شاعر صمود فلسطين بعد 45 عاما على رحيله

القاهرة ـ "الوطن" :
غسان كنفاني هو روائي وقاص وصحفي فلسطيني يعتبر أحد أشهر الكتاب والصحافيين العرب في القرن العشرين. فقد كانت أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية. ولد في عكا شمال فلسطين عام 1936م وعاش في يافا حتى 1948 حين أجبر على اللجوء مع عائلته إلى لبنان ثم إلى سوريا. عاش وعمل في دمشق ثم في الكويت وبعد ذلك في بيروت وفي عام 1972 استشهد في بيروت مع ابنة أخته لميس في انفجار سيارة مفخخة على أيدي عملاء إسرائيليين.
وأصدر غسان كنفاني حتى تاريخ وفاته المبكر ثمانية عشر كتاباً وكتب مئات المقالات في الثقافة والسياسة وكفاح الشعب الفلسطيني. في أعقاب اغتياله تمّت إعادة نشر جميع مؤلفاته بالعربية في طبعات عديدة وجمعت رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته ومقالاته ونشرت في أربعة مجلدات. وترجمت معظم أعمال غسان الأدبية إلى سبع عشرة لغة ونشرت في أكثر من 20 بلداً وتمّ إخراج بعضها في أعمال مسرحية وبرامج إذاعية واثنتان من رواياته تحولتا إلى فيلمين سينمائيين وما زالت أعماله الأدبية تحظى بأهمية متزايدة.

أديب فلسطين
على الرغم من أن روايات غسان وقصصه القصيرة ومعظم أعماله الأدبية الأخرى قد كتبت في إطار قضية فلسطين وشعبها فإن مواهبه الأدبية الفريدة أعطتها جاذبية عالمية شاملة. كتب بشكل أساسي بمواضيع التحرر الفلسطيني وهو عضو المكتب السياسي والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. في عام 1948 أجبر وعائلته على النزوح فعاش في لبنان ثم في سوريا . وأكمل دراسته الثانوية في دمشق وحصل على شهادة البكالوريا السورية عام 1952. في ذات العام سجّل في كلية الأدب العربي في جامعة دمشق ولكنه انقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية وانضم إلى حركة القوميين العرب التي ضمه إليها جورج حبش عام 1953.
ذهب إلى الكويت حيث عمل في التدريس الابتدائي ثم انتقل إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية التي كانت تنطق باسم الحركة مسئولا عن القسم الثقافي فيها ثم أصبح رئيس تحرير جريدة المحرر اللبنانية وأصدر فيها ملحق فلسطين ثم انتقل للعمل في جريدة الأنوار اللبنانية وحين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 قام بتأسيس مجلة ناطقة باسمها حملت اسم مجلة الهدف وترأس غسان تحريرها . كما أصبح ناطقا رسميا باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وتزوج من سيدة دانمركية (آن) ورزق منها بولدين هما فايز وليلى.

رواياته ومسرحياته
نفر قليل من النقاد يعرفون أن الروائي الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني صاحب رواية "رجال في الشمس" وكتب مسرحيتين بجانب ما نشره من قصص وروايات ومقالات نقدية فقد نشر منها واحدة فقط في حياته وهى مسرحية "الباب" في عام 1964 ولم يقف النقاد عندها كثيرا لأنها نشرت بعد مرور عام واحد من صدور روايته الأشهر رجال في الشمس والمسرحية الثانية وعنوانها «القبعة والنبي» كتبها في عام 1967 ونشرت بعد وفاته بعامين.
وبالرغم من أن ذكر فلسطين لم يرد في هاتين المسرحيتين أو حتى اسم أي منطقة فلسطينية كما يحدث دائما في معظم أعماله إلا أن الوحي الفلسطيني يعيش بين السطور وبقدر ما كان مهموما بالقضية على نحو صريح عديد الأوجه فقد كان مسكونا بهاجس شخصي بحت يتفاعل أحيانا معها وفى أحيان أخرى ينفصل عنها بخصوصيته غير أن تجربة النزوح إلى الدول العربية عقب حرب 1948 كانت تحدد اتجاه هاجسه حتى في أعماله التجريدية وهذا ما يميز مسرحيتي الباب والقبعة والنبي حيث إنهما شخصيتان جدا وفى الوقت نفسه فلسطينيتان جدا وهما تختلفان عن رواياته وقصصه في أنهما تمثلان القوتين الفاعلتين في نفسه إحداهما واقعية والأخرى مطلقة .
وفي مسرحية الباب أراد غسان أن يصنع بطلا تراجيديا على غرار شخصية أوديب لسوفوكليس ويستمد جذوره من الأسطورة العربية من خلال شخصية الملك عاد ملك قبيلة الأحقاق الذي وقف في وجه عاتية تتمثل في الإله «هبا» الغاضب على القبيلة بحجة ارتكاب الناس للخطايا والآثام فمنع نزول المطر من السماء وكادت القبيلة تموت من العطش . غير أن مسرحية الباب كفعل مسرحي جاءت تعويضا نفسيا عن الخزلان المفروض على أبطال رواية «رجال في الشمس» الذين أرغموا على ترك وطنهم وانتهت حياتهم بالموت دون إرادتهم . أما الملك عاد ومن بعده ابنه شداد كلاهما مأساته أقرب إلى مأساة البطل الإغريقي الذي يرضى بالفاجعة ثمنا لإرادته الواعية واختيار غسان للباب كعنوان للمسرحية يعنى أن الولوج إلى عالم الحرية لا يتأتى إلا من خلال التصدي لقوى البغي والعدوان التي يرمز لها في تلك المسرحية بالإله «هبا» وهو ما يشكل المعادل الموضوعي للاحتلال الصهيوني. وثورة عاد على الإله «هبا» ليست ثورة عارضة وإنما نابعة من فكرة مسيطرة على عقله ومفادها أن جده نوح هو الوحيد الذي ارتضى أن يعيش بعد أن فني كل الناس وأنه باع الأرض مقابل نجاته وتركها نهبا للإله «هبا» وتقابل الطرفان في معركة غير متكافئة وسقط الملك «عاد» صريعا تحت أقدام هبا. وتحاول الأم منع نجلها «شداد» عن مجابهة الإله «هبا» حتى لا يلقى مصير والده إلا أنه أصر على منازلة «هبا» وحقق «شداد» حلمه في تشييد مدينة جديدة وأطلق عليها اسم «إرم» لأنه سئم الحياة وسط القبيلة.

عيون النقد
يقول عنه الناقد عزت العزاوي قلما يولد في الزمان غسان كنفاني في الذاكرة والضمير. يبدو أن غسان كنفاني كان يبحث في الموت والمنفى وجعل هذا البحث شغله الشاغل. لم يستطع الفكاك عن هذا البحث في "ما تبقى لكم " أو في "أرض البرتقال الحزين" أو "أم سعد" وغيرها. لقد فتح لنا طريق البحث في الطريق الطويل ما بين ذاكرة منكوبة بطفولة الانتزاع من المكان إلى شيخوخة لم تكشف بعد الأجوبة على مرارة الخبز حين يختلط بالرمل. والذين خرجوا إلى كتابات غسان كنفاني بقوا في منتصف الطريق لقد خرج هو عليهم بنصف عمره وهو صاحب قضية مظلومة من البدء حتى المنتهى.
ويقول عنه الناقد مهند عبد الحميد : كان غسان مقاتلاً والقتال يحتمل الموت وكان لاجئاً والعودة تحتمل الموت وكان ملتزماً والالتزام يفترض لقاء الموت . لقد علي الجميع الموت دفاعاً عن الكرامة الإنسانية أفضل من الحياة فلا معنى لحياة بلا كرامة. وتنطوي فلسفة الموت عند غسان على مبدأ المفاضلة فأنت لا تستطيع اختيار الحياة لأنها معطاة لك أصلا والمعطى لا اختيار فيه. واختيار الموت هو الاختيار الحقيقي خاصة إذا تم اختياره في الوقت المناسب وقبل أن يفرض عليك في الوقت غير المناسب والوقت المناسب عند غسان هو تحدي الإنسان للظلم والاستبداد ورفضهما إلى المستوى الذي يجعل الموت محتملا كثمن لتلك المفاضلة.
أما الناقد بلال حسن فيقول عرفت غسان كحزبي وكمثقف وكصحافي وكقصاص وكروائي ويميل النقاد إلى الإشادة بكل هذه الجوانب في شخصيته بنوع من التبجيل للشهيد . ولعل ابرز ما في غسان هو عالمه الإنساني الداخلي الغني وقدراته الفنية فكان غسان فنانا وقصاصا وروائيا يعمل كثيرا إلى حد الإرهاق ثم يتحرق لكي ينتهي من العمل الصحفي وكان يملك طاقة على الكتابة بعد أن يقضي عشر ساعات في الصحافة .
ويشير الناقد صايغ أنيسنفس إلى عيش غسان ثورة دائمة فكان ثورة تلتهب لذلك كان النضال الفعلي له في الثورة الفلسطينية بالكتابة والتوجيه والدعوة والانتماء العقائدي وتحمّل المسؤولية . ويؤكد الناقد سلمان طلال أن غسان كنفاني دخل إلى قلب فلسطين بلسان الشعراء وفتح أمام جيل الباب لمعرفة إسرائيل معرفة تفصيلية بأحزابها وقواها السياسية وتركيبتها الاجتماعية والتيارات الدينية ومؤسساتها العسكرية والأمنية.
ويوضح الناقد شاكر فريد حسن أن غسان كنفاني شخصية متعددة المواهب فكان كاتبا ملتزما بقضايا شعبه الوطنية والقومية والطبقية ومناضلا سياسيا مدافعا عن حق شعبه الفلسطيني في الحرية والاستقلال . وقد عاش المأساة الفلسطينية وحمل جراح شعبه وآلامه وهمومه اليومية حتى داخل المخيمات الفلسطينية وفي جميع أصقاع العالم . لقد كان غسان كاتبا ثوريا بارزا مسلحا بالفكر ماقتا الشعارات الجوفاء مهاجما الانتهازية ومقاوما الوصوليين ومتصديا للمرتزقة ولذلك أحبته الجماهير الشعبية الفلسطينية وحظي بتقدير شعبه وتياراته السياسية واتجاهاته.