للوقت ثلاث خصائص تجب معرفتها وإدراكها حتى نعمل فيه على وفقها
إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
الوقت في حياة الإنسان هو الذخيرة التي يتزود منها للحياة التي يقبل عليها ما بعد انتهاء وقته في هذه الحياة الدنيا.
والوقت هو الفرصة الثمينة التي يحصل عليها الإنسان لإنجاز عملٍ ما، أو تعويض خسارةٍ ما، وذلك من خلال استغلاله بتعويض ما فقده.
واعلم أنّ الزَّمان أشرف من أن يضيع منه لحظة، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنّه قال:(مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ)، وقال الإمام ابن القيِّم:(السَّنة شجرة، والشهور فروعها، والأيّام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة: فثمرة شجرته طيِّبة، ومن كانت في معصية: فثمرته حَنْظل، وإنّما يكون الجَذاذ يعني: جني الثمار يوم المَعاد، فعند الجَذاذ يَتبيَّن حُلوُ الثِّمار من مرِّها).
وهنا مهمّة ينبغي أن تُعلَم: أنّ للوقت ثلاثَ خصائصَ تجب معرفتها وإدراكها، حتّى نعمل فيه على وَفقها، وهذه الخصائص هي:
أوّلاً: سرعة انقضائه فهو يمرُّ سريعاً كلمح البصر؛ سواءٌ كان زمنَ مسرَّةٍ وفرَحٍ، أم كان زمنَ اكتئابٍ وترَحٍ. ومهما طال عمر الإنسان في هذه الحياة فهو قصير، فقد قال تعالى:(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ) (يونس ـ 45)، وقد نقل السيوطيُّ عن قتادة أنّه قال:(يعنُون في الدُّنيا؛ استقلَّ القومُ أجلَ الدُّنيا؛ لمّا عاينوا الآخرة).
وثانياً: أنّ ما مضى منه لا يعود ولا يعوَّض؛ فكلُّ لحظة مرَّتْ، وكلُّ ساعة انقضتْ ليس في الإمكان ردُّها، ومن ثمَّ لا يمكن تعويضُها؛ وهذا ما عبّر عنه الحسن البصريُّ ـ رحمه الله ـ بقوله:(ما من يومٍ ينشقُّ فجرُه إلَّا ويقولُ: يا ابنَ آدمَ أنا يومٌ جديدٌ، وعلى عملِك شهيدٌ؛ فاغتنمني فإنِّي لَا أعودُ إلى قيامِ السَّاعةِ).
ثالثاً: أنّه أغلى ما يملك الإنسان؛ ويرجع ذلك إلى أنّ الوقتَ وعاءُ العمر، ومادَّةُ الحياة، فالوقت ليس من ذهب فقط كما يقول المثل بل هو أغلى في حقيقة الأمر من الذهب، ومن المال لأنّه يمكن تعويضُ ما فات من المال، وما فات من الوقت لا يمكن تعويضُه بحال، ولذا قال بعض السَّلف:(إنِ اغتممتَ بما ينقُص من مالِك؛ فابْكِ على ما ينقُص من عمرِك!).
ولأجل ما سبق: جاء التّوجيه الكريم من النّبيّ ـ عليه أفضل الصلاة وأزكى التّسليم ـ إلى ضرورة اغتنام المؤمن لوقته قبل فواته وضياعه، وخصّ الشّابَّ المسلمَ بمزيد من التّأكيد على أهميّة اغتنامه لشبابه الّذي يتمتّع فيه بكامل قوّته ونشاطه، وفراغه واستعداده، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ:(اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ).
فينبغي على العبد أن يعمُر وقتَه فيما يقرِّبه من خالقه، ويعينه على صلاح حاله في معاشه ومعاده، وأن يحذر من تضييع وقته فيما لا ينفعه؛ لا في دنياه، ولا في أُخراه؛ ذلك لأنّه مسؤول عن وقته يوم لقاء ربِّه، عن أبي بَرْزَة الأسلميّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وسلم):(لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ)، وكان ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ يقول:(إذا أمسيتَ فلا تنتظرِ الصَّباحَ، وإذا أصبحتَ فلا تنتظرِ المساءَ، وخُذْ من صحَّتِك لمرضِك، ومن حياتِك لموتِك)، فعمر الإنسان هو موسم الزّرع في هذه الحياة، والحصاد غداً في الآخرة؛ فلا يحسنُ بالعبد أن يضيِّع موسم زَرْعه؛ حتّى لا يندم في يوم حصاده!.
ولكي لا يضيِّع الإنسانُ وقتَه الّذي هو حياته: ينبغي أن يعرفَ أين ينفقُه؟ وفيمَ يصرفُه؟ وأجلُّ المصارف وأفضلُها طاعةُ الله ـ عزّ شأنه ـ فكلُّ وقت صرفته في طاعةِ الله وعبادته لن تندمَ عليه بحال، يقول الإمام ابن القيِّم:(فالعارف ابن وقته فإنْ أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلُّها فجميع المصالح إنّما تنشأ من الوقت فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبداً، فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادَّة حياته الأبديّة في النّعيم المقيم، ومادَّة المعيشة الضَّنْك في العذاب الأليم، وهو يمرُّ أسرع من مرِّ السَّحاب فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته، وإنْ عاش فيه عيش البهائم ..)، ولهذا قال أحد الحكماء:(من أمضى يوماً من عمره في غير حقٍّ قضاه، أو فرضٍ أدّاه،أو مجدٍ أثَّله، أو حمدٍ حصَّله، أو خير أسَّسه، أو علمٍ اقتبسه فقد عقَّ يومَه، وظلَم نفسَه).
وإذا كانت قيمة الزمن ترتبط بالغاية من الخلق، وهي عبادة الله فإنّ المولى سبحانه اختصّ بعض الأزمنة بخواصَّ لم يختصَّ بها غيرها ففضّلها على سائرها، ورغَّب في اغتنامها، والتعرُّض لنفحاتها، وفي هذا يقول قتادة: (كما إن الله اصطفى صَفَايا من خلقه؛ اصطفى من الملائكة رسُلاً، ومن النّاس رسُلاً، واصطفى من الكَلام ذكرَه، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضانَ والأشهرَ الحُرُم، واصطفى من الأيّام يوم الجمعة، واصطفى من اللَّيالي ليلةَ القدر فعظِّموا ما عظّم الله، فإنّما تعظَّم الأمور بما عظَّمها الله عند أهل الفهم، وأهل العقل).
فحريٌّ بالمسلم أن يخصَّ هذه الأوقات بمزيد من التّعبُّد والطاعة لله سبحانه وتعالى والإكثار من العمل الصَّالح فيها، وليعلم أنّه لا يُميَّز يومٌ على يوم، ولا ساعة ٌعلى ساعة إلّا لفضل فيها؛ فليحرص على اغتنامه.
وها هنا مهمّةٌ أخرى، وهي: أنّ العبد إذا كان يعلم يقيناً بأنّه مهما طال عمرُه فإنّ الموتَ مصيرُه المحتَّم، والموتُ يقطعه عن صالح العمل، فإنّ عليه أن يعمل في حياته ما يدوم له أجرُه بعد مماته؛ وتلكم الحسنة الباقية: هي الصدقة الجارية؛ فإنْ كان له شيءٌ من مال وقف وقفاً مثلاً، وإنْ كان له علم صنَّف كتاباً في العلم؛ فإنّ تصنيفَ العالِم ولدُه المُخلَّد، أو انبرى للتَّعليم والتَّدريس؛ فخلّف من أبناء فِكرِه من قد يكون أنفعَ له من أبناءِ صُلبِه، وإنْ لم يكن له مالٌ، ولا علمٌ: احتسب الأجر في الزّواج، وسعى في تحصيل ذرِّية طيّبة تذكر الله بعده فيكون له أجرُها، أو لزم العبادة والطّاعة؛ حتّى يكون رأساً فيها فيُنقل من فعلِه، وجميلِ هديه وسمتِه ما يقتدي غيرُه به؛ فإنّ آثارَ هذه الأعمال تمتدُّ إلى ما بعد زمانِه، ويبقى عملُه موصولاً حتّى بعد موتِه؛ يؤدِّي رسالتَه للأحياء، وصاحبُه رَميمٌ في قبرِه، وقد أشار القرآنُ إلى هذا المعنى في قوله تعالى:(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس ـ 12)، وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّـه (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ).
وأخيراً! .. عليك أيّها العاقلُ، النّاصحُ لنفسِه أن تتدارك أوقاتَك، وأن تعدّ أنفاسَك، وأن تكون حافظاً لوقتك، شحيحاً به فلا تفرِّطْ في شيء من لحظاتِ عمرك، ولا تهدِرْ منها شيئاً إلّا فيما ينفعك في دنياك وآخرتك، واعلم أنّ وقتَك شاهدٌ لك أو عليك.