[author image="https://alwatan.com/v2/v2/wp-content/uploads/2015/03/must.jpg" alt="" class="avatar photo" height="60" width="60"]أحمد مصطفى[/author]
”الاستخدام الشعبي العامي لتعبير "على باب الله" فيعرفه المصريون أكثر من غيرهم تقريبا واشهر استخدام له عندهم هو للرد على سؤال حول مصدر الرزق. فالشائع ان تسأل أحدا "ما عملك؟"، فإن كان بلا وظيفة محددة ومعروفة يجيب: "على باب الله". كما يستخدم الرد أيضا إذا كان من سئل يعمل في وظيفة أو مهنة لا يريد التصريح بها حرجا أو لسبب آخر.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في شعر الصوفية ونجواهم يصور الخالق جل وعلا بما قد يستهجنه بعض المتزمتين والمتشددين دينيا، لكن بعض تلك التعبيرات قريبة جدا من الثقافة الشعبية العامة والحكمة المتراكمة منذ بدا البشر يكونون مجتمعات على سطح الأرض. كثيرة التشبيهات والاستعارات البلاغية لدى الصوفية التي تتقاطع مع لغة العوام، وحصرها وشرحها يحتاج لبحث لا هنا مكانه ولا كاتب هذه السطور مؤهل له. لكن من بين تلك الاستعارات والتشبيهات، وبشكل مبتسر ومباشر، أتذكر دوما تعبير "على باب الله". بالطبع، لا يأتي ذلك مباشرا هكذا في أشعار الصوفية ومناجاتهم انما تجد ذلك التعبير في مواوويل الموالد الشهيرة وابتهالات المنشدين بشكل قريب من لغة العامة وان ظل شعرا ووزنا بشكل أو بآخر. ولعل أشهر من تغنى بها المنشد المصري الشيخ سيد النقشبندي في ابتهاله الشائع "مولاي .. إني ببابك قد بسطت يدي ..".
يتطلع المتصوفة منذ القدم إلى باب الله سعيا وراء "النور، الإلهام، النفحات .."، ويتطلع العامة إلى باب الله طلبا للرزق والعون (المدد الرباني) على ما يواجهون في الحياة الدنيا. ويعود ذلك إلى ما قبل الأديان السماوية الثلاثة الرئيسية، فهكذا كان يفعل قدماء المصريين عند باب فرعون (الذي كان في البداية إلها وحاكما)، والأرجح أن ذلك تكرر في حضارات قديمة أخرى: أن يطلب الشعب العون والمدد على شؤون دنياه بالسجود على باب الرب. صحيح انه لا ساتر ولا حجاب بين العبد وربه، لكن الاستعارة هنا تعني "تسهيل الأمر على عقول البشر" بتصور سبيل الرجاء من السماء، حتى في الكتب السماوية وأولها القرآن الكريم تجد وصف "أبواب السماء .." متكررا. هذا الباب المتخيل، سواء لدى الصوفية أو لتقريب الصورة للعوام، لا يعني سدا أو حاجزا إنما هو اقرب لكونه "مدخل" لما ينعم الله به على عباده وما يرجونه منه في صلواتهم ودعائهم.
أما الاستخدام الشعبي العامي لتعبير "على باب الله" فيعرفه المصريون أكثر من غيرهم تقريبا واشهر استخدام له عندهم هو للرد على سؤال حول مصدر الرزق. فالشائع ان تسأل أحدا "ما عملك؟"، فإن كان بلا وظيفة محددة ومعروفة يجيب: "على باب الله". كما يستخدم الرد أيضا إذا كان من سئل يعمل في وظيفة أو مهنة لا يريد التصريح بها حرجا أو لسبب آخر. ويستخدم التعبير مجازا أيضا للتعبير عن اتكال البشر او تواكلهم أو هربا من الرد على طلب لا يريدون تلبيته: "كلنا على باب الله". وهكذا تتنوع الدلالة والمعنى المقصود لذات التعبير المجازي شعبيا والروحاني صوفيا ويبقى الأصل واحدا وهو اللجوء للرب أو الراعي طلبا للعون أو طمعا في المكافأة. لكن لماذا تذكرت ذلك الآن، وسقت تلك المقدمة الطويلة حول هذا التعبير، فهذا هو بيت القصيد. ذلك أن هذا التعبير البسيط والمشحون بالدلالة والماني في آن يمكن أن ينطبق على الفرد وكذلك على الجماعات والدول.
انتبهت إذا لهذا التعبير وانا أتلفت حولي وأرى عدد الدول في المنطقة التي يمكن أن يكون شعارها "على باب الله" يزيد بوتيرة متسارعة. بالمعنى الصوفي، هي في موضع طلب المدد والعون للخروج من أزماتها وصراعاتها المسلحة التي تدمرها وتعصف بها، ومع ما يبدو من عجز البشر عن نفعها في محنتها فليس أمامها غير "باب الله". وبمعنى آخر، كدلالة القول الشائع شعبيا، فقد فقدت تلك الدول ـ أو بعضها على الأقل حتى الآن ـ وظيفة واضحة ومصدر عيش واضح بعدما أنهكتها الحروب ومزقتها فأصبحت في النهاية "على باب الله". وهناك من تلك الدول من لم يتمزق تماما بعد، ولم تقض الحرب على اواصره، لكنه يظل ايضا "على باب الله" بمعنى الرجاء والتمني ألا يصبح مصيره مصير تلك الدول التي أصبحت نهائيا في وضع كارثي لا يقدر عليه إلا الله.
هناك دول أخرى "على باب الله" بمعنى أنها تتطلع لراع أو رعاة في وقت كل يغني على ليلاه، وقد أحاط بالعالم وعلاقاته الدولية ما جعل المصالح تتضارب أكثر مما تتقاطع حتى أصبح "الباب" سدا بالخرسانة أحيانا أو "جدارا عازلا". هذا النوع الأخير من الدول التي "على باب الله" بإمكانه في الوقاع الاعتماد على نفسه والتركيز على مصالحه، حتى في علاقاته بالآخرين والقوى الكبرى، دون أن يترك طلب العون والمدد من السماء طبعا. لكن الاعتماد على الذات، وثقة الجيران وحسن التعامل مع الأصدقاء هي رأسمال جيد يفتح ابوابا كثيرة للمنفعة. ففي النهاية نحن جميعا "على باب الله" لكن هناك من يأخذ بالأسباب لينفتح له الباب والبعض الآخر ينتظر أن يأتيه ما وراء الباب دون جهد أو استنادا لبعض "عشم" أو وهم "عزوة". هذا ما ينطبق على الدول، وعلى المجتمعات والبشر الأفراد.
دعونا إذا نبتهل بأننا بباب المولى عز وجل قاصدين عفوه ورحمته، وعونه لنا على أنفسنا وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.