وصلت منى، ووصل وليد خلفها، ويتبعهما الكلب الأسود الكبير، الطريق كانت سهلة مسفلتة، لا مكان للحصى أو للتراب، كل البلاد مرصفة بأحجار تلمع وأخرى باهتة اللون، سوداء أو بنية بشكل غامق، السماء كانت وما زالت فوق، لكنّها تبدو قريبة، الطيور تختفي ويتضاءل عددها سنة بعد الأخرى، ترحل بعيدا جدا، تحلق منفردة، منفصلة عن بعضها، كأنها غاضبة، تطير بثقل قريبة من رؤوس البشر، تبدو كمن أرهقه الطيران، مع ذلك تسافر في موسم الهجرة ولا تعود أبدا، الناس يتمنّون السفر مثل الطيور، ولكنهم لا يمتلكون أجنحة، كما أن الرحلات الدولية أصبحت باهظة الثمن، وتقتصر على الأثرياء فقط، عامة الناس يذهبون إلى سطوح بيوتهم للتنزه أو إلى صحراء الربع الخالي في الأيام الباردة من الشتاء حتى لا تأكلهم حرارة الصيف. الأشجار مزروعة بعناية فائقة، تبدو مزيفة بعض الشيء، بل أن بعضها بالتأكيد مصنوع من البلاستيك كما يدّعي البعض، هناك لوحة مكتوب عليها (ممنوع لمس النباتات)، غرامة من يلمس الأشجارة كبيرة جدا، تشبه غرامة ارتكاب جريمة ما، مع ذلك اللون الأخضر طاغ على المساحات، الورود مزروعة على الحواف، ويبدو توزيعها منظما في أصص منتظمة أيضا.المرأة التي تجلس على الكرسي الهزاز بجانب محطة المترو السريع، تلبس عباءة قصيرة بيضاء، تكشف عن بنطال فضفاض بلون كحلي غامق، وتلبس شيلة جينز، لكنه من النوع الشبك الذي يشف عن لون شعرها المصبوغ بالأبيض المتوافق مع نفس لون عباءتها وحقيبة يدها. تضع كحلا أبيض اللون يحيط بكامل العين، مع ذلك كانت تبدو ذات جمال متواضع، تجلس بجانب ابنها الذّي لا يشبهها، بسنواته الستّ، ودشداشة الرياضية القصيرة. كان يبدو أجمل منها بكثير، يحبّ اللعب على السكوتر المحمول في أرجاء المترو دون أن يقع، دشداشته الرياضية لها كُم قصير يسهّل عليه الحركة واللعب، وهي منقّطة بنقاط ملونة صفراء، كما أن ياقتها واسعة، يأكل بالملعقة كل الطعام الذي أمامه، لا شيء يتبعثر على ملابسه أو على الأرض،. ثمة معاهد تعلم الأطفال طريقة تناول الطعام بنظام وبراعة، كأنه تخرج منها للتو. تقول له: ماجد، غسل ايدينك في حمام الصغار. يا الله. فيردّ عليها: ماما ، ماني متوسخ، شوفي ايديني نظيفة، كليت بالمعلقة.أشارت بحزم إلى غرفة صغيرة في محطة ميترو على جانب قريب منهما، مرسوم على باب الغرفة طفل يتسم. ولافتة مكتوبة، تحدد بها العمر (من ست الى عشر سنوات فقط) ناولته ريالا، رسوم دخول الحمام. كل شيء بدا محددا بلافتة، كل نظام لا يطبق إلا بإصدار ضوابط، الحياة أصبحت أرقاما وقوانين وتحذيرات.سار ماجد ناحية المدخل على مضض، كانت هنالك آلة تبلع الريال قبل أن يفتح الحاجز الحديدي ويُسمح بالدخول، اختفى لمدة دقائق وخرج بعدها. كانت هناك أمام مدخل الحمام، امرأة تشرف على النظام وسلامة الأطفال بالحمام، لئلا يتعرض أحدهم للتحرش أو للأذى. تم وضع هذه الاحتياطات بعد القصص الأخيرة التي امتلأت بها المنطقة، خاصة من الأجانب الذي يأتونها من المنطقة الصناعية الحديثة في ريسوت، ليقضوا بها العطل ونهاية الأسبوع للاستجمام.... صاحت منى: وليد، وليد، ما بسنا، تعبت من أول نمشي؟ باقي كم ونوصل؟ فأجاب وليد: لو ما مسكنا الحارس بنوصل بعد ساعة ونص إن شاء الله. فقالت منى: انزين خلينا نشرب شيء. فناولها وليد خمسة ريالات، وقال: بنأخذ استراحة قصيرة. وبعدين نركب قطار. فقالت له: بس نحن ليش كاننا هاربين، ورايحين وين؟ فرد عليها: لو خبرنا ماما وبابا، ما بيخلونا نروح. فقالت: نحن وين رايحين؟ فقال لها وليد: شفت صورة في كبات1 بابا مع جده، فوق في المخزن. مكان ما يخبون أغراضهم الغالية. بنروح نشوف المكان إلي عاشوا فيه جدنا وحبوبتنا2، حصلت شهادة ميلاد بابا، هو تربى في منطقة اسمها عوقد في المستشفى. بنروح نشوف وين كانوا متربيين، ووين عاشوا طفولتهم. ذهبت منى إلى ماكينة شرب كبتشينو، أدخلت خمسة ريال وطلبت 2 كبتشينو واحد سكر زيادة، والثاني سكر قليل. الماكينة تصدر صوتا غريبا، صوت سوائل وصوت تحريك وخلط، في النهاية كان هنالك كوبا كبتشينو جاهزان للشرب يخرجان من الماكينة.منى، في العاشرة من العمر، ووليد في السادسة عشرة، اليوم قررا الهرب من المدرسة، والتغيب عن الدروس. من صحراء شليم ركبا مترو تحت الأرض، ووصلا إلى نقطة صحلنوت، والآن ينتظران المترو القادم، ليستقلاه، ويكملا رحلتهما. شعرت منى بالذنب من كذبتها، ففي الصبح، قالت لأمها: اليوم في المدرسة يوم مفتوح. لهذا لم تلبس زي المدرسة، ربطت شعرها للأعلى باستخدام مقبض يلم الشعر، ولبست ملابس رياضة، وخرجت من البيت تنتظر الباص، وفعل وليد نفس الشيء، ونظرا لكونهما يرتادان المدرسة نفسها لم يحتاجا إلى تمثيلية محترفة أكثر من كذبة مشتركة التفاصيل لإقناع أميهما.وصل المترو، دخل وليد ومنى، جلست منى، بينما وقف وليد يغطيها، بجانبها، لم تكن زحمة كبيرة، ولكنها كافية لخلق دافع للاحتراس، الناس من جنسيات مختلفة، بملابس متنوعة. نظر وليد يتساءل: يا ترى كم جنسية هنا؟ البعض كان يلبس ملابس سوداء، والبعض الآخر ألبسة ملونة، الأوجه جادة، منشغلة بالتفكير والقلق. ثمة ولد يلبس سلاسل في رقبته، وخواتم في أصابعه لا يبدو عربيا بالتأكيد، يميل إلى السمرة بشعر كث، خشن، مصفف بشكل يحيط الرأس مثل هالة. هناك أيضا امرأة محفورة الأنف من الجانب، تضع قرطا كبيرا، وواحدة أخرى تلبس بنطلونا يكشف عن سرة بطنها، حيث علقتْ عليه قرطا ذهبيا.سمع صوت ضحك ببهرجة عالية، فتى وفتاة يتشاكسان على مقربة منهما، الجميع يلبس أقراطا في مواضع مختلفة من جسده. أمه وأخته يلبسان قرطا أذن فقط. بلع ريقه وارتبك قليلا. أشكال مختلفة وغريبة، لم يسبق له رؤيتهم بعدد كبير كهذا في مكان مكتظ ، بالرغم من إنه رآهم سابقا وفي منطقتهم، ولكن بجموع أقل.تحسس الكلب، كان بجانبهما، اشترى له أيضا تذكرة دخول المترو. في الجانب الذي يسمح لهما باصطحاب حيوانات. كان المترو في الجهة التي يركبونها مليئا بحيوانات آخرى، بنية وبيضاء، وثمة طيور أيضا.أحدهم يمتلك شحبل أخضر3 قبيحة الشكل، واقفة على نبتة تبدو بلاستيكية. وليد متعود على رؤيتها، وخاصة في حصة الأحياء في المختبر المصغر للحيوانات، فمكان بعيد كشليم لا يفتقر إلى حيوانات صحراء مشابهة. بل إنها ثرية بها، على اختلافها، وتعدّد أنواعها.وليد تذكّر والده، عندما كان يتكلم عن طفولته، وعن أكثر موقف ألمّ به رعبا، وفزع منه كثيرا، فعندما كان في المدرسة السعيدية في الحافة بجانب الحصن، كاد أن يسحق حرباء، وكانت غير واضحة للرؤية، فقد بدت تشبه لون التراب الذي تمشي عليه. والدة وليد تحكي له عن صديقاتها الكثيرات في الحافة، عن المطر، عن الضباب، عن فصل الخريف، والبحر الذي بموجاته العاتية، إذ كان يهدم كورنيش الحافة إلى إن تدخل المياه داخل البيوت، وتجرف الأثاث، فيضطرون إلى تغييره، أخبرتهم عن النجوم الكثيرة التي كانت تلمع بليل في السماء الصافية، وكانت الفتيات يحصين عددها بكلمتي (يحبني أو لا يحبني، يحبني أو لا يحبني). وهكذا دواليك إلى آخر نجمة، فكانت من تنتهي بيحبني تفرح، وكانت من تنتهي بلا تحبني تقف على النجمة الأخيرة بحزن، أم وليد حكت له عن بعض الطبخات التي كانت والدتها تعدها لها في يوم الجمعة، عندما تجتمع العائلة بأكملها، عن الهريس4 الذي كانت تطبخه لها أمها مرة بالشهر، عن المعجين5 الذي يُعد في العيد فقط، وكم كانت النساء ذوات همة وقوة، حيث الطبخ يحتاج إلى جهد جسدي كبير. بعيدا عن ثياب القطن بوذيل الفضفاضة، وعن العباءات السوداء الطويلة التي لا تخالطها الألوان.الآن الهريس لا يطبخ بالبيت أبدا، فهم يطلبونه من مطعم أونلاين، ويكون ردئ الطعم. والد وليد حكى له عن الرمال المفروشة على شاطئ الحافة، عن أخيه الفقيد الذي كان أكبر منه عمرا، الذي كان مقعدا، مشلولا، لا يتحرك فيه إلا لسانه، كان محظوظا بالفتيات، يتجمعن ويحطن به بدافع التعاطف ثم يصادقنه، ويجلسن بالساعات معه على نفس الرمال في نفس الشاطئ، إلى أن لقى حتفه ذات يوم في الحافة، كان مبتسما سعيدا، وافته المنية على الشاطئ كما يقول والده، حيث أحب وتمنى أن ينتهي به المطاف في أبهج بقعه في ذكرياته.وجد وليد صورا كثيرة في المخزن، عن طفولة والده، لم يفهم معالم واضحة لما رآه، لم يكن يعرف معنى البحر أو المحيط ولم ير تجمع ماء كثيرا من قبل، واقعا بعيدا عما يعرفه ويعيشه الآن في شليم، عمره 16 سنة، ولم يعلم ما معنى شاطئ! فلم ير الحافة ابدا!رأته منى سارحا، سحبت طرف ملابسه وقالت: تعال جلس جنبي، هنا شيء مكان. تحرّك وليد إلى جانبها، وجلس، نظر إليها سعيدا، كان قريبا من الحلم. فهو يعلم أن والدهم ووالدتهم لن يسمحا لهم بالزيارة، لو علما بهروبهما هكذا، ولكنهما يرغبان في رؤية مكان طفولة والديهما: الحافة. المشاريع السياحية الكبيرة قضمت الطبيعة، الناطحات الشامخة غطت السحب، الشركات لوثت أغلب المناطق، اضطر المدنيين للانتقال إلى شليم وهيما والمناطق الصحراوية؛ لأن التلوث هناك أقل. نزح الجباليون إلى المناطق الجبلية العالية، وليد ومنى لم يشاهدا الخريف مسبقا، تخلف عن الحضور في كل سنة. بل أعلن الغضب ولم يعد من عشرات السنين.فجأة توقف المترو، فُتح الباب، الجميع ينزل بسرعة. توتّر وليد وهو يرى سرعتهم، أغلبهم كان من العاملين في المنطقة السياحية أو الصناعية والمشاريع والشركات الضخمة، نظر إلى منى ورآها فرحة، تربت على ظهر الكلب الأسود، تحثه على السير قائلة: يا لله نطلع. وقف وليد، همّ خارجا تتبعه منى والكلب.خرجا من المترو، مشيا عشر دقائق في النفق، كان مشوارا طويلا، إلى أن خرجوا للهواء الطلق. ثمة ناطحات كبيرة، ومباني شاهقة، وبنايات بأشكال زجاجية ومرايا عاكسة، تبدو خلابة، الأشجار تبدو حقيقية نوعا ما، الماء لم يعد يكفي البشر، بالتأكيد هي صناعية، لمسها، حاول أن يقطع طرف ورقة الشجرة، تقطعت في يده. أصابه الذهول، هتف في أخته: شوفي، شجرة حقيقية.مشوا قليلا وأمامهم كلبهم، متبعين إشارة الكورنيش. منى وقفت على السكوتر الخاص بها تمشي عليه، وليد أخرج السكوتر المحمول أيضا وتبع أخته، كلاهما متوازيان جانب بعض، كل شي كان يسترعي الانتباه، لا مدارس ولا بيوت سكنية، المحيط حولهما مليء بالشركات الكبيرة والمصانع العملاقة، أغلب الساكنين في المنطقة من جنسيات أجنبية وهندية، البعض منهم يلبس دشداشة عمانية قصيرة تشبه التيشيرت وتحته بنطال أبيض أو ملون، يكشف عن هوية أهل البلد، البعض يعتمر عمامة على رأسه، كتلك التي كان يلبسها جد أبيه في الصورة، طلعتْ العمامة لبس تقليدي ورسمي في الشركات إذن، فكر وليد في نفسه. البعض يرمقه بنظرة غريبة، يبدوان دخيلين على المكان، لا أحد هنا في أعمارهم، فقط عمال بملابس رسمية، ومنهم موظفون غريبو الأطوار يقطنون بالمنطقة.التفتْ إلى منى، كانت تكح، الرطوبة شديدة، والمكان حار جدا. ثمة أدخنة شديدة تلف الجو. الشركات كبيرة وكثيرة، مشيا أكثر، توغلا إلى عمق نهاية المنطقة، كانت مليئة بمطاعم ومنتجعات ومناطق سياحية مرتبة، نظرت منى إلى وليد بفرح قائلة: وصلنا؟ ماجد كان يبتسم، قائلا: ياريت. أتمنى والله. أكملا طريقهما، وجدا أشجارا طويلة جدا؛ منها المنحنية ومنها الشامخة، ليست مرتبة ولا منمقة، مشوهة ومائلة، في الحقيقة تبدو طبيعية جدا، تذكرها في الصورة، كانت خلفية المكان في صورة أبيه، تبدو مثلها تماما، كانت مغروسة داخل رمل نظيف، ترك السكوتر مشى نحوها، تبعته منى، جريا معا، لمسا الشجرة، منى أكملت الجرى نحو سطح يلمع، خلعت الحذاء، سابقها وليد، خلع الحذاء أيضا، شاهدا البحر لأول مرة، بحر الحافة مع تراب على الشاطئ، رمى بنفسه على التراب وداخل البحر، ومنى فعلت كذلك، الكلب كان ينبح بقوة، أحدهم أتى ناحيتهما، الحراس اكتشفوا وجودهما. وليد أخذ حفنة من التراب، ودسها في جيبه قبل أن يأتي الأمن. إشراق عبدالله النهدية