من أعظم نعم الله على بني آدم أن جعل لهم بيوتا ثابتة لإقامتهم في المدن وبيوتاً متنقلة لأسفارهم في البراري، يسكنون فيها ويستريحون، ويستدفئون بها من البرد ويستظلون بها من الحر، ويستترون فيها عن الأنظار، ويحرزون فيها أموالهم ويتحصنون بها من عدوهم. وغير ذلك من المصالح.قال الله تعالى ممتنا على عباده بهذه البيوت الثابتة والمنتقلة (والله جعل لكم من بيوتكم سكناً وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفّونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم) (النحل ـ 80)، فذكر أولاً بيوت المدن لأنها الأصل، وهي للإقامة الطويلة، وجعلها سكناً: بمعنى أن الإنسان يستريح فيها من التعب والحركة وينعزل فيها عما يقلقه فيحصل على الهدوء والراحة، ثم ذكر تعالى بيوت الرحلة والنقلة فقال:(وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم)، يعني: وجعل لكم بيوتا خفيفة من الخيام، والبيوت المصنوعة من جلود الأنعام تستعملونها في حالة الإقامة المؤقتة في السفر.فنعمة السكن في البيوت من أعظم النعم، وتأملوا من لا يجد سكناً يؤويه ماذا تكون حاله، وأنتم تسكنون في هذه البيوت الحديثة المزودة بكل وسائل الراحة من الإنارة والتكييف الصيفي والشتوي والمياه المتدفقة العذبة الحارة والباردة، كل ذلك من نعم الله تعالى في المساكن وذلك مما يستوجب الشكر والثناء على الله بما هو أهله، لأن ذلك من منِّه وفضله سبحانه وتعالى إن بيت المسلم يجب أن يكون متميزاً عن غيره من البيوت بفعل ما شرعه الله للمسلمين في بيوتهم من ذكر الله والإكثار من صلوات النوافل فيها، وقراءة القرآن وخلوها من وسائل الفساد، عن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مَثَل الحي والميت)، وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا) أي: صلوا فيها من النوافل ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة. وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة) وقال ـ عليه الصلاة والسلام:(عليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، روى هذه الأحاديث مسلم في صحيحه، وهذه الأحاديث، وما جاء بمعناها تدل على مشروعية إحياء بيوت المسلمين وتنويرها بذكر الله من التهليل والتسبيح والتكبير وغير ذلكم من أنواع الذكر، وإحيائها، بالإكثار من صلاة النافلة فيها، لأن صلاة النافلة في البيوت أفضل من صلاتها في المسجد، وفيها النهي عن جعل البيوت مثل القبور مهجورة من صلاة النافلة فيها. وفي الأحاديث الترغيب بقراءة القران في البيوت، ولاسيما سورة البقرة وإن قراءتها في البيت تطرد الشيطان، وإذا توفرت هذه الأمور في البيوت: ذكر الله فيها. صلوات النوافل، وقراءة القران أصبحت مدرسة للخير يتربى فيها من يسكنها من الأولاد والنساء على الطاعة والفضيلة، وتدخلها الملائكة وتبتعد عنها الشياطين، وإذا خلت البيوت من هذه الطاعات صارت قبورا موحشة وأطلالا خَرِبة، سكنها موتى القلوب وإن كانوا إحياء الأجسام، يخالطهم الشيطان وتبتعد عنهم ملائكة الرحمن، فما ظنك بمن يتربى في هذه البيوت كيف تكون حاله وقد تخرج من هذه البيوت الخاوية الخالية من ذكر الله والتي هي مقابر لموتى القلوب، قال رسول الله عن فضل الصلاة:(من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبي بن خلف)، قال الإمام ابن القيم: إنما خص هؤلاء الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفرة، وفيه نكتة بديعة، وهو أن تارك المحافظة على الصلاة إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رئاسته أو تجارته، فمن شغله عنها ماله فهو مع قارون، ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رئاسة ووزارة فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف.فيجب أن يكون البيت المسلم مستوراً مصوناً على الأنظار المسمومة، يأمن من بداخله من الإطلاع على عوراتهم وأسرارهم لا يدخله غير أصحابه، إلا باستئذان وإذن، قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم) (النور 27 ـ 28) روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:(لو أن امرءًا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح)، وعن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمُو؟ قال: الحموُ الموت) ـ رواه البخاري ومسلم، والحموُ: قريب الزوج أي: إن الخوف منه اكثر؛ لأنه يتساهل في دخوله اكثر من غيره، فدل هذا الحديث على تعظيم حرمات بيوت المسلمين ومحارمهم وخطر دخول الرجال الأجانب على النساء ولو كانوا من أقارب الزوج، وقد تساهل في هذا الأمر الخطير كثير من الناس اليوم، فبعض النساء لا تحتجب من أقارب زوجها، كأخيه وعمه .. ونسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة .. اللهم آمين.إبراهيم السيد العربيإمام وخطيب جامع الشريشة /ولاية مطرح