حقيقة الغزو الثقافي باتت العولمة تتهم بأنها الوعاء الناقل له. فالعولمة والتمازج الثقافي والحضاري والتبادلات التجارية والهجرات الطوعية والقسرية والتوطين والإستيطان أصبحت في القرن الذي نعيشه أضعاف ما كانت عليه قبل قرون. فالتطور العلمي والتكنولوجي ووسائل الإتصالات التي قربت الحدود والمسافات جعلت الهوية الحضارية المحلية والإقليمية مهددة بشكل غير مسبوق.وحالة الإغتراب الثقافي التي تعيشها العمارة العربية المعاصرة لا تقتصر على عوامل العولمة، فهناك عامل الإنبهار الثقافي بكل ما هو غربي في مقابل النظرة الناقدة لكل ما هو تراثي. وفضلا عن ذلك هناك عوامل التغيير السياسية والديموغرافية والإجتماعية والإقتصادية. لكن هذه التغيرات التي تشهدها الكثير من الدول العربية تظل محلا للتأمل العميق والقراءة المتأنية لعوامل حركيتها ومحركاتها، والتي غالبا ما تدفعها باتجاه الحداثة على حساب الأسس والخلفيات التاريخية والتقليدية التي أسست لها على مدى عقود من تاريخ تكوينها.وثمة عامل في تشكيل وتبلور الحركات المعمارية والنظرة للعمارة في العالم العربي يتمثل في التبعية الفكرية والهوياتية للغرب. ولعله لا يكون من قبيل المبالغة إذا قلنا أن هذا العامل هو المحرك والباعث لنشأة العمارة العربية المعاصرة بشكل أو بآخر. فمن خلال مجموعة من الخبرات العملية تبلورت القناعة بما يسمى "عقدة الغرب" والتي يعاني منها وطننا العربي الكبير عموما. وقد يناقش البعض بتطور الغرب في مقابل الشرق وأن يستشهد بالنظام الغربي الذي لا يضاهيه نظام عربي في الإدارة و"البزنس" والإلتزام بالوقت والمواعيد، إلى غير ذلك. وهذا صحيح بيد انه لا ينبغي ان يرقى لقبول كل مظاهر الحداثة على إطلاقها في مقابل النظرة غير الموضوعية او المتحيزة ضد ما هو موروث أو أصيل في المجتمع وعاداته وسلوكياته وتقاليده.واقع النقد المعماري العربي والنشر العمرانييمتاز النقد المعماري في الساحة العربية بخلوه من منهجيات وأسس واضحة تستند لنظريات رصينة. وبدلا من ذلك تسود النزعة "الشخصية" والتحليل غير الموضوعي المستند لمعايير لا منهجية. وتتجسد هذه الظواهر بشكل فاضح في "إشكالية" التحكيم العربي المعماري الذي طالما أجهض أعمالا إبداعية في مهدها وأسهم في بروز الأعمال التجارية التي لا تسمها معالم عمرانية رصينة أو ذات ملامح هوياتية تعبر عن أصالة المجتمع أو جينات الثقافة والحضارة العربية بل تنتمي إلى أطروحات التغريب الثقافي. وتتجسد إشكالية النقد المعماري وغياب الحركة الفكرية الجادة في الوسط المعماري في غياب الكتابة المنظمة والمنهجية وتقاعس المعماريين العرب عن الإنخراط الجاد في الكتابة الموضوعية والتأليف والذي كان بسبب النزوع نحو الممارسة العملية سعيا وراء المردود المادي والمكانة الإجتماعية بشكل يخلو أحيانا من المضمون. وبالنتيجة فقد انعكس ذلك على البحث العلمي وعلى ندرة الطروحات الفكرية الجادة التي تعين الباحثين سواء كأكاديميين أو كطلاب على مقاعد الدراسة في دفع عجلة الفكر والتفكير في طروحات وإشكاليات العمارة العربية المعاصرة من جهة، ومن جهة أخرى بات الخطاب المعماري الفاعل غائبا عن ساحة الفكر العربي المعاصر. وبالمحصلة أدى ذلك إلى تهميش عدد لا يستهان به من المعماريين العرب الذي يعيشون بعيدا عن دائرة المعرفة والتعريف، وغياب الخطاب المعماري العربي الفاعل في ساحة الفكر والثقافة الأوسع حيث تغلب على الساحة المعمارية العربية أسماء قليلة لامعة فيما يعيش الكثير من المعماريين خارج دائرة المعرفة والضوء. فلا نكاد نتبين معماريا لامعا في بعض الدول العربية مما يطرح التساؤل عن وجودهم أو غياب الوسائط الفكرية التي تعرّف بهم على المستوى الإقليمي العربي والعالمي. غياب معظم معماريي العالم العربي عن ساحة الفكر والكتابة هي مشكلة أساسية في الثقافة العربية المعمارية، حيث تسود هوة سحيقة بين النظرية والتطبيق، فالمعماري المصمم الذي لا يشحذ ذهنه بالكتابة وتقديم أطروحات في الفكر النظري يعيش مبهما في دائرة محلية لا يعرفه إلا القليل.جانب آخر من المشكلة يتمثل في "فصام" أزلي أبدي بين النظرية والتطبيق في العالم العربي – فالمعماري المصمم ينأى عن الكتابة والبحث والأكاديمي وقلّما تكون له إسهامات تطبيقية في المجال العمراني. جزء مهم آخر للمشكلة سببه غياب "حوافز" و"منابر" الكتابة والبحث العلمي الرصين أو ندرتها – كل ما هنالك معاهد وجامعات تمارس آليات روتينية في نقل المعرفة من الأستاذ للطالب بطرق تقليدية تلقينية. وقد انتقد المفكر العربي الجزائري محمد أركون المعماريين في أحدى ندوات الآغاخان بالإشارة إلى حقيقة مهمة وهي أنه فيما يعمد المفكرون والفلاسفة في كافة مناحي الثقافة والأدب إلى التعبير عن أفكارهم ونظرياتهم باستعمال "الكلمة" والبيان والفصيح، يلوذ غالبية المعماريين إلى "الإسكتشات" المعمارية والرسومات حيث يصعب عليهم التعبير عن أفكارهم بفصاحة وبلاغة بالكلمات أسوة ببقية المفكرين والمثقفين، وهو قد يكون السبب الرئيس لغياب العمارة كنظرية من ساحة الفكر والثقافة العربية. سبب هذه المشكلة هي التعليم المعماري في الجامعات والذي يغرس في عقول الطلبة أن العمارة تتمثل بشكل كبير في التعبير المعماري الهندسي فقط إذ تأخذ مادة التصميم المعماري نصيب الأسد مقابل سوء تدريس مادتي نظرية العمارة وتاريخها مع غياب الكتابة الأكاديمية بحيث ينسى الطالب خلال خمس سنوات من دراسته للعمارة ما هي الكتابة، ليكتشف الطالب الذي يعتزم إكمال الماجستير أو الدكتوراة، متأخرا بعد سنين طويلة، أن آخر مقال كتبه كان بالمدرسة في مرحلة الثانوية العامة. ناهيك عن أن دراسة العمارة قد سببت له نسيان قواعد اللغة العربية فيقوم بنصب الفاعل ورفع المفعول به، وقد ينسى البعض تماما أن هناك شيئا إسمه "المفعول معه ولأجله" أو ما هو نائب الفاعل أو "المجاز المرسل ما علاقته السببية أو على اعتبار ما سيكون" أو ما يعنيه " اشتغال المحل بحركة المناسبة" في قواعد اللغة العربية وغيره. وحين يحدث ذلك تصبح الكتابة مقتصرة لدى هذا المعماري على كتابة الرسائل القصيرة "بالبريد الإلكتروني" أو رسائل التليفون الجوال. جانب آخر من المشكلة يتمثل في أن القلة القليلة ممن أكمل تعليمه العالي من المعماريين تمارس الكتابة باللغات الأجنبية أولا، إذ أن في ذلك وسيلة أسرع للتقييم والتقدير العالمي. ولذلك ففي غياب القدرة أو الرغبة للكتابة باللغة العربية تتحول معظم الجهود الى المكتبة الغربية المتخمة بالدراسات الشرقية من باحثين شرقيين وغربيين على حد سواء".من اللافت ومما يدعو للغرابة ان تجد من يفخر بالقدرة على الكتابة باللغة الإنجليزية فيما لا يشعر بالخجل مطلقا أنه لا يمكنه الكتابة بطلاقة باستعمال لغته الأم اللغة العربية الفصحى، ولم يكترث إذ هو يمارس العمارة كمهنة برجوازية وكجسر يربطه مع الغرب المتقدم لا مع العالم الثالث، فيما "يدعي" الإلتزام بالتراث أحيانا. وتكاد تحار كيف يلتزم البعض بالتراث ولا يجيد استعمال "أم التراث العربي"؛ اللغة العربية. ولذلك لا تملك إلا الإعجاب بحسن فتحي كشيخ للمعماريين العرب إذ تذوق الشعر العربي إبتداء. يذكر كاتب هذه السطور في سنوات العمل مع مكية، منذ العام 1997 – 2000، أنه كان يتذوق الحروفية العربية ونواح متعددة من التراث العربي وكان أول من دعا لتأسيس جامعة الكوفة التي لم تر النور فأطلق الإسم ذاته على معرضه بلندن والذي يعقد الجلسات الثقافية أسبوعيا كل يوم أربعاء لتشجيع الإبداعات من الشعر والنثر والخطابة ومختلف صنوف التراث والفن العربي، وكانت مفتوحة مجانا للعامة حتى صيف العام 2006 بجوار "دار الساقي" بلندن.أحد عوامل المشكلة هو عدم وجود وسائط متخصصة للإعلام المعماري العربي. فبخلاف عدد محدود قد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، لا تكاد تجد في العالم العربي مجلات رائدة متخصصة ورصينة. وليست هناك دار نشر عربية واحدة تعنى بالنشر العمراني الفاعل والمتخصص بالكتب المعمارية أسوة بدور النشر العالمية التي تعنى بالفن والعمارة وبتخصص. وليست هناك مساحة ولو ضئيلة في إحدى القنوات الفضائية العربية، والتي لا تكاد تحصى لكثرتها والمتخصصة في السياسة والثقافة والترفيه، وبحيث تكرس جهودها للتعريف بالعمارة العربية وروادها أو الإهتمام ببعض مظاهرها الثقافية وأصولها كالتراث وبدائع العمارة التي سادت في الفترات الإسلامية كإرث ينبغي المحافظة عليه. كل ما يسود في الساحة العربية وللأسف هو مشاريع "استثمارية" هدفها المردود المادي، أولا وآخرا، مع غياب الدعم الحكوماتي أو المؤسساتي أو الخاص لمثل هذه المشاريع الفكرية التي ترفد الساحة الفكرية المعمارية وتعطيها ما تستحقه من الإهتمام في مساحة الإعلام العربي المعاصر.ونقد أي عمل معماري لمصمم آخر بالشئ المباشر لا يمكن تنفيذه بيسر وسهولة، لما يتضمن ذلك من تجريح "بعمل" الآخرين، والذي يعتبر في العرف المعماري ولدى البعض كائنا عضويا يمثل شخص المعماري أحيانا. ملازمتي لراسم بدران وعملي معه قدما لي نموذجا رائدا في التواضع المعماري والحساسية في تناول عمل الآخرين بالقدح والذم مهما كان مستوى العمل المعماري خلافا لبعض زملاء المهنة ممن كان يعمل قدحا ونقدا في عمل الآخرين بطريقة أبسط ما يمكن وصفها بأنها "فجّة". راسم بدران كان تواضعه يمنعه من النقد المباشر لعمل الآخرين بل تقديم البديل بطريقة ذكية تمكن من المقارنة ودون الحاجة للطعن والتجريح بالعمل أو بصاحبه من قريب أو بعيد. وهذا ليس معناه بحال عدم جواز النقد المعماري، بل على العكس فالنقد البناء هو الطريق الوحيد لتطوير العمل. إنما المقصود أن للنقد المعماري أصول موضوعية. لكن النقد المعماري لا ينبغي أن يكون حائلا دون الإبداع وتقديم البدائل اللامتناهية التي تعنيها عملية التصميم الواعية.وفي إطار النقد المعماري "غير الناضج"، ثمة نماذج تخلو من أبسط قواعد المنطق، فضلا القصور عن إدراك الآلية التي تتم بها عملية التصميم المعماري ومدى العلاقة اللصيقة بين العمل المعماري وصاحبه. ففي معاهد العلم والجامعات في العالم العربي، جرت العادة – وباستثناء القلة القليلة من اللامعين في النقد المعماري- أن ينظر المقيمون للعمل باعتبارات سطحية شكلية تراعي العمل المقدم كناتج وليس كآلية. ولذا تسود احيانا في أوساط بعض طلاب العمارة "خبرات متناقلة" بين المراحل العليا يتم توريثها لطلبة السنوات الأولى في أقسام العمارة حول طبيعة المدرسين ونظرتهم لتقييم الأعمال المعمارية كناتج وليس "كآلية وناتج معا".هذه "النمذجة" في بعض المعاهد الأكاديمية في العالم العربي كانت وللأسف مسؤولة عن تقييم الأعمال المعمارية لطلبة العمارة ومن خيرة العقول العلمية التي أنتجها العالم العربي – لكنها "اندثرت" طيلة سنوات الدراسة تحت أرتال البيروقراطية والعقم المعماري الأكاديمي وانعدام المسؤولية وقلة الكفاءة التدريسية. ويطلع عليك احدهم بعدئذ متسائلا عن إشكاليات التقدم والتطور في بعض المعاهد في العالم العربي العزيز بالرغم من أن الطلبة والطالبات من أنبغ العقليات والكفاءات العلمية تحصيلا وذكاء قبل مرحلة الجامعة؟ تساؤل برسم البحثمراجع المقالانتقد محمد أركون المعماريين في عدم قدرتهم على التعبير البياني الأدبي في مداخلته في الندوة التي عقدت في جاكارتا عام 1990، أنظر (Arkoun، Mohammed، ‘Islam and Modernity – Islamic Culturesm developing Societies، Modern Thought’، in ‘Expressions of Islam in Buildings’، the proceedings of the international seminar held in Jakarta – Indonesia، 15 – 19 October، 1990. Aga Khan Award for Islamic Architeture Publication). د. وليد احمد السيد مستشار تطوير التراث العمراني [email protected]