الخوف من الله يؤدي إلى التمكين في الأرض والانتصار على الأعداءأيها القراء الأعزاء في مقال اليوم نعيش مع أثر الحوف في الدنيا والآخرة: الخوف شجرة طيبة إذا نبت أصلها في القلب امتدت فروعها الى الجوارح فأتت أكلها بإذن ربها وأثمرت عملاً صالحاً وقولاً حسناً وسلوكاً قويماً وفعلاً كريما فتخشع الجوارح وينكسر الفؤاد ويرق القلب وتزكو النفس وتجود العين, ومن ثم فإنّ للخوف من الله ثمرات عظيمة في الدنيا والاخرة، أما في الدنيا فالخوف من الله أولاً من أسباب التمكين في الأرض، وزيادة الإيمان والطمأنينة لأنك إذا حصل لك الموعود وثقت أكثر، قال عز وجل:(وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكنكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد).عدم طلب المقابل في الدنياإذن الخوف من الله يؤدي إلى التمكين في الأرض والانتصار على الأعداء وأن يهلك الله عدوهم ويخزيهم ويورث المؤمنين أرضهم وديارهم، والخوف من الله ثانياً يبعث على العمل الصالح والإخلاص فيه وعدم طلب المقابل في الدنيا فلا ينقص الأجر في الآخرة قال تعالى:(إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً، إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً) (الانسان 9 ـ 10)، وقال تعالى:(في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) (النور 36 ـ 37)، أي تضطرب وتتقلب وهذا هو الذي دفعهم للعمل، يريدون النجاة ويحذرون الهلاك ويخافون أن يأتوا وكتبهم بشمالهم.وأمّا في الآخرة، فأولاً: الخوف من الله يجعل الإنسان في ظل العرش يوم القيامة، فذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديث السبعة:(.. ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله)، (.. ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، الخشية الموجبة لدمع العين تؤدي إلى أن النار لا تمس العين يوم القيامة، وثانياً: الخوف من الله من أسباب المغفرة، فجاء في البخاري قول النبي (صلى الله عليه وسلم) رجل كان فيمن قبلنا عنده جهل عظيم ورزقه الله مالاً فقال لبنيه لما حضره الموت: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيراً قط فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في يوم عاصف، ففعلوا وما أسهل أن يعيده الله كما كان، قال: ما حملك؟ قال: مخافتك، فتلقاه برحمته ..!!، فعذره الله بجهله وشفع له خوفه من ربه، وثالثاً: الخوف من الله طريق إلى الجنة، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم):(من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة) أي: الذي يخاف من إغارة العدو وقت السحر يسير من أول الليل (أدلج) فبلغ المنزل والمأمن والمطلب، وهذا مثل ضربه الرسول (صلى الله عليه وسلم) لسالك الآخرة فإن الشيطان على طريقه والنفس الأمارة بالسوء والأماني الكاذبة وأعوان إبليس، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق عليه، هذه سلعة الله التي من دخلها كان من الآمنين، ورابعاً: الخوف من الله يرفع الخوف عن الخائف يوم القيامة، قال (صلى الله عليه وسلم): قال الله تعالى:(وعزتي وجلالي، وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة)، وخامساً: الخوف سبب للنجاة من كل سوء، قال (صلى الله عليه وسلم):(ثلاث منجيات: منها خشية الله تعالى في السر والعلانية) فهذه الخشية هي التي تحفظ العبد وتنجيه من كل سوء, وهذا وعد الله والله لا يخلف الميعاد، وبالجملة نقول: الخائفون هم أهل القلوب الوجلة قال تعالى:(الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) (الحج ـ 35)، فالخائفون هم أهل الخشية قال تعالى:(الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) (الزمر ـ 23)، قال ابن كثير: هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار لما ينهون من الوعد والوعيد، وقال: صلى الله عليه وسلم (إذا قشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما يتحات من الشجرة ورقها) الطبراني، والخائفون هم أهل البكاء ،قال عقبة بن عامر: ما النجاة يا رسول الله؟ (قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك)، والبكاء من خشية الله سمة العارفين قال عبدالله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه: لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلى من أن أتصدق بمئة ألف درهم وقد بيّن (صلى الله عليه وسلم) أن من بكى من خشية الله فإن الله يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله فقال:(.. ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) بل حرم الله النار على من بكى من خشيته قال (صلى الله عليه وسلم):(لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع)، وفي رواية قال:(حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله) وكلا الحديثين صحيح، وفي الأثر الإلهي:(ولم يتعبد إلي المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي) والخائفون هم أهل الهمّة في الطاعة، فهذا عمر ـ رضي الله عنه كان في وجهه خطان أسودان من الدموع وكان يأخذ تبنة من الأرض ويقول: (يا ليتني كنت هذه التبنة، يا ليتني لم أك شيئا مذكورا). وهذا أبو عبيدة بن الجراح يقول:(وددت أني شاة فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحتسون مرقي، وهذا عبد الله بن المبارك يقول:(لو أن رجلا وقف على باب المسجد ونادى ليخرج شر الناس لما سبقني إليه إلا رجل أوتي أكثر مني قوة أو سمعاً).محمد عبدالظاهر عبيدوإمام وخطيب جامع محمد الأمين