكتشف الناس، في النهار كان كل شيء مختلفا تماما، تلك الطرق الفارغة والبنايات المظلمة امتلأت فجأة بالحركة والنور والنشاط وازدحام الناس والسيارات، المحلات التجارية تزين الطرق بعروضها ومنتجاتها المبهرة، شدني أحد محلات الملابس الايطالية فدخلته لأتفاجأ بأن الفتاة التي تعمل بداخله هي أجمل من كل شيء هناك، إنها فتاة يونانية عذبة العينين قوامها ممشوق منحوت كأجمل ما يمكن لكم تصوره، كحلية البشرة قد صففت شعرها الخمري فوق رأسها بشكل بسيط جذاب، وعيناها ملهمتان واسعتان قويتان، مع ابتسامة ضائعة على شفتيها الممتلئين، لقد وجدتني أسيرا مذعنا لذوقها واختيارها دفعت فاتورة الحساب وكانت بسيطة جدا رغم أناقتها وجودتها، كان مجموعه لا يتجاوز ١٣ يورو، سألتني عني وعن عمان وعن رحلتي، فأخبرتها كل شيء، شعرت بانجذاب شديد بيننا فرجوتها أن ترافقنا في رحلتنا الى جزيرة هيدرا فأخبرتني بهدوء وابتسامة رقيقة سمحة بأنها متزوجة ولديها أولاد.. ، تبا كيف يمكن للمرء أن يبقى متزوجا وعاقلا في ذات الوقت.وعندما عدت الى الفندق وجدتهم قد استيقظوا واستعدوا للخروج، وطلبنا حمد الى اجتماع مهم، وكنت قد بدأت أشعر فعلا بأن حمد أصبح يطلبنا كثيرا للاجتماع، وأنا من النوع الذي لا يحب الاجتماعات، لأن الاجتماع يعني أن هناك مشكلة أو مسألة جدية تقتضي اليقظة والانتباه، وأنا في السفر أحب أن أقيل عقلي واستغرق في الخمول والاسترخاء، لهذا كان كلما دعاني الى اجتماع ينتابني شيء من الكدر والضيق حتى يفصح عن ما في نفسه، وعادة ما يكون الموضوع بسيطا لا يستحق، ففي هذه المرة أخبرنا أننا سوف نفطر مع هيللين وخطيبها في إحدى المطاعم القريبة بميدان أمونيا أو أمونويا باليونانية لتناول وجبة الافطار وأنهما سوف يأخذانا في جولة سياحية في المدينة وميدان أمونيا هو أحد أشهر ثلاثة ميادين في العاصمة، ويتميز بالحديقة التي تتوسطه والفعاليات الثقافية المفتوحة التي تقام فيه خلال العام، وفعلا التقينا بهم في هذا الميدان، كان لقاء حارا كالعادة بين حمد وهيللين، ومضينا نمشي وراءهما في الشارع الذي يربط هذا الميدان بميدان سياغما الذي تحدثنا عنه سابقا في الحلقة الاولى وهما يحدثاننا عن المباني الأثرية المصطفة على يسار الشارع، كان هناك مبنى البرلمان اليوناني وهو ضخم جدا أحمر اللون غرست أمامه عدة أعلام يتوسطها ويعلوها علم اليونان، المخطط بالأبيض والازرق البحري على طرفه الايسر علامة الصليب، وهو بالنسبة لي أهم المباني في العاصمة لأنه يحكي قصة الاستقلال في اليونان، لأن اليونان قبل استقالالها كانت خاضعة للاستعمار العثماني، وفي ١٨٢٦ بدأت معركة الاستقلال واستقلت اليونان بعد ذلك وصارت ملكية، وكان اول ملك لها هو الملك اوتو الاول ، وفي عام ١٨٣٤ تم الانتهاء من بناء هذا المبنى كقصر للملك وعائلته، كان القصر من تصميم فريدرتش فون كارتنلر، وبعد ان ألغي النظام الملكي بالاستفتاء عام ١٩٢٤ حول القصر الى مستشفى ثم الى متحف واخيرا تم تعديله وإضافة إليه بعض الاقسام ليكون مبنى للبرلمان، فاليونان الآن دولة ديمقراطية جمهورية، وأسمها (الجمهورية الهيلينية)، وتعني أرض الأغريق، أما لماذا العرب يسمونها اليونان فلا أعرف، حتى ثانيسويس العريس نفسه لم يخبرني لماذا، على كل حال لا عجب ان اليونان جمهورية وعضوا مؤسسة لهيئة الامم المتحدة فهي مهد الحضارات الغربية وهي أيضا مهد الفلسفة والديمقراطية والعلوم الغربية الحديثة، حتى ان كلمة الديمقراطية ذاتها جاءت من أصل يوناني، والالكسندر الأكبر أعظم محارب وحاكم عرفه التاريخ، كان أبوه فيليب الأول هو من وحد الإغريق في دولة، وفيها تأسست المدارس وانتشرت العلوم، وأمام هذا المبنى يقف عسكريان، يلبسان زيا عسكريا متماثلا أشد التماثل حتى ان الواقف بجوارهما لا يكاد يعثر على أي فروقات بينهما وكأن أحدهما ليس إلا نسخة جينية للآخر، فزيهم العكسري القديم والقنسلوات الحمراء الطويلة حتى السحاب فوق رؤوسهم وأحذيتهم الكبيرة ذات المقدمات البارزة والمدببة في نهايتها بكرة قطنية، كان شكلهم يثير في نفسي الضحك وهم يأدون عرضهم العسكري الصباحي، لكنني لم أضحك بالرغم من أن بعض أطفال السياح الأجانب ملأو الجو ضحكا وضجيجا وعبثا بالعساكر، ومضينا الى عدة الى مبان أخرى في الشارع ذاته، كانت كلها جميلة ورخامية وقديمة جدا، ووقفنا أمام مبنى قديم جدا وهو مبني من الجاص، وفي وجه سطحه العلوي نحتت رسوما وتماثيل للرجال ونساء كالملوك أو المحاربين، وأمام المبنى وقف نصبان عظيمان تحملهما منصتان طويلتان ، وبينهما سلالم تقودان الى بوابة ذلك المبنى، وكانت مغلقة حيث كان اليوم يوم اجازة، والسياح يأتون لهذا المكان فيلتقطون الصور التذكارية، فسألت ثانيسيويس عنهما فقال لي أنه لا يعرف شخصيات هذا النصب، لكنها لأحد الشخصيات اليونانية التاريخية ربما لسقرط ربما لأفلاطون أو أبوللو هي فقط تماثيل تقريبية لأشكالهم، أما التماثيل التي في الاعلى فربما تكون تصويرا للألهة اليونان القديمة، انظر الى الاجنحة على ظهروهم والسهام والاقواس التي يحملها بعضهم، انظر الى تلك الطيور المفترسة والحيوانات ذات الاجنحة المفزعة، أنها تنتشر في أغلب المباني الاثرية في اليوانان، هذا البناء القديم المبني من الجص هو مبنى أكاديمية أثينا العالمية هي من أفضل وأشهر الجامعات، طبعا هذي الاكاديمية هي ليست ذات الاكاديمية التي أنشأها افلاطون ٥٠٠ قبل الميلاد بعد وفاة استاذه سقراط بالسم، وقد سمى المدرسة أكاديموس تيمنا باسم أحد المحاربين الاغريق المشهورين، ومنها أصبح يطلق على الجامعات والكليات اسم اكاديمية، فتلك الاكاديمية دمرها الامبراطور جستينيان لأنه كان يعتقد انها تنشر التعالم الوثينية،- تصور يا جمال ان اثار الاكاديمية ما زالت باقية حتى الآن!!..- هل يعقل ، مضى عليها الآف السنين، هل رأيتها بأم عينك؟- لا لم أرها ، لكن هذا معلوم لدى الناس والأبحاث العلمية اثبتت ذلك..- لا لا تصدق كل شي ، لو كان انطونيوس هنا لأخبرك كل شيء وبالادلة، هيا سنذهب الان الى حديقة اثينا ونراها هناك..- طيب ، ما أخبرتني ما هذا المبنى ذو الاعمدة البيضاء والجدران الصفراء..- هذا..، هذا يا عزيزي مبنى الأولمبياد، مبني من مئات السنين وأقيمت اول ألعاب اولمبية في العالم.. ، لكن الان هو مجرد معرض..- ايوااا تذكرت ، نفس الالعاب الأولمبية الي في فيلم الجلاد )- لاااا لا… ، قصة فيلم الجلاد كانت في روما، ليست هنا.لم تعجبني لهجة ثانيوسيس ولا نظراته فهو ما زال يستحضر حادثة الامس، أو أنه أنا من يتوهم انه يستحضرها أثناء أحاديثنا، على كل حال فضلت أن أتركه وأن أمشي بجوار هيللين فربما جميع المعلومات التي أخبرني عنها غير صحيحة، من يدري؟! ، وحين اقتربت منها وهيللين تعلقت بحقيبتها السوداء المعلقة على ظهرها، لأنها فعلا كانت تهرول مسرعة في المشي، سألتها ما الباعث على استعجالها في المشي فنحن أمامنا اليوم بكامله، أجابتني وقد حولت نظرة جادا نحوي : نحن مستعجلون لأننا لا نريد أن نفوت الحافلة التي ستنطلق الى مدينتنا بعد ساعة نريد أن نعود الى بلدتنا استعدادا لحفل الزواج.تفاجأت من جوابها لأنه لم يكن في حسباني ذلك، ولم أعرف بماذا أجيب، فتابعت كلامها: جمال هل لديك أماكن معينة ترغب في زيارتها في أثينا، بإمكاني أن آخذكم أو ادلكم على الطريق إن كانت بعيدة، سألتني هذا السؤال فجأة وهي متأهبة لاستماع إجابتي، الا أنني أيضا لم أعرف بماذا أجيب فأنا لا أعرف أي مكان هنا وثقافتي جدا سيئة، وعندما لاحظ حمد الحيرة على وجهي، تدخل وأضاف : هل يعني تفضل زيارة المتاحف أم الحدائق؟ إلا أنني أيضا لم أعرف بماذا أجيب، لم يخطر ببالي أن أحدا ربما يسألني هذا السؤال لذلك استغرقت وقتا حتى توصلت الى اني لا أهتم بزيارة الأماكن وإنما ما يهمني أكثر هو لقاء الناس والتعرف الى نفوسهم وتجاربهم وحياتهم، كل إنسان مدينة بالنسبة لي، فأنا أحب أن أرى اليونان من خلال ابتسامات الناس في الشارع أو من خلال حوار شيق أجريه مع بائعة لطيفة في دكان مهجور بإحدى الشوارع، كانت هيلين تنظر الى عيني مباشرة وأن أحاول جاهدا أن أشرح لهم وجهة نظري، ثم اقتربت مني وهمست بصوت خافت: إن كنت تريد ترى الفتيات الجميلات تعال يوم العرس.انصعقت من كلمتها الاخيرة، حتى ان حمد ضحك ضحكا غريبا وكأنه سمع شيئا..، مع أني رجوت أنه لم يسمع، ومضينا الى الحديقة الوطنية، وهي أشهر حديقة في اليونان، فيها نصب لأحد ملوك اليونان في القرن ١٩ ولبعض علماء الزراعة والاحياء، وربما نصب اخر لنفس العالم الالماني الذي صمم وأحضر النباتات والحيونات من حول العالم، تصوروا أن اليونانيين يهتمون بالعلماء والفنانين اكثر من الساسة والملوك، فهم دائما ما يضعون نصبا تذكاريا لهؤلاء العلماء والفنانين وتاريخهم نفسه يتحدث عنهم ويمجدهم، بل وأن ما فاجأني لاحقا أنهم نحتوا اسم المهندسين والمصممين في المباني الاثرية التي أنشؤوها، هل يمكن أن تتخيلوا لو كان لدينا مثل ذلك كيف سيمجد الناس العلماء والفنانين، تقول هيللين وهي تشير الى بركة اصطناعية فيها أنواع مختلفة من السلاحف الصغيرة هل تعلمون أن لهذه الحديقة قصة لطيفة، فانعقفت اعناقنا إليها، على الرغم من المنظر الخلاب المحيط، أرجوك اخبرينا القصة، قالت وقد لاح على وجهها شعور الغبطة لتمكنها من لفت اهتمامنا، نعم، كان ذلك في بداية القرن ١٩ أي بعد استقلال اليونان، كان الملك أوتو قد وقع في غرام مع أميرة ألمانية من أولديمبروج، كانت تملك من الجمال والأناقة والحب ما لم تمتلكه أي امرأة أخرى في عصرها، وهي الى جانب ذلك ذكية وعطوفة، فقد أحبها اليونانيون حبا كثيرا حتى ان الشعراء سجلوا فيها أجمل شعرهم وأبدع فيها الرسامون في تصويرها أروع لوحات فنية، الا أن الملك قد لاحظ أن أمرا ما كان يعكر مزاجها كلما خروجوا للتنزه، وهذا الحزن بالرغم ما كان يوقظه في وجهها من سحر فاتن ومثير الا أن الملك لا يرضى أن يكدر صفو الأميرة اي مكدر ولا سيما أنها غدت الان زوجته ، لذلك لم يبرح حتى عرف منها سبب ذلك، وهو أننها تحن الى مملكة والدها في أولدمبرج وأنها تشعر ان أثينا على الرغم من جمالها وحضارتها إلا انه ينقصها شيء ما ، لا تعرفه على وجه التحديد ولكنها تشعر به شعورا مُرا، وهو يزداد في نفسها كلما نهضت من سريرها أطلت من شرفتها العالية في القصر فترى الهضاب الصخرية والاثار الاغريقية القدمية والنصب وبقايا حروب وتاريخ مكتظ بالثقافة والفن والدماء، لذلك استدعى الملك العلماء ليعرفوا سبب تعكر مزاج الاميرة، وفعلا انكشف الامر على انها تفتقد الحدائق والمتنزهات والسهول الخضراء والحيوانات البرية التي عرفت بها أولدمبرج ، فأمرت الملك بإنشاء هذه حديقة يكون فيها معظم انواع الحيوانات والنباتات في العالم ، وفعلا قام العالم الالماني فريديشت شميدت بإنشاء الحديقة وإحضار ما يقارب ٥٠٠ نوعا من النبانات ومجموعة من الحيوانات إلا ان أكثرها قد مات .وبعد ان خرجنا من الحديقة ودعنا ثانويسيس وهليلين لنلتقي بهم بعد يومين في العرس ، كما لم يفت ثانويسيس ان يلقي مزحة ساخرة عن موضوع الزواج قبل ان يغادرا، والحق أني شعرت بالألم بسبب سخرية ثانويسيس ونظرة هيللين المشفقة، فأخرجت كتاب تأملات ديكارت من حقيبتي وانطلقت الى عمق الحديقة حيث يمكنني ان أختبيء من الفضيحة التي أصبحت أراها في كل الأعين وفي كل الوجوه، فقد كنت أشعر بشيئ من حماقتي، وأن كل الأعين التي حولي ما زالت تسخر مني وربما تقهقه في دواخلها وتقول : هذا هو الكذاب، لهذا طلبت الى صديقاي ان يتركاني لأبقى وحيدا في الحديقة فأقرأ وأتأمل وأرتاح قليلا .سحقا لك يا ثانوي ، لا شك أنك بقيت طوال الليل مع هيللين تطلقون النكات والسخريات علي, ولا بد أنك أخبرت كل أصدقائك في جروبات الواتساب وعلمت مني نكتة يونانية جديدة تضاف الى قاموس الابتسامات، سحقا لابد أن أخبر حمد بالموضوع أو أواجهه بنفسي ليلة العرس، يجب ان أوقف هذا الاحمق عند حده.في ذلك المساء وبعد نقاش وتشاور قررنا الا نزور المعارض والمكتبات وانما نقصد المعبد الذي كان على مرأى بصر منا، عبرنا الحديقة مشياً على الاقدام، ثم سألنا بعض المارة عن الطريق فأشاروا الى الشرق فاتجهنا، وفي طريقنا رأينا بناء شديد القدم أشبه بمدرجات ملاعب كرة القدم، وسألت بعض الاشخاص الذين كانوا حولي ولكن لم يجبني أحد ما هي ، وأدركت أني أمشي وحيدا حيث كنت مسغرقا في التفكير أو أن التفكير استغرقني، والتفت حولي فلم أجدهم فخشيت أني أضعتهم، فلم أدر ما أفعل، فانتظرت على الرصيف أحملق في المارة كان بعضهم يمشي على قدمه وبعضهم يتجول في دراجات هوائية يقودهم مرشد سياحي، وبعضهم يتجولون في سيارات خاصة أو سيارات أجرة، حتى أنني رأيت أطفالا يتجولون مشيا على الاقدام .معبد أكروبوليس، وهو معبد يوناني قديم يقع في العاصمة اليونانية أثينا ، ومن أشهر المعابد على الاطلاق ، سوف ان أخبركم عنه تاريخيا، هناك معلومات كثيرة ستجدونها في الكتب، أنا نفسي لا أعرف عنه الكثير، الا ان هذا المعبد مر بكثير من الاحداث المروعة وتهدم مرات عديدة وسالت فيه دماء أبناء الالهة اليونانية القدمية، ومن هذا المعبد أيضا كانت تدار البلاد في بعض الفترات، المنظر من الاعلى جدا جميل ومبهر ، والناس كل من العالم يأتون مستلقين السلالم الصخور للاطلاع على هذا المعلم المتقشع، وكالعادة جلست وحيدا منعكفا على نفسي وأنا أطالع سيقان الناس تأتي وتذهب ، بعضها يشبه هذه الاعمدة الطويلة العارية الانيقة المنحونة بشكل انسيابي لذيذ، وبعض السيقان بدا مثل تلك الاعمدة المدمرة والمتناثرة أجزاءها حول المكان، فجأة جاءني خالد بلطف ليسألني عن سبب حزني، فأخبرته بأنني لا أشعر بالحزن بتاتا، الا أنه حباً ألح على معرفة سبب حزني، حاولت أن أشرح له أنني لست حزينا وإنما حالي كحال الأميرة الالمانية لدي كل شيء وكل الاصدقاء الذين أحبهم الا أن شيئا ما في أعماق نفسي قد صاحبني طوال حياتي لا ينفك يجلعني أتقوقع في نفسي كلما سنحت لي فرصة ذلك، أنني أسر بالنظر والتأمل يا صديقي لا شيء فوق ذلك، فتركني متأكدا على عدم قناعته.وفي الليل التقينا في أسفل هذه الهضبة حيث تنقلب المنازل المتكأة بشكل متدرج على منحدر هذه الهضبة تنقلب منازلها الى مطاعم ومقاهي وتشتعل اسطحها الى مسارح لفرق الموسيقى والغناء والرقص، فنحن نمشي بين تلك الازقة الضيقة والمنحدرة على الصخور الى اسفل المكان ونقف احيانا عند بعض تلك الازقة لاستمتاع بصوت الغناء والموسيقى اليونانية الجميلة وربما الرقص.. ، وقد التقيا بون ون ويين في إحدى سطح إحدى تلك المنازل أو المطاعم، وتعشينا عشاءاً وفيراً… ، ثم حصلت المأساة.سوف لن أخبركم ماذا حصل بالضبط، ففي اليوم الثالث أعطاني صديقاي يوما كاملا لأخلو الى نفسي والى أن أرحل مع صديقي الفرنيسي دوميان الذي جاء سائحا هو الاخر، دوميان هذا أخو لصديق مقرب لي تعرفت عليه في بريطانيا عندما كنت ملتحقا بإحدى مدارس اللغة هناك، ومن يومها ونحن أصدقاء لأن لديه من نفس الجنون والجرأة واللامبالاة وحب المغامرة التي لدي، لقد غرقت بصحبته في بحر بورموث يوما ما، كان الجو ممطرا وحرارة الطقس ٣ درجات مئوية ، وحرارة البحر لا ندري، قررنا بعد أن ارتوينا بشراب دافئ ان نسبح وسبحنا، لذلك هو لم يفوت فرصة الالتقاء بي ومعه صديقان فرنسيان آخران من اصل مغربي ، لا يتحدثان العربية اطلاقا، لكنهما ما زال يحتفظان بحبهما وافتخارهما، كانت يوما مجنونا جدا قضيته معهم، فعلنا الكثير من الاشياء السيئة، إنهم فرنسيون يمكنهم ان يفعلوا ذلك، وهم أيضا لا يملكون المال الكافي، يقضون صيفهم بالتنقل في المدن الاوربية عبر وسائل نقل مجانية يستغلون جنونهم وقوة شبابهم للهروب من ملاحقة رجال أمن المواصلات، إلا في البندقية فإنهم اضظروا ان يرقدوا في الشارع ليلة واحدة، فقد نفدت أموالهم تماما، الآن يمكنكم كيف كان يومنا مجنونا لقد علمتهم كيف يكونوا شبابا مهذبين ومتلزمين، علمتهم الكثير عن العلماء الفرنسيين وعن ديكارت، أخبرت طارق الذي يدرس القانون في إحدى الجامعات الباريسية أن ديكارت كان يدرس القانون أيضا، إلا انه اشهر العلماء والفلاسفة، لقد سعدت بصحبتهم كثيرا وزال ذلك الضجر والهم الذي كان يحيط بي قبل ذاك اليوم ، وعادت البهجة والسرور الى الجميع. جمال النوفلي